اللجنـة الشعـبية للإصـلاح
من أجل تحرير الإرادة الوطنية
";
تاريخ اليوم: 2017/05/25 يوم السنة: [144] أسبوع السنة: [21] شهر: [5] ربع السنة: [1]
تسجيل دخول عضو [ كود العضو: - كلمة السر: ]
  دخول
  نسيت كلمة السر؟
  تسجيل عضو جديد
  الحرية والعدالة يستنكر دعوة مرشحي الرئاسة إلى مناظرة بأمريكا   رئيس جامعة حلوان يمنع صرف حوافز الجودة لأعضاء هيئة التدريس   سنقف ضد من يريد حرق مصر   جمعة السيادة للشعب ورفض البيان   لماذا ترغب تل أبيب وواشنطن في تأخير الانتخابات الرئاسية في مصر؟   الشعب المصرى سيستمر فى النضال لنيل كامل حقوقه   يرفض الثوار إتفاق بعض الأحزاب مع المجلس العسكري   بطلان بيع شبين الكوم للغزل والمراجل البخارية وطنطا للكتان   ائتلاف الثقافة المستقلة يطلق أول مبادرة ثقافية قومية يقوم بها المجتمع   مات رجل أحبه - مات عيداروس القصير   
 أجندة المناسبات 
 <<    مايو 2017   >>  
الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 31

  الصفحة الرئيسة
  من تحن؟
  إتصل بنا
  أخبر صديق
  إبحث في الموقع
  الكــتّاب
  الأرشـيف
  أسئلة وأجوبة

  ملفــات وقضـابا
  المقــالات
  الصوتيات والمرئيات
  أدب وفن
  بيانـات ووثــائق
  الأخبـــار
  المنـــــاسبات
  المجمـــــوعات


الإشتراك في النشرة اليومية
الإشـتراك في النشـرة الأسبوعية

بحـث في اللجنـة الشعـبية للإصـلاح
إبحــث

دليل المجتمع المدني

يضم هذا الدليل الهيئات والتنظيمات المهتمة بالجوانب الثقافية والسياسية والإجتماعية مثل الأحزاب السياسية والمراكز الثقافية والنوادي وجمعيات المجتمع المدني. ونهدف إلى التعرف على هذه الجهات ومناقشة رؤياها وبرامجها ونشاطها. وسنحاول أن تكون البيانات المنشورة توضح الفكر والأهداف والبرامج السياسية وكذا مصادر التمويل وعدد الأعضاء وندعو المتصفحين لتقييم هذه الهيئات والجماعات تقييما موضوعيا. والسؤال الذي نبحث له عن إجابة هو: هل هذه الهيئات قادرة على إحداث التغيير وما مدى مساهمتها في ذلك؟
أحزاب سياسية [3]
مشروعات فكرية [3]
حركات سياسية [1]
  عرض قائمة شاملة[14]
مشروع تأسيس حركة التحرر العربية الديمقراطية
محمد الشرقاوي
  راسل الكاتب

والآن تواجه الأمة العربية تحديات أكثر ضراوة وقسوة فرضتها نتائج سقوط النظام العالمى السابق ثنائى القطبية وظهور معالم نظام عالمى جديد لا تتفرد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادته فحسب، وإنما تسعى إلى فرض نظام إمبراطورى عالمى يؤسس من خلال سيطرتها الكاملة على
  التعليق ولوحة الحوار (2)
  طباعة
  أرسل بالبريد الإلكنرونى

عنوان هذه الصفحة على الإنترنت هو ما يلي. يمكنك نسخة ولصقه على رسائلك الإلكترونية أو صفحات الويب
http://pcr.misrians.com/directory?7
مشروع تأسيس
حركة التحرر العربية الديمقراطية

دكتور محمد السعيد أدريس

أولاً: الدوافع والحوافز

لقد استطاعت الأمة العربية أن تفجر، فى لحظة فارقة من تاريخها، حركة تحرر عربية مع ولادة ثورتها الناهضة فى مصر بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر، فى الثالث والعشرين من يوليو/ تموز 1952. وقد جاءت حركة التحرر العربية هذه استجابة لطموحات الأمة العربية فى النهوض وإقامة مجتمع العزة والكرامة فى دولة عربية متحدة، كما جاءت رداً على كل التحديات والترتيبات الدولية والإقليمية، لاسيما فى وطننا العربى التى فرضتها نتائج الحرب العالمية الأولى وعلى الأخص منها مشروع التقسيم والتجزئة الذى حول الوطن العربى إلى شظايا من الأقطار المتباعدة معنوياً رغم التصاقها جغرافياً، والنتائج التى فرضتها الحرب العالمية الثانية وعلى الأخص منها مشروع التبعية والاستقطاب العالمى وفرض الكيان الصهيونى فى قلب الوطن العربى لترسيخ النتائج التى فرضتها الحرب العالمية الأولى. لقد جاءت هذه الحركة تتويجاً لنضالات تاريخية خاضتها الأمة العربية على مدى عقود طويلة من تاريخها ضد الاستعمار وكل أشكاله ومسمياته وضد الظلم والاستبداد وكل أشكال القهر والتخلف. ومن خلال هذا التراكم النضالى للأمة تخلق الوعى بحتمية النضال الجماعى المتجاوز للحدود القطرية الضيقة لمواجهة كل التحديات التى تحول دون استقلالها الحقيقى وحريتها وتمكينها من النهوض والتقدم، وتجاوز كل معوقات وحدتها.

ومثلما جاءت حركة التحرر العربية فى عقدى الخمسينيات والستينيات استجابة لطموحات الأمة فى الحرية والاشتراكية والوحدة التى تتجسد فى مجتمع العزة والكرامة، مجتمع الكفاية والعدل، كما جاءت رداً على كل التحديات الدولية والإقليمية، فإنها جاءت أيضاً متزامنة مع ولادة حركة تحرر عالمية لم تكن حركة التحرر العربية مجرد أحد روافدها بل كانت فى طليعة قيادتها التى تجسدت داخل مؤتمر باندونج عام 1955، ثم فى مؤتمر بلجراد الذى أسس لحركة عدم الانحياز عام 1961. لقد كانت قيادة جمال عبد الناصر ومن خلفه حركة التحرر العربية ومعه كل من الزعيم الهندى جواهر لال نهرو والزعيم اليوغوسلافى جوزيف بروز تيتو، لحركة التحرر العالمية دليلاً أكيداً على وحدة حركة النضال العالمية ضد الاستعمار الجديد وضد كل محاولات الهيمنة ورفضاً للاستقطاب العالمى.

من هنا جاءت مقولة الزعيم جمال عبد الناصر التى أكد فيها أن هزيمة الاستعمار فى أى بقعة من العالم هى انتصار للقومية العربية ولحركة التحرر العربية، لذلك لم تكتف حركة التحرر العربية حينذاك بأن تكون شريكاً فاعلاً فى قيادة حركة التحرر العالمية التى تجسدت فى حركة عدم الانحياز التى أخذت على عاتقها محاربة الاستعمار والدعوة لإقامة نظام اقتصادى عالمى جديد أكثر عدلاً وديمقراطية، ولكنها أخذت على عاتقها أيضاً مسؤولية دعم نضال شعوب العالم من أجل الحرية والاستقلال لكل دول العالم الثالث الناهضة فى آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية ودون انعزال عن التلاقى مع كل القوى المناهضة للاستعمار الإمبريالى الجديد داخل المجتمعات الغربية.

هذه التجربة النضالية العربية التى فجرتها حركة التحرر العربية فى الخمسينيات والستينيات كانت لها خصوصياتها وفى مقدمتها أنها تجسيد للاستجابة لطموحات ومواجهة تحديات مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية ورواسب الحرب العالمية الأولى، وانسجام مع القيم والمبادئ التى ارتكز عليها النظام العالمى الجديد كما هى مدونة فى ميثاق منظمة الأمم المتحدة وخاصة مبادئ التعاون الدولى، لكنها كانت أيضاً، وهذا هو الأهم، تعبيراً عن واقع سياسى عربى جديد فرضه تفجر الثورة العربية فى مصر، وبروز زعامة جمال عبد الناصر التى جعلت من مصر الناصرية قاعدة للنضال التحررى الوحدوى العربى، والتى استطاعت أن تلتقى مع نظم حكم عربية أخرى شاركتها الأهداف والمبادئ، لكن الأهم هو أنها استطاعت أن تلتقى مباشرة مع الشارع العربى متجاوزة حدود التقسيم والتجزئة ودون وساطة من أحزاب أو أنظمة حكم أو حتى جامعة الدول العربية التى بقت إطاراً نظامياً تلتقى فيه نظم الحكم العربية على قاعدة التنسيق الضيقة التى فرضها ميثاقها الذى فرضته اعتبارات التأسيس عام 1945 فى ظل خضوع معظم الدول العربية للاستعمار الغربى.

والآن تواجه الأمة العربية تحديات أكثر ضراوة وقسوة فرضتها نتائج سقوط النظام العالمى السابق ثنائى القطبية وظهور معالم نظام عالمى جديد لا تتفرد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادته فحسب، وإنما تسعى إلى فرض نظام إمبراطورى عالمى يؤسس من خلال سيطرتها الكاملة على ما تسميه بـ "إقليم الشرق الأوسط الكبير" الذى يهدف إلى فرض الهيمنة الأمريكية الكاملة على مقدرات وثروات هذا الإقليم وفى مقدمتها الثروات النفطية، من خلال السيطرة المباشرة ومن خلال إعادة تقسيم ما سبق تقسيمه بعد الحرب العالمية الأولى ومن خلال فرض ما سمى بـ "سياسة الفوضى البناءة" بإشعال الحروب الطائفية والمذهبية لتأسيس هذا النظام الشرق أوسطى على قاعدة الدولة الطائفية والعرقية التى يستطيع من خلالها الكيان الصهيونى القيام بدور القوة الإقليمية العظمى المهيمنة.

لقد كانت الحرب الأمريكية على العراق عام 2003 واحتلاله التى تعمدت بعض دوائر الفكر الاستراتيجى الأمريكى تسميتها بـ "الحرب العالمية الرابعة" (اعتقاداً بأن الحرب الباردة كانت بمثابة حرباً عالمية ثالثة) هى البداية لفرض هذا المشروع الإمبراطورى الأمريكى الذى ضرب عرض الحائط بكل مبادئ وأهداف النظام العالمى السابق وكل مبادئ القانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة وعلى الأخص احترام السيادة الوطنية للدول، وهى البداية أيضاً لفرض مبادئ بديلة تجسدها الاستراتيجية الأمريكية الجديدة التى حملت اسم "استراتيجية الضربات الوقائية" التى تعطى للولايات المتحدة، دون غيرها، حق التدخل فى الشؤون الداخلية للدول، وحق استخدام القوة ضد من تريد، وحق تقسيم العالم إلى معسكرين أولهما تابع للهيمنة الأمريكية تحت مسميات متنوعة أبرزها "محور الخير" أو "محور الاعتدال"، وثانيهما معارض يحمل اسم "محور الشر"، وعندما قررت الولايات المتحدة غزو العراق تجاوزت الأمم المتحدة والمجتمع الدولى كله، وأصدرت قراراً أمريكياً منفرداً بالغزو أيدته بريطانيا وأسبانيا وفرضت على العالم أن ينقسم بين مؤيد للغزو وشريك، بالتالى، فى تأسيس التحالف الدولى لغزو العراق، وبين معارض للغزو ألصقت به تهمة "محور الشر".

ومثلما كانت بداية خوض معركة تأسيس الإمبراطورية فى العراق، فإن بداية فرض مبادئ السياسة الأمريكية الجديدة كانت فى عالمنا العربى من خلال الدعوة لتأسيس نظام الشرق الأوسط الكبير كنظام إقليمى بديل للنظام الإقليمى العربى يقوم على قاعدة الدولة الطائفية والعرقية التى يجرى فرضها بداية فى العراق استجابة لسياسة تغيير الخرائط السياسية وفرض خرائط سياسية بديلة جديدة لتأسيس دويلات طائفية وعرقية تكون قاعدة تكوين هذا الشرق الأوسط الكبير.

هذا الواقع السياسى الجديد المفروض على الوطن العربى لا يجسد تهديداً فقط لأمل الوحدة العربية، لكنه بات يستهدف الدولة الوطنية العربية ذاتها بالدعوة إلى إعادة تقسيمها. وهكذا فإنه بدلاً من المسعى العربى لحركة التحرر العربية فى الخمسينيات والستينيات، لإعادة توحيد ما سبق تقسيمه من أرض العرب أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى، يجد العرب أنفسهم الآن أمام مخطط إعادة تقسيم ما سبق تقسيمه بعد إكمال مخطط تفكيك رابطة النظام الإقليمى الرسمى العربى بفرض سياسة استقطاب جديدة على قاعدة محورى "الاعتدال" و"الشر" وعلى قاعدة "الحلف السنى" فى مواجهة "الهلال الشيعى".

هذا الواقع السياسى الجديد يشهد أيضاً تطابقاً بين إنتاج استقطاب طبقى اجتماعى- سياسى جديد على الصعيد العالمى تجسيداً لسياسة العولمة وانطلاق الرأسمالية العالمية المتوحشة لفرض سيطرتها متجاوزة كل الحدود التقليدية للدول ومعتمدة على سياسة التدخل القسرى فى الشئون الداخلية للدول، وبين إنتاج استقطاب طبقى اجتماعى - سياسى جديد داخل الدول العربية. ومثلما تم تقسيم العالم إلى مجتمعات (وليس دول) غنية مسيطرة ومجتمعات أخرى فقيرة مسيطر عليها، يجرى فرض استقطاب طبقى اجتماعى – سياسى داخل الدول العربية بين طبقات تحتكر السلطة والثروة وطبقات فقيرة محرومة ومعزولة ومهمشة ومسيطر عليها.

الأهم من هذا هو ذلك التلاقى، الذى يصل إلى درجة التحالف، بين قوى الهيمنة الرأسمالية الخارجية التى يقودها النظام الإمبراطورى الأمريكى وحليفه الصهيونى، وبين القوى المسيطرة على السلطة والثروة داخل الدول العربية التى تمارس الاستبداد والفساد.

هذا التحالف بين قوى الهيمنة العالمية التى يجسدها المشروع الإمبراطورى الأمريكى الجديد وقوى الاستبداد والاحتكار السياسى والاقتصادى فى الداخل العربى ليس وليد تطورات عالمية فقط ولكنه أيضاً وليد تطورات عربية، على مستوى كل دولة عربية وعلى مستوى النظام العربى ككل عندما تراجع ثم اختفى دور دول الثورة ابتداءً من عقد السبعينيات وبالتحديد ابتداءً من نكسة يونيو/ حزيران 1967 وانتصار الثورة المضادة فى مصر وسيطرتها على مقاليد الدولة والسلطة والانحراف بها فى اتجاه القبول بالهيمنة الأمريكية أولاً ثم التطبيع مع الكيان الصهيونى ثانياً.

ومع تراكم الثروات النفطية وما سمى بـ "البترو دولار العربى" مع موجة ارتفاع أسعار النفط التى صاحبت حرب أكتوبر/ تشرين أول عام 1973، بدأت دول الثروة تسيطر على مقاليد النظام العربى وتنحرف به فى اتجاه التحالف المصلحى مع الهيمنة الأمريكية والقبول بالحل السلمى للصراع العربى – الصهيونى ابتداءً من "مشروع فاس - 1" (مشروع الأمير فهد) عام 1981، ثم مشروع  "فاس - 2 " عام 1982. وجاء احتلال الكيان الصهيونى لبيروت فى ذلك العام ليفضح عجز النظام العربى ويكشف مدى تورطه فى مخطط التطبيع المبكر مع الكيان الصهيونى، لدرجة بات معها هذا النظام متهافتاً ولاهثاً وراء سراب خياره الاستراتيجى بالسلام مع الكيان الصهيونى كما تجسدها مبادرة السلام العربية التى ضرب بها الكيان عرض الحائط منذ ولادتها فى قمة بيروت عام 2002 رغم كل محاولات إعادة تفعيلها الفاشلة على نحو ما حدث فى قمة الرياض (مارس 2007)، والانجرار بعدها إلى اجتماع أنابوليس فى نوفمبر 2007.

هذه التطورات والتحالفات كانت لها امتداداتها داخل الدول العربية مع سياسة الانفتاح الاقتصادى والقبول بدعوة أو سياسة "التكيف الهيكلى" التى أدت إلى تراجع الدولة عن القيام بدورها الاجتماعى والانقضاض على المكتسبات الاقتصادية والاجتماعية للطبقات الشعبية الفقيرة من عمال وفلاحين وطبقة وسطى مما أدى إلى مزيد من سياسات الإفقار وازدياد عدد الأغنياء وتراكم ثرواتهم، كما ازداد عدد الفقراء وازداد فقرهم.

وارتبط بهذا الواقع الاقتصادى - الاجتماعى العربى واقع سياسى لا يقل سوءاً أصبحت فيه "الدولة التسلطية" هى المسيطرة على مقاليد السلطة والثروة وفرضت معادلة احتكار السلطة، وتجريف بنية العمل العربى عبر ممارسات مؤسسات سياسية فاسدة حالت فى بعض الأحيان دون قيام تعددية سياسية حقيقية وأدت فى أحيان أخرى إلى قيام تعددية سياسية مشوهة فرضت معادلة أو لعبة سياسية قائمة على قاعدة وجود حزب أو عائلة أو قبيلة حاكمة تسعى إلى أن تظل حاكمة وإلى الأبد ووجود أحزاب معارضة تعارض فقط وقبلت أن تظل معارضة وإلى الأبد. وقد سقط أغلبها تحت ضغوط الترهيب والغواية التى تمارسها السلطات الحاكمة والتى استطاعت من خلالها أن تنتزع هذه الأحزاب من قواعدها الشعبية وتجعلها مجرد أدوات مزيفة لتجميل الوجه القبيح للدولة التسلطية والمعادلة السياسية المشوهة لمجمل العمل السياسى، وشاهد زور على فرض شرعية مزيفة لهذه الدولة التسلطية الحاكمة فى أغلب الدول العربية سواء كانت ملكية أو جمهورية، التى هى الوجه الحديث والمعاصر للدولة المستبدة، والتى تسعى إلى الاحتكار الفعَّال لمصادر القوة والسلطة فى المجتمع لمصلحة الطبقة أو القبيلة أو العائلة الحاكمة، وهى خلافاً لكل أشكال الدولة المستبدة السابقة تحقق هذا الاحتكار عن طريق اختزال المجتمع المدنى وتحويل مؤسساته إلى تنظيمات تضامنية تعمل كامتدادات لأجهزة الدولة، كما أنها خلافاً لكل أشكال الدول المستبدة الأخرى، تخترق النظام الاقتصادى وتسيطر على مقاليد الثروة إما بالمصادرة أو بالفساد، وتعتمد اعتماداً مفرطاً على الأجهزة الأمنية لدرجة توريط الجيوش فى مهمة فرض الأمن الداخلى لحماية النظام الحاكم وفرض استمراريته.


ثانياً: حركة التحرر العربية الجديدة وخصائصها

لقد استطاعت الأمة العربية أن تفجر حركة تحرر عربية رائدة لكل حركات التحرر فى العالم وقت أن كان تحرير الأرض العربية المحتلة من القوى الاستعمارية ومن الحركة الصهيونية العالمية هو الهدف الاستراتيجى الأعلى، وقد ارتكزت هذه الحركة التحررية العربية على الزعامة الثورية للقائد جمال عبدالناصر وللدور المركزى لمصر الناصرية بالتعاون مع كل القوى الثورية والقومية والتحررية الموجودة على الأرض العربية وبالتحالف مع حركة التحرر العالمية. والآن فإن تلك البيئة التى تفجرت فيها تلك الحركة العربية التحررية لم تعد موجودة بل توجد بيئة أخرى شديدة الاختلاف تفرض التجديد والتطوير ليس فقط فى تكوين حركة التحرر المطلوبة ولكن أيضاً فى نوعية الأدوار والمهمات التى يجب أن تقوم بها. وثمة تغيرات عديدة ساهمت فى الوصول إلى هذا الوضع.

أول هذه التغيرات أن الزعامة القومية لم تعد موجودة، كما أن تجربة التعويل الكامل على دور الفرد فى قيادة أمة، مهما كانت قيمة دور الفرد فى تاريخ الأمم قد أكدت أن هذا التعويل شديد الخطر فى حالة غياب الفرد وفى حالة التفريط فى مهمة إنجاز مؤسسات شعبية قادرة على أن تكون القوة الأساسية فى قيادة المشروع، وفى حالة غياب الممارسات الديمقراطية وتوفير الحريات السياسية المركزية التى تتيح للشعوب أن تمارس دورها القيادى فى تحمل مشروعاتها الوطنية والقومية.

لقد أجهضت نظم حكم عربية عديدة حملت اسم "القومية" فرصاً هائلة للتقدم بمشروع الأمة فى التحرر والعدالة والديمقراطية والتقدم، بسلطويتها المفرطة وصراعاتها المتبادلة، وعرقلتها، بل وإجهاضها، للأدوار التى سعت القوى الشعبية العربية للقيام بها مستخدمة كل أنواع القمع والبطش والاستبداد، الأمر الذى حال دون إنجاز الأهداف التى قامت من أجلها حركة التحرر العربية.

وثانى هذه التغيرات أن دور الدولة المركزية أو "الإقليم القاعدة" الذى قامت به مصر الناصرية رغم كل إيجابياته، إلا أنه كان انتكاسة هائلة للأمة فى حالة تعثر دور هذه الدولة المركزية وفى حالة حدوث تغيير فى أولوياتها وفقاً لما يحدث من تغيرات داخلية فى بنية السلطة داخل هذه الدولة. تجربة مصر بعد وفاة جمال عبدالناصر وبعد انقلاب الثورة المضادة على الثورة الناصرية فى الثالث عشر من مايو 1971 بقيادة أنور السادات، وانحراف الرئيس المصرى الجديد بالدور القومى المركزى لمصر الناصرية واتجاهه المبكر للتحالف مع الولايات المتحدة والتصالح مع الكيان الصهيونى وإحداث تغيير كامل فى طبيعة نظام الحكم المصرى، هذه التجربة باتت كافية للنظر إلى دور الدولة المركزية فى قيادة حركة القومية العربية بأبعادها المختلفة التحررية والاشتراكية والوحدوية بمنظور وتقييم جديد يراجع هذا الدور ولا يعول عليه لصالح بديل أكثر قدرة وأكثر صلابة وأكثر استمرارية فى تحمل المسئوليات النضالية للأمة.

أما ثالث هذه التغيرات فيتركز فى غياب حركة التحرر العالمية التى كانت تتمثل فى حركة عدم الانحياز، بعد غياب زعاماتها التاريخية، وبعد الانقلابات الدرامية التى حدثت داخل الدول الرائدة فى قيادة هذه الحركة ودخول أعداد كبيرة من الدول الموالية للغرب وللولايات المتحدة فى عضوية هذه الحركة مما أدى إلى ترهلها وعجزها عن مواجهة التحولات الهائلة فى بنية وطبيعة النظام العالمى بعد اختفاء النظام العالمى ثنائى القطبية وتفكك الاتحاد السوفيتى وانهيار حلف وارسو.

إن ما حدث على مستوى النظام العالمى لم يقتصر فقط على غياب القوة العالمية الموازنة للقوة العالمية الأمريكية المهيمنة متمثلة فى الاتحاد السوفيتى وحلف وارسو، أو على غياب الحليف الاشتراكى المدافع والمؤيد للنضال الوطنى لحركة التحرر العالمية وفى قلبها حركة التحرر العربية، بل وأيضاً على التطور الخطير فى قوة ودور القوة الأمريكية المهيمنة التى باتت تتحول إلى قوة إمبراطورية عالمية ومرتكزة على دور متوحش للرأسمالية العالمية بعد الضربة الخطيرة التى تعرضت لها التجربة الاشتراكية، مرتكزة أيضاً على حركة العولمة بأبعادها الأيديولوجية الرامية إلى فرض هيمنة أيديولوجية غربية وسيطرة أمريكية على العالم.

هذه التغيرات التى حدثت فى النظام العالمى امتدت أيضاً إلى النظام الإقليمى فى الشرق الأوسط ومنه إلى النظام العربى. فالولايات المتحدة وهى تسعى إلى تأسيس إمبراطوريتها العالمية اختارت إقليم الشرق الأوسط ليكون منطلقاً ومرتكزاًَ لبناء هذه الإمبراطورية، وهى هنا تسعى إلى تدمير النظام العربى وإلى فرض خرائط سياسية جديدة على حساب الدول العربية القائمة، وإلى تفتيت الدول العربية إلى دويلات طائفية وعرقية وقيام نظام إقليمى شرق أوسطى جديد عرقى وطائفى تقوده الدولة اليهودية كدولة إقليمية عظمى.

فى ظل هذا الواقع لم يعد الخطر أو مصدر التهديد هو مجرد مساعى أمريكية للسيطرة أو استمرار بقاء الدولة اليهودية فى فلسطين، بل إن الدول العربية التى كانت تسعى إلى الوحدة باتت مهددة فى وحدتها الوطنية ولم تعد قادرة على حماية سيادتها واستقلالها الوطنى. والكيان الصهيونى الذى كان يدافع عن استمرار احتلاله لفلسطين بات يتطلع مدعوماً بالحليف الأمريكى إلى الهيمنة الإقليمية على حساب تمزيق وتدمير النظام العربى.

هذا الواقع الجديد بكافة أبعاده الوطنية والقومية والإقليمية والعالمية يفرض قيام حركة تحرر عربية جديدة على أسس جديدة:

أولها وأهمها، أن تكون حركة شعبية وديمقراطية بدلاً من أن تكون حركة نظم حكم عربية تحررية.

وثانيها، أن تكون صاحبة مشروع قومى شامل فى حجم خطورة وشمولية التهديدات التى تواجه الأمة.

وثالثها، أن تكون قادرة على التحالف مع كل الحركات الشعبية العالمية المعادية للعولمة بأبعادها الأيديولوجية وبقوتها الرأسمالية المتوحشة.



1- شعبية وديمقراطية الحركة

إن التحديات الهائلة التى تواجه الأمة العربية الآن والمهام الوطنية والقومية المطلوب إنجازها تفرض قيام حركة تحرر شعبية فى تكوينها أى مرتكزة على قوى شعبية ومؤسساتها الجماهيرية المختلفة من أحزاب ونقابات ومؤسسات مجتمع مدنى غير مرتبطة بالتمويل الأجنبى وحركات احتجاج شعبية متنوعة تكون مؤمنة بهدف قيام حركة تحرر عربية شاملة، وأن تكون هذه الحركة ديمقراطية فى تأسيسها ومؤسساتها وأدائها دون سيطرة أو هيمنة من أى طرف مشارك، وأن تتمتع بالقدر الأعلى من الشفافية والمحاسبة فى الأداء، وأن تمتلك من أدوات الرقابة والمحاسبة ما يجعلها دائماً بمنأى عن أى شطط أو تعسف أو انحراف.

إن الحركات الشعبية المنتشرة فى كثير من الدول العربية الآن وحركات الاحتجاج المتصاعدة ضد نظم الحكم المستبدة يجب أن تكون القوى الفاعلة المؤسسة لحركة التحرر العربية.

فحركة التحرر العربية الجديدة يجب أن تكون شعبية بقدر ما تعكسه من المبادرات الفردية للأعضاء ولمن ينتسب إليها متجاوزة الانتماءات الحزبية والأطر الأيديولوجية الضيقة، وأن تضم كافة التيارات الوطنية الفاعلة داخل الأقطار العربية وعلى الأخص منها: التيار القومى والتيار اليسارى الاشتراكى والتيار الليبرالى والتيار الإسلامى وخاصة المؤمن بالدولة المدنية الديمقراطية وبالأهداف التحررية للمشروع النهضوى العربى الذى تسعى حركة التحرر العربية من أجل إنجازه.

إن الوعى بحقيقة وخطورة التحديات التى تواجه الأمة الآن وفداحة المهام التى يجب أن تقوم بها حركة التحرر العربية تفرض على كل تيار من هذه التيارات أن يكون واعياً بأنه وحده لن يستطيع مواجهة التحديات ولن يكون قادراً على إنجاز المهام النضالية الهائلة المطلوب إنجازها، إن التجربة العملية العربية الراهنة تؤكد أنه ليس فى مقدور أى تيار من التيارات المكونة للحركات الوطنية العربية أن يواجه التحديات ويحقق المهام المطلوبة أياً كانت قوته. إن تحالفاً يجمع كل هذه التيارات بكافة تعدديتها وتنوع انتماءاتها هو وحده القادر على مواجهة التحديات وإنجاز المهام. وضمن هذا السياق الجامع فإن اليسار العربى مطالب بأن يقوم بالدور الأساسى فى تشكيل وقيادة وبلورة عمل حركة التحرر العربية ضمن هذا الائتلاف الشامل للقوى صاحبة المصلحة فى التغيير والنهوض.

لقد شهدت بعض الساحات العربية تجارب ناجحة من هذا النوع الشعبى الديمقراطى الذى يجمع كل التيارات الوطنية، وقد استطاعت هذه الحركات أن تحقق إنجازات مهمة وأن تدفع بالقوى الشعبية وخاصة العمالية منها إلى اقتحام ساحة العمل الوطنى السياسى والاجتماعى الأمر الذى يؤشر إلى أن أداء ودور مثل هذه الحركات عامل شديد الأهمية لتفعيل الحياة السياسية العربية وتحريك الركود المستحكم بها، والدفع بقوى التغيير الحقيقية وخاصة الطبقات الشعبية من عمال وفلاحين وكل الكادحين للتخلى عن ترددها والدخول بقوة كطرف كامل فى التجربة الوطنية للتغيير.

إن قوة حركة التحرر العربية الجديدة لن تكون فقط بشعبيتها ولكن أيضاً بديمقراطيتها، فهى يجب أن تقدم النموذج الأمثل للتكوين وللأداء الديمقراطى وأن يكون على رأس مهامها فرض الديمقراطية كقيمة سياسية عليا لأهدافها الاستراتيجية ولمشروعها النهضوى الذى يجب أن تسعى إلى تحقيقه.

لقد عانت الأمة العربية وحركة القومية العربية طيلة العقود الماضية من افتقادها البُعد الديمقراطى على مستوى الممارسة الداخلية فى الوقت الذى كانت ترفع شعار بُعدها التحررى على المستوى العالمى وفى مواجهة الحركة الاستعمارية. لقد اتهمت حركة القومية العربية بأنها بقدر ما اهتمت بتحرير الأوطان لم تهتم بتحرير الشعوب ولم تؤسس نظم حكم ديمقراطية ومؤسسات سياسية ديمقراطية قادرة على تأمين أدائها السياسى والدفع بالتجربة العربية نحو تحقيق غاياتها.

إن مثل هذه الاتهامات أياً كانت صدقيتها فإنها تفرض على حركة التحرر العربية الجديدة ليس فقط أن تكون ديمقراطية فى ذاتها وفى أدائها بل وأن تسعى إلى أن تجعل الديمقراطية أهم أهدافها وتفرضها كقيمة سياسية عليا وأساسية فى نظم الحكم العربية المستهدف تحديثها وتطويرها.


2- المشروع النهضوى الحضارى لحركة التحرير العربية الجديدة

تكتسب حركة التحرير العربية أهميتها وقيمتها من كونها تستهدف أولاً مواجهة التحديات والأخطار التى تتهدد الأمة على كافة المستويات الوطنية والقومية والإقليمية والعالمية، ومن كونها تستهدف ثانياً النهوض بالأمة وتحقيق الأهداف العليا كى تكون جديرة بأن تكون شريكاً فاعلاً ومؤثراً فى النظام العالمى وأن تكون ممتلكة لكل مصادر القوة والتفوق والمنعة التى تجعلها عصية على الاستهداف من القوى المعادية.

إن تحقيق هذا كله لا يمكن أن يحدث إلا من خلال امتلاك مشروع نهضوى حضارى تجمع عليه كافة القوى والتيارات السياسية العربية قادر على بناء "مجتمع الكفاية والعدل والحرية" وامتلاك القدرات العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية الكفيلة بصون وحماية الأمن القومى العربى وتحرير الأراضى العربية المغتصبة والمحتلة، فضلاً عن امتلاك القدرات الذاتية للتحديث والتطور والتجدد الحضارى التى تمكن الأمة من التخلص من كل قيود التخلف والتراجع وامتلاك قدرات النهوض والتقدم وتحقيق وحدتها المأمولة.

إن المشروع النهضوى العربى الذى يجب أن تسعى حركة التحرر العربية الجديدة إلى تحقيقه هو مشروع صنع المستقبل العربى ذاته فى مواجهة المعضلات والتحديات الست الأساسية الراهنة: الاحتلال والتجزئة والتخلف والاستغلال والاستبداد والتأخر والتراجع والجمود الحضارى، من خلال الأهداف والمهام النضالية القادرة على مواجهة هذه التحديات والمعضلات التى تتفاقم يوماً بعد يوم.

إن حركة التحرر العربية يجب أن تسعى إلى تحقيق أهداف ست لمواجهة تلك المعضلات الست:

هدف التحرر والاستقلال الوطنى والقومى لمواجهة حالة الاحتلال والخضوع للهيمنة الأجنبية التى تتفاقم يوماً بعد يوم،
 
والحرية والديمقراطية لمواجهة الاستبداد الداخلى الذى تجسده الدولة التسلطية المتحالفة مع قوى الهيمنة الخارجية،
 
والعدل القانونى والاقتصادى والاجتماعى والسياسى لمواجهة الظلم والاستغلال الاقتصادى والاجتماعى والاحتكار السياسى للسلطة،

والتنمية المستدامة القادرة على تحقيق مجتمع الكفاية لمواجهة التخلف والتبعية،

والنضال المتجدد والمتواصل من أجل تحقيق الوحدة العربية يبقى هو الرد الحاسم ليس فقط لمواجهة التجزئة التى فرضت على الأمة فى عقود طويلة مضت من الخارج ولكن أيضاً لمواجهة مشروع إعادة التقسيم الذى يسعى المشروع الإمبراطورى الأمريكى – الصهيونى إلى فرضه على الوطن العربى بالتعاون مع أطراف داخلية منحرفة الولاء الوطنى والقومى ارتضت أن تكون بؤراً للعمالة الأجنبية ومرتكزات للتبعية والهيمنة.

أما التجدد الحضارى والتحديث المتواصل وتحرير الفكر العربى من انغلاقه وجموده وانفتاحه الحر على كل مصادر التنوير والثقافة الحرة فهو الكفيل لمواجهة كل قيود التعثر والتأخر التاريخى وحماية الهوية القومية العربية من كل محاولات الانحراف بها إلى مزالق هويات طائفية أو عرقية أو نزعات شعوبية بغيضة تهدف إلى فرض خطط إعادة التقسيم الراهنة.


إن تحقيق هذه الأهداف لا يمكن أن يحدث دفعة واحدة أو بشكل متزامن، لأن ذلك يفوق كل قدرات الأمة ولا يتناسب مع ضخامة التحديات التى تواجهها، ولكن الأمر يستلزم أولاً وضع استراتيجية واضحة لتحقيق الأهداف ترتكز أولاً على تحديد ما يمكن تسميته بـ "هدف الاختراق" أى الهدف النموذجى الذى يمكن من خلاله الانطلاق لبدء مشروع النهضة والقادر على جذب الأمة وتمكينها من تحقيق باقى الأهداف عبر سلسلة من المهام النضالية المتداخلة فيما بينها. ويستلزم ثانياً السعى لامتلاك القدرات والآليات والأدوات اللازمة للبدء فى تحقيق وإنجاز المشروع النهضوى بأهدافه الست.

أ - الهدف المركزى القادر على تحقيق الاختراق

إن هدف العدل والحرية والكفاية هو المهمة المركزية الأساسية التى يجب أن تسعى حركة التحرر العربية الجديدة للنضال من أجلها لبناء مجتمع "الكفاية والعدل والحرية" الذى من خلاله يمكن تحقيق باقى الأهداف العربية عن طريق السعى لمواجهة الاستبداد والهيمنة والتخلف.

فمجتمع العدل الذى يجب أن يكون هدف التغيير المطلوب هو مجتمع العدل القانونى ومجتمع العدل الاقتصادى والاجتماعى ومجتمع العدل السياسى. والعدل القانونى هو حكم القانون فى دولة مدنية قائمة على قاعدتين: السيادة للقانون وحده وليس لغيره من الاعتبارات، والمساواة بين المواطنين دون تمييز لأى سبب من الأسباب، أى المساواة القائمة على قاعدة المواطنة.

أما العدل الاقتصادى والاجتماعى فهو مجتمع العدالة التوزيعية أى عدالة توزيع الثروة الوطنية بين المواطنين بما يحقق تكافؤ الفرص ويذيب الفوارق بين الطبقات، ويؤمِّن الحقوق فى العمل والتعليم والسكن والعلاج ويحول دون حدوث الاستقطاب الطبقى بين أقلية تملك وأغلبية محرومة لا تملك. أما العدل السياسى فهو الذى يحقق العدالة فى توزيع القوة السياسية بين المواطنين، أى العدالة فى النصيب المتكافئ من السلطة والحيلولة دون احتكارها لأى سبب من الأسباب لحزب أو قبيلة أو عائلة أو فرد أو طبقة. فالقوة السياسية، أى السلطة، هى ملك وطنى عام يجب عدم احتكاره وذلك من خلال تفعيل مبدأ "تداول السلطة" ومن خلال عمليات ديمقراطية متعددة تؤمِّن الحق الكامل غير المشروط فى المشاركة السياسية، والانتخاب الحر وتمكين المواطنين من الاختيار الحر النزيه لحكامهم، وتمكينهم من مجمل حقوقهم السياسية فى التعبير الحر والتنظيم والتظاهر وغيرها من الحقوق السياسية.

أما مجتمع الحرية الذى يجب أن يكون الهدف الثانى لعملية التغيير المطلوبة فيعنى تأمين ثلاثة حريات: حريات الأفراد وحرية المجتمع وحرية الوطن. ويكون تأمين حريات الأفراد بكفالة الحريات المدنية والإنسانية وفى مقدمتها حرية الاختيار وحرية الفكر وحرية العقيدة واحترام عقائد الآخرين، وحرية تبادل المعلومات، وحرية التنظيم، وحرية التعبير، والقضاء على كل أشكال القهر والاستبداد والتسلط السياسى أو الاقتصادى والاجتماعى، وإنهاء كل وجود للدولة التسلطية.

ويكون تأمين حرية المجتمع من خلال صيانة الحرية الكاملة للجماعات والثقافات الفرعية الوطنية وتأمين قاعدة المواطنة المتساوية فى الحقوق والواجبات دون تمييز بين كافة المواطنين فى المجتمع.

فالمواطنة هى التعبير القانونى عن الوجود السياسى للوطن والمواطن معاً، وهى المدخل الأساسى للنهوض الوطنى وهى حجر الزاوية لتطوير الوطن ابتداءً من نظامه السياسى والاجتماعى والاقتصادى وامتداداً إلى النهوض الثقافى والارتقاء الحضارى. لأن افتقاد المواطنة هو الوجه الآخر لافتقاد الوطن بمدلولاته المعنوية والرمزية وليس فقط المادية. هذا يعنى أن المواطنة تتجلى فى أرقى صورها بارتقاء الاستقلال الوطنى وثبات العزة والكرامة الوطنية من ناحية، كما تتجلى بتثبيت الحقوق السياسية للمواطن، ناهيك عن حقوقه الإنسانية وتمتعه بالمساواة الكاملة فى الحقوق والواجبات دون تمييز، ووجود درجة عالية من الحريات الديمقراطية وانتفاء الحكم الاستبدادى السلطوى حيث تتوافق حرية الوطن مع حرية المواطن، فالمواطنة الحقيقية لا تتعالى على حقوق التركيبة الثقافية والاجتماعية والسياسية، ولا تمارس تزييفاً للواقع السياسى والاجتماعى، وإنما تتعامل مع هذا الواقع من منطلق حقائقه الثابتة وتعمل على فتح المجال للحرية والانفتاح والتعددية فى الفضاء الوطنى. فالأمن والاستقرار والتحديث، كل ذلك مرهون إلى حد بعيد بوجود مواطنة متساوية مصانة بنظام وقانون تحول دون التعدى على مقتضيات المواطنة الواحدة المتساوية ومتطلباتها.

أما حرية الوطن وهى الركن الثالث والأهم فى بناء مجتمع الحرية فهى تستلزم تأمين استقلاله وسيادته الوطنية وإكسابه القوة والمنعة والاستعصاء ضد كل محاولات فرض الهيمنة والتبعية والتقسيم الجديد للخرائط السياسية، وتأمين حرية القرار الوطنى من أية ضغوط أو شروط أو إملاءات خارجية، ورفض أية سياسات تنتقص من استقلالية وسيادة القرار الوطنى التى هى التعبير المباشر عن حرية وسيادة الوطن ومصالحة الاستراتيجية.

إن بناء مجتمع العدل والحرية يستلزم أن يتزامن معه تحقيق الهدف الثالث وهو النضال من أجل بناء مجتمع الكفاية الإنتاجية عبر مشروع تنموى مستقل ومتواصل وقادر ليس فقط على مواجهة قيود التخلف ولكن تمكين الأمة أيضاً من امتلاك قدرات التقدم. فتوسيع قاعدة الثروة الوطنية عبر مثل هذا المشروع التنموى المتكامل المرتكز على العلم والتكنولوجيا لن يوفر فقط الشرط الموضوعى اللازم لتحقيق العدل الاقتصادى والاجتماعى المطلوب، حيث أنه لا عدل بدون كفاية، وإلا سيكون العدل مشوهاً ومقزماً فى "العدل فى الفقر" دون العدل المقترن بالرخاء، ولكنه سيفرض أيضاً الانخراط فى العمل من أجل تحقيق الوحدة العربية أو سيقود حتماً إلى فرضها كضرورة لابد منها لتحقيق مجتمع الكفاية إذ أنه لا أمل فى تنمية حقيقية فى ظل ندرة الموارد وعدم تكاملها فى كل قطر عربى. إن السوق العربية الواحدة هى التى تملك شرط تكامل الموارد وتنوعها وهى التى توفر القدرة الحقيقية على بناء مشروع تنمية قادر على تحقيق مجتمع الكفاية الذى هو الشرط الموضوعى لتحقيق مجتمع العدل وعلى الأخص فى جوانبه الاقتصادية والاجتماعية، والتخلص من عثرات "الدولة الفاشلة" التى باتت سمة مميزة للدولة الوطنية العربية الراهنة على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، فهى لم تفشل فقط فى بناء مجتمع الكفاية والعدل والحرية بل إنها عجزت، نتيجة لذلك، فى الدفاع عن الأمن والسيادة الوطنية والقومية والحفاظ على عزة وكرامة الأمة التى يجرى انتهاكها من جانب أطراف وقوى دولية وإقليمية تمتلك مشروعاتها للسيطرة والهيمنة فى ظل غياب المشروع القومى العربى.


ب- القدرات والآليات اللازمة للمشروع

الاندفاع فى تحقيق هذا الهدف المركزى الاختراقى لا يمكن أن يتحقق فى ظل الظروف والتحديات العربية الراهنة التى سبق التأكيد عليها دون قيام حركة شعبية حرة قادرة على تنظيم الجماهير هدفها امتلاك ناصية المشروع النهضوى الحضارى والاندفاع به نحو المستقبل، وقادرة قبل هذا على تجاوز كل قيود الأطر التنظيمية والأيديولوجية المنغلقة التى حالت طيلة عقود طويلة مضت دون تحقيق جبهات نضالية عربية حقيقية.

إن تأسيس حركة التحرر العربية الجديدة التى تجسد هذه الحركة الشعبية هو الشرط الأساسى الذى يحقق هدف بناء تحالف شعبى عربى عريض يضم كافة التيارات الفاعلة فى المجتمعات العربية والقادرة على التوحد على هذا المشروع النهضوى الحضارى وتحمل مسئولية السعى إلى تحقيقه.

أما الشرط الثانى فهو أن تمتلك هذه الحركة مشروعاً للمقاومة، وأن يكون شعار المقاومة العربية هو أداة النضال الحقيقية لتحرير الأرض المغتصبة والمحتلة، وتحرير الإرادة العربية السليبة، وبناء ثقافة مقاومة قادرة على القضاء على ثقافة الاستسلام والخضوع وهرولة نظم حكم ونخب عربية ورجال أعمال نحو الالتحاق بركب التبعية والتطبيع.

أما الشرط الثالث فهو تكوين شبكة متكاملة من أدوات التعامل الجماهيرية تضم القطاع الأوسع من منظمات وجمعيات المجتمع المدنى من نقابات وجمعيات حقوقية وقانونية غير حكومية وأدوات إعلام من صحافة وتليفزيون وأدوات ثقافة من سينما ومسرح وغيرها، إضافة إلى توظيف كل أدوات الاتصال الإلكترونية وقبل هذا وذاك الارتكاز على قطاع واسع من المفكرين والمثقفين والطلائع الشبابية القادرة على التبشير بالمشروع النهضوى وتحمل مسئولية تأسيس حركة التحرر العربية والاندفاع بها نحو تحقيق الأهداف المطلوب إنجازها وفق برنامج عمل استراتيجى وآخر مرحلى يأخذ فى اعتباره الأهداف الاستراتيجية والمرحلية التى يجب إنجازها وفق خطة محددة وعلى مدى زمنى واضح ومحدد. تحقيق هذا كله يفرض تأسيس وتفعيل حركة نهوض عربية جديدة وحقيقية قادرة على الوعى بأن مهمة تحقيق أهداف مشروعها النهضوى الحضارى مقترنة بمهمة تحرير العقل العربى وإعادة الاعتبار إليه مقابل كل العناصر والقوى التى صادرته وفى طليعتها الحكم الاستبدادى ونظم الحكم التسلطية وأجهزتها القمعية الأمنية منها والإعلامية التى صادرت العقل عندما صادرت الحريات، إضافة إلى الانقسام المذهبى والطائفى والعرقى الذى صادر المواطنة وأفسد التعددية الاجتماعية والسياسية الطبقية التى هى من خصائص المجتمعات العربية. هذا يعنى أن أول مهمات حركة التحرر العربية هو تفكيك بنية الاستبداد فى العقل وفى الحكم وفى الاجتماع السياسى العربى.


3- التحالف مع الحركة الشعبية العالمية المناهضة للمشروع الإمبراطورى الأمريكى

إذا كان النظام الرسمى العربى، عندما استطاع أن يمتلك مشروعاً تحررياً فى عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى وقت أن توفرت له القيادة القومية التاريخية ووقت أن كانت هناك دولة مركزية عربية أو "إقليم قاعدة" حاملة للمشروع القومى العربى بأهدافه الثلاث فى الحرية والاشتراكية والوحدة، قد استطاع أن يؤسس حركة تحرر عالمية ممثلة فى حركة عدم الانحياز، فإنه بقدر ما ساهم فى تأسيس هذه الحركة وبقدر ما أعطاها، استطاع أيضاً أن يقوى ويصلب من حركته وأن يؤسس قوة عالمية حليفة قادرة على دعم النضال العربى، وهذا ما يجب أن يعيه المشروع التحررى العربى الجديد، أن يسعى وهو يؤسس حركته الجديدة للتحرر العربى إلى تأسيس حركة عالمية جديدة، حركة شعبية ديمقراطية أقرب إليه من أى تشكيل عالمى آخر لمناهضة المشروع الإمبراطورى الأمريكى – الصهيونى المدعوم بقوة الرأسمالية العالمية المتوحشة وبحركة العولمة وآلياتها ومؤسساتها وشركاتها العدوانية.

إن اختفاء الاتحاد السوفيتى وتفكك المعسكر الاشتراكى الذى كان يُعد ظهيراً داعماً لحركة التحرر العالمية وفى القلب منها حركة التحرر العربية وما ترتب عليه من مساعٍ أمريكية لفرض نظام عالمى إمبراطورى يعتمد على نظام القطب الواحد قد شجع القوى والمؤسسات العالمية الإمبريالية على دعم هذا المشروع والانقضاض على حريات شعوب العالم الثالث وتشجيع الولايات المتحدة على التورط فى سياسات عدوانية ضد الشعوب وإهدار استقلالها وسيادتها الوطنية والارتكاز على استراتيجيات عسكرية أكثر عدوانية الأمر الذى بات يدفع فى حال غياب الموازن العالمى أو القطب العالمى المنافس وعجز القوى العالمية الأخرى عن تأسيس نظام عالمى متعدد الأقطاب قادر على موازنة القوة الأمريكية المتغطرسة، إلى التعويل على الشعوب وحركة الشعوب للتصدى لهذا المشروع الإمبراطورى الأمريكى الصهيونى.

لقد شهد العالم طيلة السنوات الماضية إرهاصات لتأسيس مثل هذه الحركة التحررية العالمية الشعبية الديمقراطية ممثلة فى ظهور العديد من منظمات حقوق الإنسان والحركات الشعبية المناهضة للعولمة.

إن ما حدث فى يوم 12 فبراير/ شباط 2003 حيث تظاهر واحتشد أكثر من ثلاثة ملايين مواطن فى جميع أرجاء العالم تضامناً مع قضايا العرب فى فلسطين والعراق، ورفضاً للعولمة الأمريكية والاستعمار الجديد والمشروع الإمبراطورى الأمريكى يؤكد أن هناك فرصاً مواتية لتشكيل مثل هذه الحركة التحررية العالمية لتكون ظهيراً داعماً لحقوق وسيادة الأمم والشعوب والتصدى لكل نوازع الهيمنة والسيطرة الإمبراطورية الأمريكية. خصوصاً مع تنامى دور اليسار اللاتينى الجديد وبروز زعامات مؤمنة بهدف إعادة تأسيس حركة تحرر عالمية جديدة أمثال الزعيم الفنزويلى هوجو شافيز.

إن قيام مثل هذه الحركة سيكون بمثابة البديل الموضوعى لحركة عدم الانحياز أو الظهير الشعبى المساند لهذه الحركة، ولن يتحقق ذلك إلا من خلال تفجر حركات تحرر شعبية فى كافة أنحاء العالم الثالث وفى مقدمتها الوطن العربى كى تستطيع هذه الحركات الشعبية تأسيس حركة تحرير شعبية عالمية فى مؤتمر عالمى على غرار مؤتمر بلجراد عام 1961 وقبله مؤتمر باندونج عام 1955.

مثل هذا المؤتمر فى حالة قيامه سيحدث تحولاً مهماً فى بنية النظام العالمى وسيكون قادراً على ضبط أدائه وآلياته والحد من هيمنة مؤسسات الرأسمالية العالمية المتوحشة وعلى الأخص المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدولى والبنك الدولى ومنظمة التجارة العالمية والشركات العالمية متعددة الجنسيات، وسيكون هذا التحول فى صالح دعم حريات الشعوب وحقها فى نظام عالمى أكثر عدلاً وأكثر انضباطاً وأكثر توازناً فى تفاعلاته بما يحول دون نجاح المشروع الإمبراطورى الأمريكى – الصهيونى ويدعم حقوق الشعوب والأمم فى الحرية والعدل والتقدم والنهوض. وهذه مهمة أساسية على جدول أعمال حركة التحرر العربية الجديدة بل هى أحد أهم معالمها وخصائصها.
     

Alexa
تاريخ إنشـاء الموقع: 2009/07/07
البلد: Egypt
لوحـة التعليقات الحرة
على هذه اللوحة يمكنك كتابة تعليقاتك بحرية كاملة دو تدخل، فقط لا يجب أن تزيد على 512 حرفا. يمكنك تزيين تعليقك بأكواد إتش تي إم إل إذا كنت تعرف هذه الأكواد. بمكنك مثلا وضع خط تحت بعض العبارات أو إبرازها أما الإنتقال إلى سطر جديد فهذا يتم بالضغط على مفتاح سطر جديد ولا داعي لكتابة الكود الخاص بذلك. الحروف التي تكون الأكواد محسوبة ضمن الحد الأقصى للحروف - 512. الإسم والبريد الإلكنروني إختياريان وإذا أردت إخطارك بالتعليقات التي تضاف إلى هذه اللوحة عليك تعليم حقل [أخبرني بالتعليقات المضافة على هذه اللوحة] وفي هذه الحالة يجب كتابة بريك الإلكتروني.
الإسم:
البريد الإلكتروني:
أخبرني بالتعليقات المضافة على هذه اللوحة:

  أضـف التعليق

مواضيع ذات علاقة

موضــوعات آخرى للكــاتب
  • كفاية تدشن حملة لمقاطعة الانتخابات البرلمانية والرئاسية في مصر
  • محمود السعدني ... وداعــــــــــــــا
  • مصر تزيد الغاز لإسرائيل ولا تعديل على أسعار 2005
  • الامن يمنع اعتصام (كفاية) للتعبير عن رفضها لزيارة أوباما
  • حركة كفاية تستعد لملاحقة جمال مبارك قضائيا للكشف عن مصادر ثروته
  • كارت أحمر للرئيس
  • مناقشة مشروع الصكوك في الصالون السياسى لنواب الإخوان
  • محامون يلاحقون جلادي التعذيب...
  • أحتفال عيد ثورة 23 يوليو " الثامن و الخمسين"
  • الذكري الأولى لرحيل الدكتور عبد الوهاب المسيري
  • المزيد من موضوعات الكاتب

  • نشـرها: [عزت هلال] بتــاريخ: [2009/07/07]

    إجمالي القــراءات: [154] حـتى تــاريخ [2017/05/25]
    التقييم: [0%] المشاركين: [0]

    شـارك في تقييـم: مشروع تأسيس حركة التحرر العربية الديمقراطية
    rate downضعيف 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 ممتـازrate up
    صوت

    النتيجة : 0%
                                                               
    المشاركين: 0

    ©2009 - 2017 [اللجنـة الشعـبية للإصـلاح] - إنطلقت في2009/02/25 - cms - الإصدار: 2.0.0 - [برمجيـات هلال]