اللجنـة الشعـبية للإصـلاح
من أجل تحرير الإرادة الوطنية
";
تاريخ اليوم: 2017/11/21 يوم السنة: [324] أسبوع السنة: [47] شهر: [11] ربع السنة: [3]
تسجيل دخول عضو [ كود العضو: - كلمة السر: ]
  دخول
  نسيت كلمة السر؟
  تسجيل عضو جديد
  الحرية والعدالة يستنكر دعوة مرشحي الرئاسة إلى مناظرة بأمريكا   رئيس جامعة حلوان يمنع صرف حوافز الجودة لأعضاء هيئة التدريس   سنقف ضد من يريد حرق مصر   جمعة السيادة للشعب ورفض البيان   لماذا ترغب تل أبيب وواشنطن في تأخير الانتخابات الرئاسية في مصر؟   الشعب المصرى سيستمر فى النضال لنيل كامل حقوقه   يرفض الثوار إتفاق بعض الأحزاب مع المجلس العسكري   بطلان بيع شبين الكوم للغزل والمراجل البخارية وطنطا للكتان   ائتلاف الثقافة المستقلة يطلق أول مبادرة ثقافية قومية يقوم بها المجتمع   مات رجل أحبه - مات عيداروس القصير   
 أجندة المناسبات 
 <<    نوفمبر 2017   >>  
الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
1 2 3 4
5 6 7 8 9 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30

  الصفحة الرئيسة
  من تحن؟
  إتصل بنا
  أخبر صديق
  إبحث في الموقع
  الكــتّاب
  الأرشـيف
  أسئلة وأجوبة

  ملفــات وقضـابا
  الصوتيات والمرئيات
  أدب وفن
  بيانـات ووثــائق
  الأخبـــار
  المنـــــاسبات
  المجمـــــوعات
  دليل المجتمع المدني


الإشتراك في النشرة اليومية
الإشـتراك في النشـرة الأسبوعية

بحـث في اللجنـة الشعـبية للإصـلاح
إبحــث

المقــالات

  عرض قائمة شاملة[1026]
استلاب النخبة .. وانطلاقة الجماهير - الفصل الخامس
أحمد شرف
  راسل الكاتب

لهذا يرى هذا الكتاب الفرق الواضح بين الإصلاح السياسي المطروح، من قبل الحكومة، ومن قبل المعارضة، وأكد أنه ليس بإصلاح، وبين الإصلاح الحقيقي الذي يتم بتغيير السياسات، تغييرا جذريا. وقد نختلف في جرعات التغيير. وبواقعية لو تم التغيير على جرعات متتالية ومتراكمة،
  التعليق ولوحة الحوار (0)
  طباعة
  أرسل بالبريد الإلكنرونى

عنوان هذه الصفحة على الإنترنت هو ما يلي. يمكنك نسخة ولصقه على رسائلك الإلكترونية أو صفحات الويب
http://pcr.misrians.com/articles?86
مصر على أعتاب الثورة
الفصل الخامس



استلاب النخبة .. وانطلاقة الجماهير


أولا : استلاب النخبة :-

كان إدراك الموقعين على اتفاقيتي مصر مع صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي واضحا في أن هناك تكلفة اقتصادية اجتماعية لتطبيق سياسة «الإصلاح الاقتصادي»، لذلك نص الاتفاق الثاني على إنشاء الصندوق الاجتماعي للتنمية للتخفيف من الآثار السلبية للتحول الاقتصادي المفترض. وكان هذا الشق معلوما بل ومفترضا وخطط له، ولكن الشق الأخطر هو الذي كان خفيا، أو لم تسلط عليه الأضواء الكافية إلا في دائرة المتخصصين، وهذا الشق يدور حول ما يسمى بالمجتمع المدني «المصنوع» (كلمة المصنوع من عندي)، ذلك أن صناعة هذا النظام تمت بأيادي استعمارية صهيونية، لتقويض أركان العملية الثورية الدولية، وأساسا في الدول الاشتراكية – وفي دول التحرر الوطني، أي الدولة الوطنية الحديثة، ولا شك أن صناعة ما يُسمى بالمجتمع المدني، أتت بنتائج عجزت الاستراتيچيتان «الأكثر شهرة» أي استراتيچية التدخل الاستعماري المباشر، أو الاحتلال، والحرب الساخنة، واستراتيچية الاحتواء المزدوج الإمبريالية، أن تأتي بهما، وكان انهيار الاتحاد السوڤييتي والكتلة الاشتراكية يمثلان نجاحا باهرا للاختراق من خلال صناعة المجتمع المدني، وكان تقويض الدولة الوطنية الحديثة، والضغط عليها، في كل أنحاء العالم يتم في إطار نجاح الاختراق بصناعة المجتمع المدني. وحتى نقف على خطورة ما ندعي، سوف نسوق أهم شهادات وحجج الخبراء العاملين في تلك الصناعة أو الراصدين لها، وذلك كما يلي:-

في كتابها حول «المجتمع المدني في العالم العربي دراسة للجمعيات الأهلية تقول د. أماني قنديل[1] في ص 97، 98:
 
«تتوافر شبكة دولية وإقليمية واسعة النطاق تربط بين بعض المنظمات الأهلية - التي تشكل العمود الفقري للقطاع الثالث- وبين العالم، وقد اتسع نطاق هذه الشبكة في عقد الثمانينيات على وجه الخصوص، وذلك بفعل عدة عوامل بعضها له صفة عالمية والبعض الآخر له صفة إقليمية ومحلية. فقد تحول العالم إلى قرية صغيرة، وتبين وزن الدور الذي تلعبه المنظمات غير الحكومية، سواء على المستوى الدولي أو الإقليمي العربي أو القطري. فهذه المنظمات تزايد تأثيرها في عملية صنع السياسات، ولعبت دورا ضاغطا على حكوماتها، وعلى المنظمة العالمية «الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة». وهي تسهم في صياغة جدول أعمال القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، وذلك من حيث ترتيب الأولويات وحجم الدعم الذي ينبغي أن تستحوذ عليه. ومراجعة سريعة لقضايا حقوق الإنسان والبيئة والسكان والثقافة، تكشف عن إدراك عالمي وإقليمي عربي لوزن هذه المنظمات وإمكاناتها. ومن ناحية أخرى فقد تبين أيضا خلال عقد الثمانينيات أن المشاركة الشعبية والمبادرات التطوعية لها دور رئيسي في التحولات السياسية والاقتصادية. وكانت أحداث أوروبا الشرقية وانهيار الاتحاد السوڤييتي، دليلا واضحا على أن غياب المشاركة هو كفيل بأن يؤدي إلى انهيار نظم وأيديولوچيات. كما تبين أن أزمة التنمية في دول العالم الثالث، تعود جزئيا إلى أن الحكومات وحدها هي التي تتحمل عبء التغيير، وأن إدراك الدولة كفاعل وحيد رئيسي قد أسهم في أزمة التنمية هذه.

وفي الوقت نفسه فإن اتجاه العالم مع بداية عقد الثمانينيات نحو ما يطلق عليه "دولنة الرأسمالية" ثم عمليات التحول للقطاع الخاص قد أدى إلى أن تصبح بعض المنظمات الدولية غير الحكومية آلية لتحقيق هذا التحول. وقد انعكس كل ذلك بالضرورة على المنطقة العربية، فتدفق التمويل الأجنبي إلى بعض الأقطار العربية التي تعاني من أزمة اقتصادية، قد ارتبط جزئيا بدعم المنظمات الأهلية. إذ بدت هذه المنظمات كمدخل إلى دعم القطاع الخاص على وجه العموم، وأداة للتحول نحو اللامركزية، قد تؤثر على عملية التحول الديمقراطي وعلى سبيل المثال فإن قيام وكالة المعونة الأمريكية بتقديم معونات ضخمة إلى المنظمات الأهلية في بعض الأقطار العربية قد ارتبط ببعدين أولهما الإسهام في تحقيق اللامركزية وثانيهما الإسراع بعملية التحول إلى القطاع الخاص والتي ترتبط، وفقا لهذا المنظور بدعم الديمقراطية».

وفي الصفحة التالية تقول د. أماني قنديل:

 «.. إلا أن تدفق المعونة الأجنبية إلى بعض المنظمات الأهلية قد خلق إشكالية مهمة وهي مدى استجابة هذه المنظمات لأولويات قد يفرضها المانح الأجنبي، وتختلف عن الأولويات الواقعية للمجتمع. كما آثار تدفق التمويل الأجنبي قضية الاعتماد على الذات والقدرة على تدبير الموارد على المستوى المحلي».

ومع ذلك تصر الدكتورة أماني على ذكر ألفاظ مثل «التطوع، المتطوعون»، وبصرف النظر عن ذلك. تؤكد الدكتورة أماني قنديل، على مدى تكامل عمل القطاع الأهلي «المصنوع» مع عمل الحكومات التي تتبع نظم إصلاحية. وقبل الإشارة لذلك أوضح لماذا أصر على استخدام تعبير القطاع الأهلي المصنوع ؟

العمل الأهلي عمل شعبي أصيل، وكما أن الشعب المصري هو مخترع السياسة، والفكر الثوري، فهو أيضا مخترع العمل الأهلي، وذلك لأسباب موضوعية حقه، فمنذ الثورة الأم في تاريخ مصر – تاريخ البشرية السياسي، أسفرت الثورة عن تعميم امتيازات الأرستقراطية لكل فئات الشعب، مما جعل أوقاف المعابد، أو ما أسميته أوقاف «الرحمة» في الفصل الأول شملت ثلث مساحة أراضي مصر الخصبة والمزروعة، وكانت هذه الأوقاف ملجأ للفقراء والمعوزين، في أغلب الأحيان، عدا الفترات الإقطاعية، التي كانت تبرز فيها سلطة الكهنة، وتستأثر بريع هذه الأوقاف لها – كما أن فترات الاحتلال الطويل لمصر بعد أن تجذرت فيها الدولة الوطنية لأربعة آلاف عام، وكان المحتل دوما أقل من مصر في درجة التطور الاقتصادي الاجتماعي، جعلت الشعب المصري يدير أحواله في ظل الاحتلال على نظام القطاع الأهلي والمجتمع المدني – وتنتعش ذاكرتنا الوطنية السياسية الحديثة، في أن الجامعة المصرية التي نحتفل بمؤويتها منذ العام الماضي، كانت عملا أهليا خالصا، وتعيش بيننا حتى الآن أكبر المستشفيات كمبرات المعادي ومصر القديمة والمواساة في الإسكندرية كنتاج للقطاع الأهلي، بل إن فكرة بنك مصر وتجربة طلعت حرب في غالبها وفي اتجاهها العام من نتاج العمل الأهلي. وتنتشر المدارس الثانوية العريقة على ربوع مصر كشواهد دالة على جهد مصر في العمل الأهلي، سواء على الصعيد الخيري، أو على الصعيد التنموي العلمي.

ولكننا نشهد اليوم مجتمعا أهليا مصنوعا، وموازيا بدوافع غير مصرية ولأغراض غير وطنية، وبأموال استعمارية وصهيونية، وحتى نضع يدنا على الحقيقة نواصل متابعة د. أماني قنديل في ص 103 تقول:

«اتسم القطاع الأهلي في الخمس سنوات الأخيرة – على وجه الخصوص- بمرونة أكبر في الاستجابة لمشكلات واحتياجات السكان في بعض الأقطار العربية عامة، وهو ما يمثل أحد الأبعاد الإيجابية في صياغة رؤيتنا للمستقبل القريب لهذا القطاع. وقد برز ذلك على وجه الخصوص في الأقطار التي تشهد ما يعرف باسم «سياسة الإصلاح الهيكلي» للاقتصاد القومي، حيث أدى التغيير في توجهات السياسة الاقتصادية وإتباع إجراءات صارمة من جانب الحكومات لضغط الإنفاق العام، إلى تقدم القطاع الأهلي لسد الثغرات في أداء السياسات العامة، كما أدى إلى اهتمام منظمات هذا القطاع بالفقراء والفئات الأقل حظا في المجتمع».

ومع مرور أكثر من 12 عاما على كتابة النص السابق، لم يأخذ الفقراء، والفئات الأقل حظا في المجتمع شيئا يذكر، بدليل أن دائرة الفقر اتسعت، وتتسع دوما، حتى أن الأدب الشعبي، ومسامرات الناس، ونقاشاتهم الدائمة تقول أن اليوم هو أسوأ من الأمس وأكيد سيكون أفضل من الغد، لو استمرت السياسات القائمة. واتضح أن غالبية الشعب المصري ليس لها أي حظ في ظل السياسات الراهنة. ولكن وإذا كنا قد رصدنا أن هذا القطاع المصنوع، قد توافق ظهوره مع تطبيق سياسة الإصلاح الهيكلي للاقتصاد القومي، فهل توجد قوى غير مغرضة في التمويل الأجنبي ؟

مع بداية تنفيذ سياسة الخصخصة، وتباطؤ المبادرات الجماهيرية في التحرك المقاوم، نشأت عدة مراكز «عمالية» و«فلاحية»، وأدعى وسطاء التمويل، أنه تمويل غير استعماري – علما بأن وسطاء التمويل هؤلاء من اليهود الصهاينة الذين عاشوا في مصر لحين أو لطول الوقت- فتقف وراء هذا التمويل أحزاب شيوعية واشتراكية في فرنسا، وفي كندا ... الخ. وعلى الرغم من يقيني أن الحزب الشيوعي الفرنسي، والحزب الاشتراكي الفرنسي هما واجهة العرض للبضاعة الصهيونية الأشد تمويها وخطرا، إلا أنني تتبعت أثر هذه المراكز على دعم الحركة العمالية والفلاحية الجماهيرية الثورية، فلم أرصد واقعة واحدة، لهذا الأثر المدعى، وكان كل ما كان هو استلاب القيادات العمالية، وإدماجها في النخبة، بقطاعها الأشد أبهة وبهاءًا، لدرجة حيازة وتملك الڤلل وماركات المرسيدس الأحدث للسيارات.

ولنناقش الأمر بطريقة علمية جادة. نقول حقا أن الغرب ليس كتلة صماء، ومع أن التيار الاستعماري هو التيار المسيطر الآن سياسيا، وثقافيا، فهناك أحزاب وقوى سياسية ليست كذلك، وبعض هذه الأحزاب لها منظمات أهلية، من ضمن أنشطتها تمويل منظمات أهلية في دول الجنوب الفقيرة، فهل هذه المنظمات أيضا مغرضة ؟

في كتابها الضخم والحاشد تقول الدكتورة شهيدة الباز[2] ص164:

«وتعرِّف الأمم المتحدة المنظمات الأهلية غير الربحية تبعا لنظام الحسابات القومية الذي تتبناه "المنظمة التي تحصل على النصف أو أكثر من دخلها من المصادر الخيرية الخاصة" وذلك بتمييزها على الحكومة التي تحصل على عائد الضرائب والخدمات، وعن القطاع الخاص الذي يحصل على الربح الناتج عن التعامل في السوق. وينتقد "ليستر سولمون" هذا التعريف لأنه يفترض وجود تقسيم واضح بين القطاعات الثلاثة، كما يفترض عدم وجود علاقة مؤثرة بينها، ما أثبت الواقع عكسه في إطار الدراسات المقارنة التي أجريت على القطاع الأهلي في عدد من البلدان الشمالية والجنوبية. فبالنسبة لدول الشمال، التي أمكن الحصول منها على هذا النوع من المعلومات أثبتت الدراسة أن 7% فقط من دخل القطاع يأتي من التبرعات الخاصة، وعلى العكس من ذلك، فإن حوالي 47% من الدخل من عائد الخدمات وبيع المنتجات، وأن 43% من الدخل يأتي من الحكومة. وقد فسر "سولمون" ذلك بأنه على الرغم من أن هذه المنظمات ليست محكومة بقوانين السوق، إلا أنها ليست معزولة تماما عنه، وخاصة أن الطلب على منتجات هذه المنظمات وخدماتها قد تزايد نتيجة للتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي حدثت لبعض الفئات مثل المرأة والجماعات الفقيرة، بالإضافة إلى أزمة دول الرعاية، وتراجع دور الدولة وتخفيض نفقاتها على الخدمات. ويفسر ذلك أيضا زيادة مساهمة الحكومة في دخل المنظمات الأهلية في إطار علاقة شراكة، تمول فيها الحكومة القطاع الأهلي الذي يقدم الخدمات نيابة عنها».

 ويرصد «سولمون» في دراسته أن الدعم الحكومي للقطاع الأهلي يصل في «ألمانيا» إلى نسبة 68% من مجمل دخلها، 59% في فرنسا. في حين تزيد مكونات عوائد الخدمات وبيع المنتجات في اليابان إلى 60% من مجمل دخلها. كما وصل في إيطاليا والولايات المتحدة إلى 53%، 51% على التوالي حيث تسود آليات السوق.

وتواصل الدكتورة شهيدة البازة بتتبع التمويل الخارجي للمنظمات الأهلية في مصر، حيث تقول في ص 176، 177:

«واتساقا مع الاتجاه العالمي نحو المنظمات الأهلية، فقد نشطت في الآونة الأخيرة في مصر، ومعظم الدول العربية، العديد من مصادر العون الخارجي المهتمة بالمساعدة في تحقيق التنمية، والمؤمنة بدور المنظمات الأهلية في تعبئة الموارد البشرية للمشاركة فيها، وتتسم تلك المصادر بالسمات التالية: تعدد مصادر التمويل، فهي تشمل على سبيل المثال وكالات الأمم المتحدة مثل اليونيسيف، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وصندوق الأمم المتحدة للأنشطة السكانية، ومنظمة الأغذية والزراعة، ومنظمة العمل الدولية. وتتعامل هذه الوكالات مع المنظمات الأهلية في إطار اتفاقيات تعقدها مع الحكومات. وتمول كل منها أنشطة المنظمات التي تتفق مع أهدافها. كما تشمل المصادر الخارجية أيضا، الدول التي تقدم مساعدات للمنظمات الأهلية من خلال سفاراتها، إما بناء على اتفاقيات تعقدها السفارة مع الحكومة مثل السفارة السويسرية، والسفارة اليابانية، والمملكة المتحدة، والسويد في مصر. كما تشمل دولا تتعامل مع المنظمات الأهلية مباشرة على أن يكون في إطار القوانين واللوائح. ويختلف حجم المعونة بحسب المستوى الاقتصادي للدولة المانحة ودورها في إدارة المجتمع الدولي، وعلاقتها بالدولة المعانة ورؤيتها لدور المنظمات الأهلية. وتعتبر هيئة المعونة الأمريكية هي أكبر هيئة مانحة في مصر. بمقتضى اتفاقية ثنائية بينها وبين الحكومة المصرية تقرر تخصيص 20 مليون دولار لمساعدة المنظمات الأهلية، على أن يكون المشروع مقبولا من الوزارة التي يقع في اختصاصها. وتركز هيئة المعونة الأمريكية على مشروعات تنمية القطاع الخاص ومشروعات التنمية المحلية. وتسند الهيئة إدارة هذه المنح إلى منظمات أهلية أمريكية. وتحذو المجموعة الأوروبية نفس الطريقة ؛ حيث يتم التعامل مع المنظمات الأهلية المصرية من خلال منظمات أهلية أوروبية دون أن يكون بينها وبين الحكومة أو المنظمات أي اتفاقيات وحيث تقدم المشروعات إلى المركز الرئيسي للمجموعة الأوروبية في بلچيكا، وقد بلغت المعونة حتى سنة 1994 من 80 إلى 100 مليون دولار. وتعتبر السفارة الهولندية من أنشط السفارات في مصر تعاملا مع المنظمات الأهلية ... وقد خصصت السفارة 5% من ميزانية المنح للمنظمات الأهلية، وبلغ ذلك عام 1994 حوالي 17 مليون دولار. وإلى جانب وكالات الأمم المتحدة وسفارات الدول الأجنبية، تنشط في تمويل المنظمات الأهلية في مصر العديد من المنظمات الأهلية الشمالية، التي تعمل أحيانا منفردة أو بالتنسيق مع دولها. ومن هذه المنظمات على سبيل المثال: مؤسسة فورد التي تخصص 60% من معوناتها للمنظمات الأهلية، ومؤسسة كونراد أدنياور الألمانية التي تخصص 90% من ميزانيتها للمنظمات الأهلية التي تعمل في المجال الفكري، مثل المؤسسات ومراكز البحوث غير الحكومية التي تخدم التوجه التنموي الجديد، وكذلك بعض منظمات رجال الأعمال. وكذلك مؤسسة الشرق الأدنى التي تركز على المساعدات الفنية والتدريب المهني، وتخصص 80% من ميزانياتها للمنظمات الأهلية المصرية، 20% للمنظمات العربية».

لقد أسفر كل هذا على نقل مركز الحياة السياسية والثقافية من الأحزاب إلى هذه المنظمات المسماة بالأهلية. بل إن قيادات مهمة في سائر الأحزاب اندمج في عملية بناء هذه المنظمات والمراكز، وتحويل الأنشطة الحزبية إلى أنشطة ملحقة بنشاط تلك المراكز، وقد تفشت هذه الظاهرة بطريقة مرضية في النصف الثاني من التسعينيات، وحتى القريب. والشيء الملفت للنظر أنه مع علو دور الجمعيات الأهلية «المصنوعة» في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، انتهت التحركات الجماهيرية الثورية، واستبدلت بتحركات النخبة على أساس الإغراق والاستغراق في :-

(1) تجزئة قضايا النضال حتى تقلصت السياسة في مصر إلى كفاح من أجل الليبرالية على النمط الاستعماري الغربي، وعليه اندمج الإصلاح السياسي الحكومي مع إصلاح المعارضة، وأصبحت الفروق كمية في قضايا الانتخابات العامة، حرية الرأي وحرية الصحافة، قضايا المرأة والختان، شخصنة قضية الرئاسة والتوريث ... الخ، دون إطلالة على جوهر السياسات حتى فيما يتعلق منها بالديمقراطية.

(2) توحد التوجه الحكومي مع المعارضة في القضايا الخارجية والقضايا العربية وقضايا الأمن القومي، أو عدم القول أو الإشارة إلى أية اختلافات، والتزام الصمت في مواجهة السياسات التي تنفذ على الأرض وفي الواقع. إن رصد قضية مقاومة التطبيع مع الكيان الصهيوني تقدم دليلا ساطعا على أمر «للخلف دور» الذي نفذته معظم الأحزاب المصرية، ففي سنة 1999 انسحب حزب التجمع من لجنة مقاومة التطبيع، رغم أنه قاد مع الشيوعيين مقاومة التطبيع من قبل حتى 1994، وجمد حزب الوفد دوره فيها، وأصبح حضور حزب العمل حضور شخصي وكذلك حزب الأحرار، وغاب «الإخوان المسلمين» والشيوعيين الرسميين. والأخطر أن كل هذه الأشكال لم تشترك فعليا في أي أنشطة فعالة لمقاومة التطبيع. وهذه ملاحظات بالاحتكاك المباشر والملامسة الواقعية. تقول الباحثة الجادة المرحومة ثناء المصري[3] في كتابها تمويل وتطبيع ص 44، 45:

«ويحكي فريد زهران صاحب مركز المحروسة حكاية تجربة ناجحة من وجهة نظره، ولكنها توضح مأزق العاملين مع الجمعيات غير الحكومية في الموقف من قضية التطبيع والتعامل مع إسرائيل، فقد نظم سعد الدين إبراهيم لجنة لمراقبة انتخابات مجلس الشعب سنة 1995، وكانت المؤسسات المدعوة بالتحديد هي مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية، مركز المحروسة للبحوث والتدريب والمعلومات، مركز الدراسات القانونية، مركز المساعدة القانونية، المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، وكان من أبرز الشخصيات العامة التي حضرت الاجتماع التأسيسي الذي عقد في فندق أطلس في 22 أكتوبر سنة 1995 د. عبد العزيز حجازي رئيس الوزراء الأسبق، الأستاذ عبد العزيز محمد نقيب المحامين بالقاهرة، د. سعيد النجار رئيس مجلس إدارة جمعية النداء الجديد ... الخ. وسافر سعد الدين إبراهيم إلى إسرائيل أثناء عمل اللجنة واستمرار نشاطها وطالب البعض [بتجميد عضوية د. سعد الدين إبراهيم في اللجنة أو على الأقل بتنحيته من موقعه كأمين عام لها .. وقد انتهى هذا النقاش العاصف بالموافقة على بقاء د. سعد في اللجنة وبنفس موقعه] بحجة أن زيارته لإسرائيل كانت شخصية ولم تتم باسم اللجنة».

ويلاحظ عموما أن أنشطة مقاومة التطبيع قد تدنت منذ نهاية التسعينيات.

(3) توحد منظمات المجتمع الأهلي المصنوع ومراكزه مع أخطر السياسات العدوانية والاستعمارية في قضايا محددة مثل قضية الأقليات، واستبدال حق تقرير المصير المصاغ ضد الاستعمار لتفتيت الدولة الوطنية. لقد نظم مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان بين 23 – 25 إبريل سنة 1999 مؤتمرا جاء في إعلانه:

«يعلن المؤتمر تأييده لمشروع تخصيص عقد الأمم المتحدة لثقافة السلام: وعند مناقشته لقضية الأقليات القومية في العالم العربي: "أكد المؤتمر تمسكه بحق تقرير المصير، وإدانته الشديدة لجميع أعمال القهر والطغيان وشن الحرب التي مورست وتمارس ضد الأقليات في العالم العربي، وخاصة أعمال الإبادة الجماعية والتهجير القسري والاسترقاق، ويؤكد أن الحركة العربية لحقوق الإنسان ستتعامل مع هذه الممارسات باعتبارها جرائم ضد الإنسانية وفي هذا الإطار يؤيد المؤتمر حق الشعب الكردي في تقرير المصير، ويدعو الأمم المتحدة إلى عقد مؤتمر دولي خاص بحضور كافة الأطراف، للتوصل إلى حل متكامل وشامل للمعاناة المستمرة للشعب الكردي" ..." كفالة حق مواطني جنوب السودان في تقرير مصيرهم". ».

وفي نداء لاهاي للسلام والذي صدر عن مؤتمر لاهاي سنة 1999، جرت على هامشه محاولة إدماج جماعات السلام داخل إسرائيل في شبكة واحدة إقليمية مع منظمات السلام العربية، بخاصة بين مصر وفلسطين وبينها، جاء في هذا النداء:

«آن الأوان لتحديد مفهوم جديد للأمن في ضوء الحاجات الإنسانية والبيئية بديلا عن مفاهيم السيادة والحدود الوطنية، وسوف يترتب على ذلك بروز أولويات جديدة، وإعادة التمويل اللازم لتحقيق التنمية المستدامة بدلا من الإنفاق على التسليح».

وهكذا يتحدد الدور المشبوه لهذا المجتمع الأهلي المصنوع في تقويض الدولة الوطنية.لقد ائتلفت عدة عوامل لاستلاب النخبة السياسية والثقافية في معظمها من المضمون الوطني، والمضمون التقدمي، وكانت كلمة السر منظمات المجتمع الأهلي "المصنوع". واستبدلت تحركات الجماهير الثورية، بتحركات نخبوية بدت في كثير من الأحيان كاريكاتورية الطابع. لقد تحولت سلالم نقابات الصحفيين والمحاميين إلى حلقات ذكر على النمط الصوفي الشعبي. والشيء العجيب انبعثت أقلام صحفية تتحدث عن دورها في رفع سقف المعارضة، وتدريب الجماهير على التظاهر، لذلك لم يكن عجيبا، أن هذه الأقلام راحت تحذر من غضبة الفقراء، وثورة الجياع والمهمشين التي لن تبقى ولن تذر. وافتقد هؤلاء دراسة علم التحركات الثورية للجماهير، فشتان ما بين الهبات العفوية، والتحركات الثورية المتراكمة، الأولى يمكن أن تخمدها مهما امتد عنفها، وتناثرت عشوائيتها، والثانية تخضع لكونها حلقة في سلسلة متراكمة ومتطورة ستزيد الوعي، وتزيد آثار الفعل الثوري، وتقطع المرحلة بعد المرحلة على طريق الثورة.

لقد شوشت هذه التحركات النخبوية الفارغة المضمون، والمتحوصلة حول شعارات ليبرالية جديدة، وحشية ومنعزلة، على تحركات الجماهير الفعلية. لقد لعبت قوى المجتمع المدني المصنوع دورا رئيسيا في هذه التحركات الليبرالية، بأشخاصها وبأموالها وبقيادتها العلنية والسرية، فشوشت على تحركات الجماهير المتصاعدة على الدرب الثوري، حتى انقشع الضباب، فكانت انطلاقة حركة الجماهير. والملفت للنظر أن الاثنتين حينما تزامنتا لفترة لم تلتحما أبدا، فظلت كل واحدة على دربها: استلاب النخبة ... وتحركات الجماهير الثورية.


ثانيا : حركة الجماهير من التباطؤ إلى الفاعلية :-

كما أشرنا سابقا كان لتطبيق سياسة الخصخصة أثرا فعليا تطابق مع استراتيچية الصدمة والترويع، التي سمعنا به من الفكر العسكري الأمريكي عندما بدأ باحتلال العراق الشقيق. وعلى الرغم من آثار صدمة الخصخصة بما صاحبها من تفكيك لأبنية الطبقة العاملة المصرية، حيث تم تسريح أعداد هائلة من العمال، بالفصل تارة، وبتصفية المؤسسات الإنتاجية تارة ثانية «أهم حالة هو تصفية أنشطة شركة المراجل البخارية وشطبها من خريطة الشركات والمنتجات المصرية، مع أن منتجاتها كانت ذات طبيعة استراتيچية لخدمة الصناعات الاستراتيچية في مصر. وقد يكون السبب أن جهات شرائها كانت جهات وسيطة لجهات أمنية إسرائيلية، كما أظهرت متابعات هذه الحادثة»، وتارة ثالثة بالمعاش المبكر، إلى الحد الذي يمكن فيه القول أن الشركات والصناعات الكبرى في مصر، فقدت ما يزيد عن ربع عمالتها الماهرة ناهيك عن تعطيلها أو تباطؤها إنتاجيا (قطاع الغزل والنسيج بشركاته العملاقة).

وهذه العملية التفكيكية كانت تستهدف ضرب فاعلية التنظيم الاجتماعي الأرقى للطبقة العاملة المصرية «أرقى أشكال التنظيم الاجتماعي الطبقي»، علما بان هذا الشكل التنظيمي لطبقة ما، هو شكل حديث على المجتمع المصري، يعود إلى ما لا يزيد عن 150 أو 120 عاما إذا أردنا الدقة، وأن تطوره وتبلوره واقتصاره على الطبقة العاملة المصرية بعد تخلصها من الاختلاط الأجنبي لا يزيد عن نصف هذه المدة، أي ما يقارب سبعين عاما فقط. في حين أنه قد تم توجيه ضربات تفكيكية نافذة – قبل ذلك- لمحاولة تحديثية، في التنظيم الاجتماعي لطبقة الفلاحين الفقراء، المكون والسند الأساسي للشعب المصري، أي ضرب صيغة التعاون الزراعي الإنتاجي والتسويقي، حتى تحرم هذه الطبقة العتيدة في البنيان الاجتماعي المصري من فرص تطوير تنظيمها الاجتماعي والمعيشي، لذلك حينما حل أول أكتوبر سنة 1997 كيوم التطبيق الكامل لقانون علاقات الملكية والمآجرة «اشتهر بقانون تحرير الأرض كسلعة» تعددت هبات الفلاحين في محافظات الجيزة والغربية والدقهلية وكفر الشيخ، والبحيرة والمنوفية .. الخ، وقتل فيها عدة أشخاص، واعتقل ما لا يقل عن 200 شخص، واقترب عدد جرحى الأحداث هذه في مواجهات مع الشرطة إلى حوالي 100 إصابة. بالرغم من هذه الهبات، إلا أن افتقاد شكل التنظيم الاجتماعي الراقي، والتصفية السابقة لكل الآثار الإيجابية لقوانين الإصلاح الزراعي، التي قامت بها ثورة يوليو منذ 9 سبتمبر سنة 1952، كل ذلك جعلها هبات تلقائية لم تدخل في السياق التراكمي للتحركات الجماهيرية.

وفي بحثنا النظري عن تطور مراحل التحركات الجماهيرية التراكمية في الوعي والتحرك الثوري، كنا قد حددنا نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات لذوبان الجزر الشعبي، وبديات المد الجماهيري كمرحلة فرعية أولى لحالة المد العامة للتحركات الجماهيرية العمالية. في دراستها عن الاحتجاجات العمالية المصرية، تقول الدكتورة هويدا عدلي أستاذة العلوم السياسية في جامعة مصر للعلوم والتكنولوچيا:

«أن عقد الثمانينيات قد شهد تحركات احتجاجية واسعة، ففي حين كان عددها 16 احتجاجا في الفترة من سنة 1982 إلى سنة 1986، زادت هذه الاحتجاجات إلى 131 احتجاجا في الفترة من سنة 1987 حتى 1994. وقد تميزت هذه التحركات العمالية الاحتجاجية بوقوعها في مناطق صناعية مهمة مثل كفر الدوار والمحلة الكبرى، وشبرا الخيمة وحلوان إلى جانب ضخامة أعداد العمال المشتركين فيها والتي وصلت في بعض الحالات إلى 15 ألف عامل في إضراب عمال شركة مصر للغزل والنسيج في كفر الدوار».

فإذا استخلصنا البيانات التكرارية من «المرصد النقابي» ومركز الأرض من شبكة المعلومات الدولية، سنجد أن تباطؤًا قد حدث في فترة منتصف التسعينيات، ولكن ظل هذا التباطؤ في نطاق المرحلة الفرعية الأولى للمد الجماهيري، أي مرحلة بدايات المد، وقلنا نظريا، أن الدرجات الأولى على سلم أي مرحلة تتشابه مع المرحلة التي تسبقها، لذلك ظل هذا التباطؤ حتى سنة 1997، ولكن مع بدايات سنة 1998 أخذت التحركات الجماهيرية العمالية تتجاوز مستوى المائة احتجاج في العام، فوصلت في نهاية سنة 1998 إلى 114 احتجاجا بين اعتصام وإضراب وشهدت بذلك قفزة تدخلها مرحلة أواسط المد، وترتكز هذه المرحلة صعوديا في سنة 1999 حيث يصل العدد التكراري لهذه السنة إلى 164 احتجاجا، وتستمر حالة أواسط المد في مسيرتها، وإن كان المنحنى التكراري، انحدر في سنة 2000 عن سنة 1999 بعض الشيء فتكون الاحتجاجات العمالية 135، ولكن يظل المد متوسط وصاعدا، ففي سنة 2001 يصل عدد الاحتجاجات العمالية إلى 138 احتجاجا، ويأتي عام 2002 لينزل المنحنى التكراري كثيرا فيصير عدد الاحتجاجات العمالية 96 احتجاجا فقط.

وتقديري لهذا الانخفاض المفاجئ يرجع لتطور أساسي هو هرولة الجزء الرئيسي من النخبة المصرية في الاندماج في النظام العالمي الجديد، بمواجهته المدعاه للإرهاب، بكل ما أثارته هذه الهرولة من غبار لَبَّدَ سماء السياسة في منطقتنا بالغيوم. لقد كان سائدا في وعينا الثوري والعلمي دائما، إنه: «إذا وجد الإرهاب، فتش عن الاستعمار». ومع انطباق هذا المثل، حتى على الادعاءات الاستعمارية، بأن أحداث 11 سبتمبر سنة 2001 في الولايات المتحدة، هي من صنع القاعدة، فالقاعدة كانت صناعة استعمارية، ومازالت تخدم الأهداف الاستعمارية، ولو من موقع المنشق، ذلك أن المنشق يظل دائما منتميا لنفس المدرسة التي انشق عنها، وإن كان عداء المنشق، والمنشق عليه لبعضهما، يفوق في حدته، العداء بين المدارس السياسية المتناقضة، ومع ذلك تطيرت النخبة في هلعها من المنشق، ونسيت المنشق منه، أي زعرت من الفرع، وتغاضت عن الأصل، وبدت في اتجاهاتها الأساسية مؤيدة لضرب أفغانستان. في هذا الجو السياسي الملبد بالغيوم، تهتز حركة الجماهير، لقد تابعنا في الجزء السابق، كيف أن التحركات العمالية امتلكت علاقة عكسية مع العمليات الإرهابية، فكلما زادت الأخيرة، قلت الأولى. لذلك نجد القانون يعيد نفسه.

ويستمر هذا الجو الملبد بالضباب والغيوم إلى نهاية سنة 2003، سنة احتلال أمريكا للعراق الشقيق، فتقل الاحتجاجات العمالية أكثر، لتصير 86 احتجاجا فقط بنقص عددها التكراري عشرة اضرابات، مع العلم أنه حدثت مظاهرات شعبية وطنية عامة يومي 21، 22 مارس سنة 2003 لدى بداية الضرب الأمريكي للعراق، وهذه التحركات تعد من نمط راق للتحركات الثورية الجماهيرية المنبعثة من الوعي السياسي الوطني العام.

ويمكن القول أن هذه الفترة تشابهت بفترة التباطؤ التي تحدثنا عنها في أثناء مرحلة بدايات المد، لدرجة أن الاحتجاجات صارت لا تذكر في تكراريتها في سنتي 1996، 1997. ولكن مرحلة أواسط المد مرحلة من طبيعة مميزة، عن مرحلة بدايات المد فيأتي التباطؤ ولكن يظل المنحنى التكراري ملحوظا، حقا كسر حاجز ما تحت المائة حيث وصل إلى 96 احتجاجا سنة 2002، وواصل نزوله إلى 86 احتجاجا سنة 2003، ولكن ظل ماثلا للعيان وللرصد وللحيوية، أي أن الطبيعة الخالصة لفترة أواسط المد صارت قائمة ومستمرة.

وتأتي سنة 2004 ليعلو المنحنى من جديد، وتأخذ مرحلة أواسط المد الدخول في درجات سلمها العليا، حيث يرتفع عدد الاحتجاجات العمالية سنة 2004 إلى 266 احتجاجا، وهذه قمة كبرى بعد سقطة واضحة، ولكن تظل طبيعة أواسط المد قائمة ومستمرة. ويتذبذب المنحنى، ولكن يظل فوق حاجز المائتين سنة 2005 حتى يصل إلى عدد 202 احتجاجا، ويرتفع من جديد ليصل في سنة 2006 إلى عدد 222 احتجاجا، ليصل المد إلى مرحلته العليا في سنة 2007. وهذا ما سنعالجه فيما بعد، ولكن قبل ذلك علينا أن نرصد مرحلة أواسط المد، ونطابق بين فروضها النظرية، وتطبيقاتها العملية فيما يلي:-

في تقرير مركز الأرض (رقم 54) حول متابعة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في مصر، وعلاقتها بالاحتجاجات العالمية (صدر خلال النصف الثاني سنة 2006) يقول في استعراضة لوضعية هذه الحقوق في مصر الراهنة:-

«يبين التقرير عدم توافر الحد الأدنى من الدخل وتزايد مؤشرات الفقر حيث يعاني أكثر من 45% من السكان من تدهور دخولهم ويحصلون على 20% من الدخل القومي، بينما يحصل 10% من السكان على 45% من الدخل القومي. وأن دخول 45% من السكان لا تكفي لسد الاحتياجات الأساسية ويوضح الانتهاكات التي طالت عدم توفير فرص عمل لائقة خاصة بعد ارتفاع نسب البطالة إلى 11%، وارتفاع عدد العاطلين إلى 8 مليون عاطل. (ويستعرض التقرير) الانتهاكات التشريعية والتي تؤدي لفصل العمال دون تعويض، وغلق المصانع لأسباب اقتصادية دون الاعتداد بحقوق العمال (كما يبين التقرير) أهم الملاحظات على مشروع قانون الوظيفة العامة، الذي يحيل كل الموظفين بالدولة إلى عمالة مؤقتة، بالإضافة إلى عدم حماية حقوقهم في الأجر العادل والأجازات والتأمين الاجتماعي والصحي، ويستعرض أوضاع قطاع المهمشين من الصيادين والفلاحين والمرأة والأطفال العاملين في قطاع الزراعة، ويوضح تدهور أوضاعهم، وازدياد العنف ضدهم حيث بلغ عدد الأطفال والنساء الذين قتلوا بسبب العنف حوالي 300 حالة، كما قامت الشرطة بقتل أحد الصيادين بمدينة دمياط أثناء دفاعه عن حقه في الرزق الذي يوفره له المورد الطبيعي. ويؤكد التقرير على ارتفاع كثافة الأطفال بمدارس الحكومة إلى 91 طفل/ فصل، وارتفاع عدد الأميين إلى أكثر من 13.1 مليون مصري، في حين أن المقيدين بجداول محو الأمية لا يزيدون عن 0.6 مليون شخص منهم. وأن الأسرة المصرية تتحمل 363 دولار لتعليم أبناءهم في مرحلة التعليم الأساسي، وتتحمل الدولة 137 دولار فقط، مما يهدر مجانية التعليم، كما يتناول التقرير، مشكلات انخفاض دخول المدرسين، والآثار السلبية للدروس الخصوصية على دخول الأسر، ويستعرض، أوضاع الحالة الصحية ويبين أن 25% من المصريين يعانون من أمراض الكبد الوبائي والفشل الكلوي والسرطانات والسكر، وأن الوحدات الصحية تحولت لمقابر للفقراء، وأن مشروع الحكومة لإصدار قانون للتأمين الصحي يستهدف مصادرة حق المواطنين في تلقي خدمات التأمين الصحي، وذلك بفرضه رسوم جديدة وتحميلهم بثلث تكلفة الخدمة العلاجية، ويبين، تدهور الحالة الصحية بمستشفيات الحكومة وانتشار بيع الأدوية والعلاج تحت دعوى العلاج الاقتصادي، ويوضح، أن الدولة لم تبني خلال السنوات الماضية إلا 74 ألف شقة للإسكان الشعبي والاقتصادي، بالرغم من أن أزمة السكن التعاوني تحتاج لحلها إلى 500 ألف شقة. ويبين، أن 3.1 مليون وحدة سكنية يملكها الأغنياء تخلو من ساكنيها ومغلقة منذ سنوات، وينتشر الفساد بهذا القطاع حيث، يبين، إهدار 99 مليون جنيه في القطاع المخصص للإسكان التعاوني، ويؤكد، على أن ما يقرب من 6% من المواطنين يعتمدون على دخل شهري يقدر بمبلغ 56 جنيه شهريا، وأن المستفيدين من الضمان الاجتماعي سوف يرتفع عددهم إلى مليون أسرة، مما يعني أن حوالي 5 مليون مواطن في مصر مهددين بالجوع إذا لم تقم الدولة برد أموال هيئة التأمينات الاجتماعية، التي استولت عليها مؤخرا، وأن الدعم ينخفض بنسبة 3% كل عام خلال العشرين عام الماضية مما يهدد بكارثة إذا ما استمرت نسبة الانخفاض بهذا المعدل خلال الأعوام القادمة، خاصة مع تزايد نسب البطالة وانخفاض الأجور، ويشير إلى، خفض الأجر عن مستواه الحقيقي بنسبة 13% ويؤكد على أن الحد الأدنى من الأجر يجب أن لا يقل عن متوسط نصيب الفرد من الدخل، ويتعرض التقرير، للانتهاكات التي طالت الحق في الغذاء وأمان حيازة الأرض وإهدار الموارد الطبيعية، حيث فقدت البلاد مليون ونصف مليون فدان من أجود أرضينا الزراعية، وأدت سياسات الحكومة إلى تشريد مئات الآلاف من المزارعين بعد طردهم من الأرض الزراعية ويؤكد التقرير على أن مشروعات القوانين المتعلقة بالتعاونيات وخصخصة بنك التنمية سوف تؤدي لمزيد من تدهور أوضاع المزارعين، ويتناول آثار استيلاء الحكومة على أموال هيئة التأمينات الاجتماعية والتي وصلت إلى حوالي 260 مليار جنيه على أكثر من 26 مليون مواطن مهددين بعدم الاستقرار المعيشي في حالة عجز الحكومة عن سداد هذه الأموال، ويتعرض، التقرير للقيود على الحق في الإضراب والحرية النقابية، حيث يبين أن، قرارات وزيرة القوى العاملة الخاصة بانتخابات النقابات دورة سنة 2006، قد صادرت حق 2011 عامل في الترشيح والانتخابات وقيدت الحق في الإضراب للعمال، بخاصة أنها اشترطت موافقة نقاباتهم العامة، كما يؤكد على أن قانون العقوبات في المادة 374 حظر على العمال الامتناع عن العمل وإلا تعرضوا لعقوبة جنائية. كما تم انتهاك حقوق فئات واسعة من العمال المؤقتين والذين يزيد عددهم عن 14 مليون عامل حيث منع قرار ترشيحهم أو انتخابهم لعدم حصولهم على عضوية النقابات».

على ضوء ما تقدم كان لابد لهذه التحركات أن تشتعل، وإذا كنا نركز على التحركات العمالية، فهذا لقياسنا العلمي، على أن تقدم مستوى التنظيم الاجتماعي للطبقة العامة، يؤهلها لتواصل الحركة، وتواصل تطور الوعي حتى الوعي الوطني العام، أي الوعي الثوري. وقد بيننا ذلك على أسس نظرية علمية، وقواعد قابلة للقياس الكمي والكيفي، وليس لإيمان أيديولوچي لا أنفيه عن نفسي مهما تخلى عنه من تخلى، فأنا اشتراكي علمي وشيوعي علمي، كما أنني وطني ثابت على وطنيتي، وأعمل على تحقيق الدولة – الأمة العربية، كمرحلة ضرورية لاندماج الأمم المختلفة، في مجتمع إنساني عالمي يخلو من استغلال الإنسان للإنسان، بسبب الدين أو القومية، أو الوضع الطبقي، أو أي مسبب اجتماعي، أو اقتصادي أو ثقافي.

وإذا حللنا طبيعة هذه التحركات الجماهيرية التراكمية سنجد أن معلومات سنة 2006 تشير إلى:- كما سبق وسجلنا فإن عام 2006 قد شهد222 احتجاجا عماليا توزعت نوعيا إلى 47 إضرابا، 79 اعتصاما،24 مظاهرة، 72 تجمهرا. ويلاحظ أن العدد التكراري للاحتجاجات في نصف العام الثاني زادت عن نصف العام الأول، حيث كانت 115 احتجاجا في النصف الثاني، 107 احتجاجا في النصف الأول من العام. كما يتبين لنا أن هذه الاحتجاجات غطت كل قطاعات الإنتاج سواء القطاع الحكومي، أو سواء قطاع الأعمال العام، أو سواء القطاع الخاص، وكان العدد التكراري على التوالي: 42 احتجاج على الحكومي، 43 احتجاجا على العام، 30 احتجاجا على الخاص وذلك بالنسبة للنصف الثاني من سنة 2006. وكانت أهم التوصيات لهذه الاحتجاجات:-

(1) وقف عمليات بيع الشركات المملوكة لقطاع الأعمال العام والدولة في الوقت الراهن، وذلك لعدم وجود ضمانات بشفافية عمليات البيع.

(2) وضع حد أدنى للأجور جديد يتناسب مع مستوى الأسعار، وأن تكون العلاوة السنوية 15% من المرتب.

(3) تثبيت العمالة المؤقتة، خاصة من قضى في العمل أكثر من سنة، وصرف إعانة بطالة للمعطلين، وتعميم نظم التأمينات الاجتماعية والصحية.

(4) حق العمالة في الإضراب والاعتصام والتظاهر وإبراز وجهة النظر العمالية في الإعلام والمنشورات وغيرها.

(5) ضرورة التضامن والتعاون بين العمال وقيادتهم وكافة المؤسسات المعنية بحقوقهم ومصالحهم.


ومن تحليل هذه التوصيات نجد أن الوعي يتطور من الوعي الاقتصادي والمصلحي المباشر، إلى وعي أرقى يدور حول سياسات اقتصادية واجتماعية عامة، كمواجهة سياسة الخصخصة، وكثير من السياسات العامة ذات الطبيعة الاقتصادية الاجتماعية. وهذا يؤكد نتائج بحثنا النظري من أن الوعي حقيقة متطورة، وهذا يرد على من يتصورون أن هذه الاحتجاجات، المدافعة عن المصالح والحقوق الاقتصادية المباشرة، لا علاقة لها بالتحركات السياسية، ذلك أن هذه النظرة تنطلق من نظرة فنية وتبسيطية للسياسة. فالوعي المتطور ينتج عن التحركات الجماهيرية للطبقات والقوى الاجتماعية الأكثر تنظيما، لكي يصب في البداية في محيط الارتقاء الذاتي لهذه الطبقات والقوى الاجتماعية، ثم ينتشر ثانيا حتى تقف هذه الطبقات والقوى الاجتماعية الأكثر تنظيما، وذات المقدرة العالية على اكتساب الوعي المتطور من خلال تطور تحركاتها الجماهيرية، إلى قيادة بقية طبقات الشعب والفئات والقوى الاجتماعية الأقل مستوى من حيث التنظيم الاجتماعي، وهنا تزداد قاعدة الحلف الثوري من مرحلة إلى أخرى، حتى نصل لمرحلة الانتفاضة الثورية، فتتم عملية تحديد خندقي: الثورة – ومعاداة الثورة، بصورة قاطعة وفاصلة.

إن السياسة، والوعي السياسي والوعي الثوري عمليات متطورة، وليست أمور ثابتة وجامدة، ومحدودة الأفق. وهذا للأسف ما تعجز النخبة الحالية في اتجاهها الغالب عن إدراكه، ذلك أنها نخبة لا تعبر عن الطبقات المظلومة والكادحة في وطننا (وهذا لغالبيتها). وللأسف فإن ذلك يرتبط بالدور الكسيح للبرجوازية المصرية، التي لم تناطح الإقطاع، وكانت مناطحتها للاستعمار تخضع للتردد، وإن كانت هذه الطبقة أكثر استنارة لدورها الوطني في أوائل ومنتصف القرن العشرين، ولكنها تنكبت طريقها بعد ذلك، وأسلمت نفسها لأسوأ شرائحها لقيادتها من الربع الأخير، والقضاء على الدور الوطني لها، وهي البرجوازية التابعة (الكمبورادورية) والطفيلية. لذلك لا نعجب أن البرجوازية لم تبني حتى الآن نموذجا ثابتا ومتطورا للديمقراطية الوطنية (عكس الهند)، كما فشلت في بناء دولتها القومية الكبرى، وتلك من أهم مهامها المنسية.


ثالثا : انطلاقة الجماهير نحو الثورة :-

يعد عام 2007 هو عام الانطلاقة الجماهيرية نحو الثورة، فيمكن القول وبجدارة أنه العام الذي بدأت فيه مرحلة تعاظم المد، وهي المرحلة الأخيرة في مراحل المد الجماهيري، والتي تسبق الانتفاضة الثورية. وهذه المرحلة الفرعية للمد شأنها شأن كل المراحل الفرعية، والمراحل العامة ذات طبيعة متدرجة وتراكمية، تتشابه درجاتها الأولى مع خصائص المرحلة السابقة، كما تتشابه درجاتها النهائية مع بدايات المرحلة التالية. أي أنها في بدايتها تأخذ من ملامح مرحلة أواسط المد، ثم أنها سوف تتشابه مع الانتفاضة الثورية في درجاتها النهائية. هذا من حيث الوصف الكلي العام، أما من حيث الوصف التفصيلي والاقترابي، فإنها تشهد زيادة الترابط الاحتجاجي في قطاعات مختلفة وطبقات مختلفة، وأوقات مختلفة، وأماكن متعددة، وهذا الترابط يسير بخطى ثابتة نحو التوحد على القضايا الوطنية السياسية العامة في مرحلة الانتفاضة الثورية، حيث ينتقل من الملموس المباشر أي الاقتصادي إلى المجرد العام أي السياسي الوطني في بعده القومي الأصيل والإنساني المتقدم، بعد أن يكون عبر مرحلة الوعي الاقتصادي الاجتماعي العام.

فإذا انتقلنا من النظري إلى التطبيقي سوف نلاحظ أن العدد التكراري للاحتجاجات في سنة 2007 يفوق مجموع السنوات الثلاثة السابقة عليها مجتمعة، تلك السنوات التي شهدت دفعة قوية أشعلت نيران الزحف الثوري إلى الوضوح والرصد من كل من يفهم أو لا يفهم طبيعة التحركات الجماهيرية. فالبيانات تسجل النقلة النوعية، أو بمعنى أدق الكمية أو التراكمية من سنة 2003 إلى سنة 2004 أي من عدد 86 احتجاجا إلى عدد 266 احتجاجا، ويستمر الاشتعال في سنة 2005 لتصل أعداد الاحتجاجات إلى 202 احتجاجا ثم تعلو في سنة 2006 لتصير 222 احتجاجا، بمجموع تكراري أو رقمي للسنوات الثلاثة هو 690 احتجاجا، فتأتي سنة 2007 لتتفوق في عددها النهائي عن هذا المجموع لتصير أعدادها 718 احتجاجا، بزيادة تقدر بـ 28 احتجاجا عن سنوات الاشتعال الثلاثة.

وهذا الفرق الكمي الصاعد يرشحها وبجدارة إلى تسجيلها كسنة البداية لمرحلة تعاظم المد الجماهيري، أي لم يعد يفصلنا عن الانقلاب الثوري إلا اكتمال هذه المرحلة الفرعية، والمرحلة الفرعية الأولى للانتفاضة الثورية، أي عملية التحضير الثوري، ثم تكون الثورة، وهذا الاقتراب من الثورة، يطرح على كل القوى أن تكون جادة في تحقيق وإظهار مواقفها الصريحة والعلنية والمشاركة. فأعداء الثورة لم يتوانوا في إتباع كل ما يسهل عليهم النجاة والأمان والهروب: من إخراج الأموال للخارج، والارتكان لعناصر القوة التي تسندهم، والتفنن في كل الأساليب والطرق إلى ذلك، حتى ولو أدت كل وسائلهم لتسريع مسيرة الثورة، ولا يخطر على بالهم مطلقا، أن يفتحوا ثغرات التنفيث لتشغيل الكوابح، أو فرامل هذه العجلة المتسارعة والقوى الثورية أو الطليعة الثورية القديمة، متناثرة ومشتتة ومبعثرة، الفكر والوجدان والكيان، والطليعة الجديدة، تفرزها الأحداث والاحتجاجات والتحركات الجماهيرية، بتجربتها الذاتية وبجهدها دون أن يوضع الوعي الثوري أمامها وفي متناولها، حتى تثقلها التجربة، وتزداد خبرة وحنكة ومراسا، وهذا وذاك سوف يجعلان الثمن مكلفا وغاليا. والقوى البينية والمترددة ما أكثرها، وما أخطرها بخاصة أنها تمثل تراث وجسم الحركة الوطنية المصرية بمدارسها وتياراتها الأربعة، لقد قلت سابقا، أنه في غمار الملاسنة حول الإصلاح السياسي، تم الاجتزاء السياسي، وأصبح الجميع حكومة ومعارضة يلعبون على الملعب الليبرالي الضيق، وحتى يكون معلوما، يرجع ضيقه إلى أن الليبرالية المصرية ليست مؤصلة سواء بالنضال الطبقي، أو بالنضال الفكري والسياسي، وتختلط الشعارات والأفكار السائدة، حيث تتلاقى رؤى وأهداف ومصالح المانحين مع النخبة المستلبة، وغير مؤصلة الفكر والبنيان النظري والعملي، ويبـين ضحالة وخواء المطروح، بل وذبول الموجود من فكر المدارس والتيارات السياسية الوطنية، والتي تكونت في مجرى عمليات تحرير مصر من الاستعمار البريطاني منذ سنة 1882 إلى سنة 1956، وانتهت إلى هذا الهوان الفكري والحركي.

لقد كنت واضحا ومحددا في تأكيد ذلك في كتيبي «مصرفي حبات العيون» الصادر في يوليو سنة 2005، وفي المقدمة التي كتبتها في 21 يونيو سنة 2005 قلت وأنا بصدد رصدي لعدة ظواهر مقلقة ما يلي:

«الاجتزاء السياسي المخل كأساس للتحالف الكفاحي كاشتراط برنامج ليبرالي سياسي كأساس مفترض للتوحد والتحالف، دون النظر إلى واقع الحال وهي أن الديمقراطية ليست شكلا واحدا، فلابد لنا أن نفرق بوضوح بين الديمقراطية الاستعمارية، والديمقراطية الوطنية. إن إغفال مقومات التغيير الاقتصادية والاجتماعية يظهر، كأن النخبة صارت ليبرالية بالمعنى الشكلي، واختفت المدارس الاشتراكية والإسلامية والقومية، بل والرأسمالية الوطنية في غمار معارك الإصلاح السياسي أو التغيير السياسي الحالية في مصر».

في ندوة في نقابة الصحفيين جرت يوم السبت الموافق 26 يناير سنة 2008 "حول مصر إلى أين ؟ ", قال الدكتور رءوف عباس شيخ المؤرخين المصرين الآن، رئيس الجمعية المصرية للدراسات التاريخية في محاضرته، أن برنامج " المؤتمر المصري" الذي عقد عقب وبمناسبة اغتيال بطرس غالي سنة 1911، يصلح أن يكون برنامجا متكاملا للفترة الراهنة، وأخذ في عرض ما حشده من مادة ثرية في هذا الصدد تعرض برنامجا متكاملا لتقدم مصر واستقلالها وتحررها والمحافظة على وحدتها الوطنية اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا. وعقب الدكتور عاصم الدسوقي، عميد كلية الآداب جامعة حلوان الأسبق، وأحد أهم مؤرخي حركة الشعب المصري والحركة الوطنية في العصر الحديث بآفاقها التقدمية، قائلا: «أن كل مكتسبات الشعب المصري في العصر الحديث الفكرية والسياسية والدستورية والاجتماعية، جاءت بيد الحاكم، ولم تأتي نتيجة نضال شعبي، وصراع جماهيري حاد وعميق، فالصراع غير موجود، أو مطموس ومغيب في مصر الحديثة، وربما يكون لهذه الظاهرة جذور». وكان الدكتور عاصم محقا في رصده التاريخي: أن الليبرالية المصرية غير مؤصلة فكريا ونضاليا، وذلك حسب رأيي لغياب دور البرجوازية المصرية النضالي على صعيد كل مهامها الأساسية: سواء ما يرتبط منها ببناء الديمقراطية الوطنية، أو سواء بتأكيد الاستقلال الوطني اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، أو سواء بتحقيق الدولة – الأمة العربية كمرحلة حتمية للصمود والنهوض والاستقلال والتقدم، وبناء القوة العصرية في عالم الكبار السائد الآن.
 
 
وكما رصدت سابقا، كانت الحركة الجماهيرية للطبقات الأكثر استغلالا من العمال والفلاحين والفئات الوسطى، تساعد وتساند ثورة التحرر الوطني في حلقاتها الثلاثة «الثورة العرابية – ثورة سنة 1919 – ثورة سنة 1952» بفاعلية ووضوح، في حين غابت، أو إن شئنا الدقة غامت حركة البرجوازية المصرية في هذه الحلقات الثلاثة. ومن ثم قلنا ونقول إن الليبرالية المصرية غير مؤصلة، نظرا للغياب أو التقلص في النضال والوجود الثوري والفكري للطبقة التي تمثلها أي البرجوازية المصرية «الطبقة الرأسمالية المصرية». والحقيقة المفزعة أن الرأسمالية المصرية استفادت من الآثار الإيجابية لثورة التحرر الوطني المصرية أكثر من أي طبقة من طبقات المجتمع عبر مراحلها الثلاثة الماضية، أي أن الذي ضحى وشارك خرج والغرم من نصيبه، والذي كسب وغنم تربع بمكتسباته وغنائمه على قلب مصر على الرغم من أنه لم يشارك، أو قصر، وقد يكون خان أو فرط، وتلك نتيجة مفزعة. لذلك فإن الثورة التي تدور عجلتها الآن ستصحح تلك النتائج، وهذا الغبن، وستنجز مهام الطبقة الرأسمالية التي لم تنجزها قديما وجديدا. لذلك سوف نعاود متابعة هذه المسيرة المظفرة حتما على النحو التالي:-

من متابعات الشبكة الدولية وبيانات المرصد النقابي، ومركز الأرض، والصحافة، والمنظمات الأهلية للمشاركة الشعبية والإنمائية نرى حول تكرار الفعل الاحتجاجي في ذات الموقع لعدة مرات المثال الآتي: «للمرة الثالثة خلال ثلاثة أشهر يعاود عمال وعاملات شركة: "المنصورة أسبانيا" للملابس الجاهزة بطلخا الاعتصام، وذلك من يوم السبت الموافق 21 إبريل سنة 2007 وحتى الآن 9 مايو سنة 2007، وعدد العاملين بالشركة حتى تاريخ الاعتصام 284 عامل وعاملة، شارك منهم في الاعتصام 244 عامل وعاملة. وكان إضرابهم الأول في 3 فبراير سنة 2007، وإضرابهم الثاني كان من 14 : 17 مارس سنة 2007». وهكذا تتسارع عملية الترابط والتراكم لحركة الاحتجاجات في موقع واحد، أي التراكم الزمني، والتلاحق الزمني، وكذلك الحال بالنسبة لأشهر إضراب عمالي في مصر سنة 2007 أي في شركة المحلة للغزل والنسيج، والتي تضم أكثر من 15 ألف عامل وعاملة. وعن تكرار الاحتجاجات في الموقع الواحد. تقول بيانات "المرصد النقابي والعمالي المصري" أن شهر أغسطس سنة 2007 شهد 100 احتجاجا، وأن تسعة منشآت صناعية تكرر بها الاحتجاج لأكثر من مرة في ذات الشهر».

وعن الانتشار الجغرافي والمكاني ظهر بوضوح، فالبيانات تقول على سبيل المثال: أن شهر سبتمبر سنة2007 شهد 94 احتجاجا شارك فيها 220 ألف عامل، منهم 50 ألف عامل قاموا بعمليات احتجاجية فعلية من اعتصامات واضرابات ومظاهرات، والباقي أي 170 ألفا هددت وضغطت باستخدام هذه الأسلحة. وقد أشار تقرير المرصد النقابي: أن أكثر القطاعات احتجاجا في مصر خلال شهر سبتمبر كان قطاعي السلع الغذائية، والغزل والنسيج، حيث شهد كل منهما 11 احتجاجا، ثم جاء بعدهما قطاع النقل وقد جرى فيه عشرة احتجاجات في مواقع عمالية، ثم القطاع التعليمي وجرت به تسعة احتجاجات، وفي وسط الموظفين حدثت 8 احتجاجات في 6 مواقع، ثم قطاع الصناعات المعدنية سبعة احتجاجات وكذلك سبعة احتجاجات في القطاع الطبي بخلاف احتجاجات العمالة المؤقتة في التأمين الصحي، والتي تنتشر في جميع المحافظات، وفي قطاع الطاقة 7 احتجاجات في 5 مواقع، وفي الصناعات الكيماوية سبعة احتجاجات في خمسة مواقع، وفي قطاع التشييد ومواد البناء خمسة احتجاجات في خمسة مواقع عمل، وفي فئات أخرى 4 احتجاجات في أربعة مواقع عمل، وفي صناعة الورق والمطابع 3 احتجاجات في ثلاثة مواقع عمل، واحتجاجان في الصحافة والإعلام والقطاع السياحي، وكان القطاع التجاري صاحب أقل عدد بواقع احتجاج واحد فقط. وعن التوزيع الجغرافي لنفس الشهر، أي سبتمبر سنة 2007، كانت الإسكندرية هي الأولى في عدد الاحتجاجات، تسعة، تليها محافظتي القاهرة والغربية بواقع 8 احتجاجات لكل منهما، ثم محافظة الشرقية ستة احتجاجات، فالدقهلية خمسة احتجاجات، ثم محافظات الجيزة والسويس والفيوم 4 احتجاجات لكل منها، و3 احتجاجات في كل من القليوبية والمنوفية، واحتجاجان في كل من محافظات: أسيوط، وقنا، وبورسعيد، والبحيرة، واحتجاج واحد في كل من الغردقة، نجع حمادي، إدفو، العريش، المنيا، الأقصر، بحيرة إدكو، والإسماعيلية.

وأرجع ذات التقرير الأسباب التي دفعت العمال للاحتجاج إلى: عدم صرف المستحقات المالية – المطالبة بتثبيت العمالة المؤقتة- تعسف أصحاب العمل في إجراءات النقل والفصل التعسفي والحرمان من الترقيات للعمال، والتمييز بينهم – إشكاليات التشريك الطبي (عدم الصلاحية) – تصفية الشركات وإغلاقها – ضعف الرواتب والأجور- عدم تسوية الحالة التأمينية – إنهاء عملية تخصيص المساكن للمحالين إلى المعاش – شطب العمال من هيئة التأمينات، أو عدم رد ملفاتهم لهم بعد بلوغهم سن المعاش – رفض الشركات تشكيل لجان نقابية – وعدم تسوية الحالة الوظيفية للعاملين.
 
 
وهكذا نجد أن علاقة الترابط تنمو وتتزايد، وتنتقل من الأكثر خصوصية إلى الأكثر عمومية، وإن كانت لم تنتقل بعد للسياسي العام والمجرد والوطني. ولكن يرتبط النضال العمالي بنضال الموظفين والفئات الوسطى، والمهنيين، وهكذا ينبع النضال من الحاجة، وبدوافع المصالح الشخصية، حتى يتم اكتشاف، الترابط الحقيقي بين الشخصي والعام الاقتصادي والاجتماعي، وبينه وبين العام السياسي والوطني. إن السمة الأساسية لاحتجاجات الجماهير سنة 2007 أنها تضم العمال في المنشآت الكبيرة، والمنشآت الصغيرة، عمال الإنتاج، وعمال الخدمات إلى جوار الموظفين والعاملين في الدولة كالإضراب الأشهر لموظفي الضرائب العقارية الذي اشترك فيه حوالي خمسة آلاف من العاملين في هذا القطاع بدعم 55 ألف مجمل الموظفين فيه، إلى جوار أساتذة الجامعات «مثل تحرك أساتذة جامعة القاهرة التي تم على هيئة مظاهرة صامتة وقفت أمام إدارة الجامعة، حيث طالبوا خلالها بإصلاح أوضاعهم المالية عن طريق وضع جدول مرتبات يراعي المكانة الأدبية والاجتماعية لهيئات التدريس، إلى جوار الأطباء حيث تظاهر نحو 600 طبيب من أطباء التكليف والامتياز في محافظة الجيزة أمام مديرية الصحة بها، إلى جوار المحامين حيث تظاهر 500 محام أمام مجمع محاكم شمال الجيزة، إلى جوار المحالين إلى المعاش المبكر حيث خرج 3600 عامل سابق بالترسانة البحرية بالإسكندرية في مظاهرة سلمية أمام مقر الشركة القابضة، إلى جوار سائقي «التوك توك» في الإسماعيلية والتل الكبير ومواقع أخرى كثيرة ... وهكذا ودواليك !!!

إذن غطت التحركات كثيرا من الميادين، واشتركت فيها الطبقات والقوى الاجتماعية الأكثر تنظيما، حقا لم تشترك كل القوى الاجتماعية، ذات التنظيم العالي لوجودها الاجتماعي، ولكن ها هي تدخل خطوة خطوة إلى حلبة الصراع، إن الأزمة الشاملة المستحكمة بخناق مصر الراهنة تضغط على الجميع، قد لا تشعر السلطة بهذه الأزمة، وهذا في حد ذاته، أمر طبيعي جدا، فلو أن هذه السلطة التي خلقت هذه الأزمة الشاملة، علمت بها، وبأنها سبب ذلك، لتغير مسلكها، ولكن تظل هيمنة الظالمين سببا مؤججا لثورات الشعوب ونقلات التاريخ الحقيقية. إن مخدر السلطة المسمى بالاستقرار، والمستند على القوة الواضحة، الأمنية والمالية، والإدارية، والسياسية، والأجنبية، وما ارتبط بكل ذلك من إدارة أكبر وأخطر وأعمق وأوسع عملية نهب لمصر، والتي يشارك فيها وللأسف العميق أيادي مصرية، قادرة على أن تجعل حجارة مصر تستغيث وتصرخ وتقاوم.

وبعد آلاف السنين من العمر الحضاري، والنضج السياسي، للشعب المصري، تتجه طبقاته الأساسية، طبقاته الأوسع، والأكثر إنغراسا في التربة المصرية، والأكثر تعبيرا عن معدنه، البانية لثروته ومجده ومستقبله، رغم كل ما تقابله من شظف العيش، وعنت الحياة الحالية على أرض وادي النيل، تقوم هذه الطبقات قومتها التي غابت عنها كثيرا، قد يكون البعض منتقدا لإنابة هذا الشعب لبعض قواه العليا والمتقدمة، ولكن ثبت أن هذه الإنابة، لم تأتي إلا بالخواء. والحق أنها لم تكن إنابة ولكن كانت تحميل كل طرف مسئوليته، فإذا تخلى طرف أو أطراف عن مسئوليتها، وقصرت أو حتى خانت، فهذا ليس ذنب الشعب، وهذا ليس مسئولية الشعب. إن الرأسمالية المصرية «أي الطبقة الرأسمالية الكبيرة»، لم تقم بدورها، ولم تنجز مهامها أبدا في تاريخ مصر الحديثة. والفئات الوسطى ليست طبقة، واستعمال كلمة أو مصطلح الطبقة الوسطى، استعمال خاطئ علميا، ذلك أن البرجوازية الناشئة في أوربا كانت هي الطبقة الوسطى لدى سيادة النظام الإقطاعي هناك. وعليه عندما بنت الرأسمالية دولتها من خلال النضال والصراع مع الإقطاع، صارت هي الطبقة العليا والكبيرة في المجتمع الرأسمالي، ومن ثم فتعبير الطبقة الوسطى لا يطابق الآن الطبقة الرأسمالية، ولكن توجد فئات وسطى من شرائح رأسمالية متوسطة وصغيرة، وهي شرائح لا تحسب على الرأسمالية الكبيرة. والحق يقال أن هذه الشرائح الوسطى لعبت دورا ثوريا كبيرا أو صغيرا (كما يتفق) في تاريخ مصر الحديثة، في حين أن البرجوازية المصرية، أي الرأسمالية المصرية الكبيرة لم تلعب هذا الدور إلا لماما، وعن طريق جزئي، وغالبا فردي، ولكن كيانها الطبقي كان سلبيا دائما في مسيرة تاريخ مصر الحديث. وهناك بعدان أساسيان إضافيان في هذه المرحلة هما أن البرجوازية المصرية الراهنة: أكثر تبعية للاستعمار ولأعداء الوطن – كما أنها أكثر طفيلية، مما يجعل وطنها في كيس نقودها، أو في دفتر شيكاتها، لذلك، لا نفاجئ، عندما نعلم أنها أكثر عزوفا عن المشاركة في تنمية المجتمع، وزيادة ثروته الإنتاجية، بل أكثر عزوفا عن القيام بمشاريع خدمية اقتصادية اجتماعية ذات نفع عام، وتقصر كل مساهماتها الآن على أطباق حلوى المولد النبوي الشريف، ولحوم أضاحي العيد الكبير، وعلب بسكويت العيد الصغير، وموائد الرحمن في رمضان، أي أن مساهماتها في بناء مصر وتعميرها وزيادة ثروة المجتمع تخلت عنه وتحولت إلى مجرد إخراج الصدقات، والانتقال من الدور البنائي والإنتاجي إلى دور فاعل خير، ومن الواجب الاجتماعي، إلى النزعات الشخصية.

لقد كانت هذه الدراسة ذات دوافع ونهج علمي، ولم تكن صادرة عن دوافع أيديولوچية – أو من بها أيمانا لا يفتر- قد أكون جعلت منهجي العلمي ينطلق من منطلقات اجتماعية اقتصادية، ولا ادعي أن هذا هو المنهج العلمي الوحيد، أو بمعنى أدق ليس الصيغة الوحيدة للمنهج العلمي، فهناك من ينطلق من حقائق الجغرافيا السياسية ويؤول بفكره إلى النظرة القومية الثورية والتقدمية، وهناك من ينطلق من روح العدالة العليا للذات العليا، ومن كون الأديان السماوية ثورات للحق والعدل والمساواة لكل البشر، ويستخدم منهجا علميا، ليخدم تقدم واستقلال وعدالة نظمنا، وتنمية مجتمعنا. إن المنطلقات كثيرة والمنهج العلمي قوانينه معلومة ومحددة، فمازال الجديد ينبع من القديم – ومازال هناك ترابط لعناصر الحياة- ومازالت التراكمات الكمية تتحول إلى حالة كيفية جديدة – ومازال الصراع أساس التطور – ومازالت التناقضات الأساسية ذات طبيعة عدائية ومتضادة، والتناقضات الثانوية ذات طبيعة خلافية وتباينية ليس إلا – ومازالت العوامل الداخلية، هي الأكثر تأثيرا على الظواهر من العوامل الخارجية ... الخ. لكل هذا، لابد من رصد الحقائق على أسسها الصلبة والعميقة. إن التحولات الاجتماعية الكبرى كانت دوما مهمة شعبية، فهل يفهم سياسيو المرحلة الراهنة أبعادها ؟ وهل تتخندق القوى على أسس صحيحة ؟ أرجو لها ذلك، فمع بداية سنة 2008 المسيرة ثابتة الخطى ومتسارعة الجريان، وليس هناك انتظار لنصائح أحد، فعندما تتحرك القاطرة لا يمكن إيقافها إلا من داخلها، وإما بقلبها رأسا على عقب، وقد يتم ذلك مع قاطرة واحدة، أو أكثر، ولكن ستظل السكك ممدودة، والقاطرات متحركة، والطرق مرسومة، والخطوط معلومة. ولن أستزيد.

وقد ينعق بعض من كانوا يحتسبون أنفسهم من الثوار، ويقولون: إن العامل الذاتي للثورة غير جاهز، ويتصورون أن عدم جاهزيتهم سيعطل الثورة، وتلك نظرة أنانية، تدل على عجرفة في غير مكانها، ذلك أن العامل الذاتي يتبلور في المرحلة الأولى الفرعية من مراحل الانتفاضة الثورية، حيث تتم في هذه المرحلة الفرعية تجهيز جيش الثورة، وقيادتها، ومن ثم فرصدهم وعجرفتهم ليست علمية، فنحـن مازلنا في الدرجات الأولى للمرحلة النهائية من مراحل المد الفرعية، أي مرحلة تعاظم المد، وهي المرحلة التي تنضج الوعي السياسي العام، ليكتمل في آخرها ذلك الوعي على أسس ثورية، حيث تكون الانتفاضة الثورية. وقد يعتب علىّ البعض ويقول أن هذا الكتاب يسلط الضوء على مسيرة، إذا تابعتها السلطة، سوف تزداد شراسة، وتكتمل دائرة النظام البوليسي في الانغلاق، وسيتم تضييق الخناق على حركة الاحتجاجات الجماهيرية، بل وعلى التحركات النخبوية، والحقيقة أبعد ما تكون عن ذلك التصور عن صيرورة وحتمية المسار الموضوعي والتراكمي لهذه الاحتجاجات، ذلك أنه لو زادت القبضة الأمنية في الضرب والتضييق على هذه الاحتجاجات، فهذا سيجعلها تتسارع أكثر وتشتعل أكثر، إن درس التاريخ لا يخطئ، فالحرية تؤخذ، ولا تعطى، وهذا إدراك الجماهير الشعبية الآن.

وقد يستيقظ أطراف وأركان النظام الحاكم، فيعمل على استبدال السياسات السائدة، بسياسية وطنية وثورية وتقدمية، ويتخلى عن جمعيات المنتفعين بالحكم، ويسلم أمور الشعب لساسته الحقيقيين. وقد تكون هذه مجرد أحلام، إلا أن الجانب الموضوعي لها يكمن في أن النظام في مصر ـ مهما كان ـ يقف موضوعيا ضد الاستعمار والصهيونية، فإن لم يدرك النظام ذلك، فسوف تكون نهايته كنهاية الحقبة الملكية في مصر قبل يوليو سنة 1952م، وذلك لكل الدوائر قيادات وأحزاب .. الخ.
 
هوامش:
 
[1] ـ د. أماني قنديل: المجتمع المدني في العالم العربي دراسة للجمعيات الأهلية العربية – منظمة التحالف العالمي لمشاركة المواطن العري. دار المستقبل سنة 1996.
[2] ـ د. شهيدة الباز: المنظمات الأهلية العربية على مشارف القرن 21 – محددات الواقع وآفاق المستقبل- لجنة المتابعة لمؤتمر التنظيمات الأهلية العربية – القاهرة - 1997.
[3] ـ سناء المصري: تمويل وتطبيع قصة الجمعيات غير الحكومية – سينا للنشر – القاهرة سنة 1998.
 
 
الخلاصة : ـ

حينما قررت أن أخط هذا الكتاب، لم أكن أسعى للتنبؤ على شاكلة المنجمين، ولكن أردت أن أقرأ قراءة علمية لموضوع الثورة. والميزة الكبرى لمسيرة الثورة الراهنة التي تجري على أرض مصر، أنها واضحة وعلنية وغير سرية، ويمكن لأي واحد أن يقرأها، قراءة صحيحة، أو لا يقرأها قراءة صحيحة. وحينما انطلقت الثورة الشعبية في إيران، فاجأت الجميع، وكانت أمريكا أكثر المفاجئين، مع أنه كان يمكن مطالعة الأمر مطالعة جادة وحقيقية، لقد تغاضى الجميع حينذاك عن تطور مراحل المد الجماهيري، ففاجأتهم الانتفاضة الثورية وتصور البعض زورا أن موضوع الثورة وجوهرها يعطل آلياتها وحركتها.

والدرس الهام لمطالعة المسيرة الثورية الراهنة، أن القائمين بها لا يعلمون مسارها، ذلك أننا بصدد أحداث ضمن سلوك سياسي عام، سيفضي إلى نتيجة محددة. وعليه لا يمكن شراء هذه القيادات، وإذا حدث ذلك سيكون لبعض الوقت، فالخطى ثابتة ومتراكمة ومضطردة، فالتحركات الجماهيرية تفرز قياداتها أولا بأول. والطليعة الثورية، في حالتنا هذه، طليعة تشكلها قوانين التحركات الجماهيرية ذاتها. وهناك تخلف ملحوظ في وجود طليعة ثورية جاهزة. وهنا تطرح المقولة المثيرة الآتية: يتم التفريق دائما في قضايا الثورة بين ما يُسمى بالعامل الموضوعي والعامل الذاتي. ويتحدد العامل أو العوامل الموضوعية بحركة الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الدافعة والمحِضَّة والمحركة للمسيرة الثورية. ويتحدد العامل أو العوامل الذاتية بوجود ونضج الطليعة الثورية. والقاعدة العلمية تقول أولا: أن العوامل الموضوعية تخلق وتنضج العوامل الذاتية، ولا تستطيع العوامل الذاتية خلق العوامل الموضوعية أبدا، أو تشكيلها. وتقول هذه القاعدة العلمية ثانيا إذا لم تكن الطليعة الثورية جاهزة ومستعدة، سيتم إيجادها وبلورتها وإنضاجها في غمار عملية التراكم الثوري السائد، قد يحتاج ذلك لمزيد من الوقت وقد يكلف الثورة تكلفة عالية أو حتى باهظة، ولكن ذلك استحقاق ضروري وواجب الحدوث، في بدايات مرحلة الانتفاضة الثورية أو خلال مراحل الانتفاضة الثورية كلها.

حينما إتّخذ قرار احتلال العراق، عقب أحداث 11 سبتمبر سنة 2001، استدعت مراكز البحوث المساندة لعمليات اتخاذ القرارات الأمريكية بعض الخبراء المصريين إلى واشنطن، للتداول في الأمر، إلى درجة أن الرحلة من القاهرة إلى واشنطن استغرقت ثلاثة أيام فقط، على نمط: « صد .. رد » وحكى لي اثنين من هؤلاء الخبراء بمعارضتهم لضرب العراق، وتفاديا لإصرار دوائر الإدارة واتخاذ القرار الأمريكية، وافقوا على ضرب أفغانستان .. فما كان من أمريكا، إلا وضربت كل من أفغانستان والعراق، وفي حوار مستمر مع بعض هؤلاء الخبراء (الذين تجمعهم بي صداقة تاريخية)، وقبيل ضرب العراق بأيام، أخذوا يروجون لاستراتيچية الصدمة والترويع القادمة، وكنت قد جلست مع قيادة بعثية هامة في دمشق في 30 يناير سنة 2003، وحدثته عن ما لدي من معلومات عن طبيعة الهجمة الشرسة والوحشية القادمة على العراق، وأنها ستعمل على إحداث شلل تام أو جزئي، وأن فكرة امتصاص الضربة الأولى، على نمط ما جرى لدينا في مصر سنة 1967، لن تكون مجدية، فأكد لي ذلك المسئول، أنه منذ سنة 1998، أصبح محسوما، أمام القيادة العراقية، فكرة الهجوم الأمريكي الصاعق لاحتلال العراق. ومنذ ذلك التاريخ بدأ نظام المناضل صدام حسين في التجهيز لمقاومة ما بعد الاحتلال على صعيدين: الأول الصعيد العسكري النظامي وتطويره إلى قسمين هما القوات النظامية لصد وعرقلة احتلال العراق، والقسم الثاني لخلق وبناء وإضافة العسكرة لتنظيمات شبه عسكرية نظامية تعمل على نمط حرب العصابات، أو بمعنى أدق: حرب التحرير الشعبية. والصعيد الثاني: وضع التركيبة القبلية والعشائرية في العراق في الاعتبار، والمزاوجة بين فكر البعث العلماني والوطني العام، وهذا الواقع المرتبط بالنظم المتخلفة اجتماعيا، وعلى هذا الصعيد تمت عدة عمليات لبناء الاكتفاء الذاتي بالمؤن والذخيرة، بل وبطرق التصنيع الحربي، ولو البدائي منه. وحكى لي ذات المسئول العراقي في يوم 30 يناير سنة 2003، أي قبيل العدوان (بفاصل خمسين يوما فقط) لقد بدأنا نتصل بالقوى السياسية الوطنية العراقية المعارضة وغير المرتبطة بالاستعمار، وفعلا تمكنا من عقد لقاءات مع بعثيين وشيوعيين وقوميين وناصريين وإسلاميين معتدلين، ومن أن نكون جبهة للمقاومة، وإن كانت لم يكتمل بناؤها بعد، وذلك منذ أكثر من سنتين.

ومع وجود هذه المعلومات لدى قبل ضرب العراق بخمسين يوما، ناقشت أحد هؤلاء الخبراء من الأصدقاء، فأكد لي، أنه لا مندوحة عن هزيمة صدام حسين حتى ولو باحتلال العراق، فقلت له، حقا تستطيع أمريكا أن تنجز هذا الهدف، قاطعنى وقال لي، سيكون ذلك خلال يومين أو ثلاثة على أكثر تقدير، فقلت بل من شهر إلى ثلاثة شهور حسب معلوماتي، واستطردت: يمكن لأمريكا أن تدخل العراق وتحتله، ولكنها سوف تفشل في إدارته، وأن أبنية المقاومة جادة وقائمة حتى تم دق مضخات المياه الجوفية والآبار في المنازل والمزارع، وإغراق البيوت والقرى بمولدات الكهرباء البسيطة، وحسب علمي هناك مئونة واحتياجات من أربعة لستة أشهر للشعب العراقي. وكانت المفاجأة أن المقاومة العراقية بدأت يوم 9 أبريل سنة 2003 يوم سقوط بغداد تحت الاحتلال، واستمرت وتطورت بما لم يحدث، حتى، مع المقاومة الڤيتنامية، والتي يقاس عليها علميا حتى الآن. والملفت لنظري أن واحدا من قادة المعارضة (شيوعي) خرج من العراق لمدة 17 عام أثناء حكم صدام قابلني وأكد لي أنباء هذه الجبهة المقاومة منذ سنة 2002.

وكانت تلك المفاجأة، هذا النمو والتطور للمقاومة العراقية البطلة، بفعل تلاحم العوامل الذاتية مع الموضوعية لإدارة ثورة التحرر الوطني العراقية، ويبرز دور الشهيد البطل صدام حسين كواحد من أبرز زعماء التحرر في العالم المعاصر، قد يكون صدام التسعينيات غير صدام ما قبله، وهذا حقيقي وقد انتقدت صدام في كتابي «مسيرة النظام الدولي قبل وبعد حرب الخليج» الصادر في يناير سنة 1992، وقلت مشكلة صدام آنذاك أنه استبدل نهج التحرر الوطني بعقلية مغامر يحسب أموره على أساس الشراكة الاستعمارية، ولكن صدام استوعب الدرس، وفهم خطأه، ومما لا شك فيه أن أفعاله في بناء أجهزة المقاومة، تغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وتصعد به إلى مقام شهداء وأبطال وقادة التحرر الوطني العظام في تاريخ العالم، ولن نلتفت للمتشعلقين بأذيال الليبرالية والعولمة المتوحشة حاليا وديمقراطيتها الفارغة.

وحينما أقول بذلك، فإنني أفتح الطريق واسعا، لمن يريد مراجعة مواقفه وسياساته، وهذه الدعوة، تجعلني في نظر البعض خياليا، وقد تتهمني بأنني خاصمت العلم، وبالذات علم السياسة الثوري، ذلك أن السلوك السياسي يتشكل للناس حسب وعيهم وحسب مصالحهم، وليس وفقا لهواهم وعواطفهم، فالموضوعي في السياسة، دائما، أكبر من الذاتي. ومع إقراري بهذه القاعدة، بل وتمسكي بها، فإنني أرى أن الموضوعي لمصر هو أنها تقف في خندق معادي ومتضاد للاستعمار والصهيونية، فإن لم نرى نحن ذلك، فأعداؤنا يرونه جيدا، وبوضوح. والاستعمار الراهن يتكون من مجموعة المنظومة الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وهناك تفرقة واجبة بين شعوب ومجتمعات هذه الدول من جانب، وبين حكومات وأنظمة هذه الدول والقوى المتحكمة في قراراتها وفي سياساتها، فالجانب الأول ليس طرفا في المعاداة، ولكن المعاداة تنصّب على القوى المسيطرة والحاكمة لهذه الدول، ونحن لم نبادرهم بالعداء، ولكن عداءهم كتب علينا، وهيمنتهم وجشعهم في ثرواتنا، وهي ملك لنا، كتبت علينا، ونحن لا نحب ذلك، وكنا لا نتمناه، ولكن هذه سياسات موضوعية، وصفتها العدائية أصيلة في مواجهة شعوبنا ومجتمعاتنا، بل وحكوماتنا أيضا «حتى ولو كانت تمني النفس بإخلاصها في «التبعية لهم». ألا فلنعتبر !!!

لهذا يرى هذا الكتاب الفرق الواضح بين الإصلاح السياسي المطروح، من قبل الحكومة، ومن قبل المعارضة، وأكد أنه ليس بإصلاح، وبين الإصلاح الحقيقي الذي يتم بتغيير السياسات، تغييرا جذريا. وقد نختلف في جرعات التغيير. وبواقعية لو تم التغيير على جرعات متتالية ومتراكمة، لتم إعمال قانون: «أن التراكمات الكمية ستفضي إلى تغيير كيفي». وتحديد الأولويات لهذا التغيير الجزئي، أو الكمي المتواتر والمتراكم له قواعد وآليات، ويمكن الاحتكام إلى العلم والمصالح العليا للوطن فيها. فإذا لم يتم الإصلاح بهذه الطريقة، وعلى هذا النهج، فسيكون مجرد إصلاح شكلي وترقيعي، سيحاول تجميل سياسات، ليست جميلة في الأساس. وهذا الإصلاح السياسي الشكلي للأسف هو الإصلاح المطروح سواء من قبل الحكومة، وهو مغرق في شكليته، مثلا لا يمكن أن تضع صياغة لائحية لمادة دستورية، وتتخيل بذلك، أنك لم تخترق الدستور، ولم تنتهكه سواء أقرت بذلك المحكمة الدستورية، أو تقاعست عن ممارسة دورها في هذا الصدد، حتى تحدث الواقعة التي ستكون وقعتها كاشفة. كما أن المعارضة تبغي إصلاحا شكليا للتحسين الليبرالي لتداول مجرد السلطة، دون وضع سياسات مضادة مع السياسات الراهنة، ومتعادية معها، حتى لو تم التغيير جزئيا، ولكن متراكما ومتواترا ومطردا. ويكتفي بمجرد الشكليات والأقانيم الليبرالية، على غير علم أو هدى، لتأصيل الديمقراطية الوطنية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. إن الإصلاح الشكلي بشقيه الحكومي، والمعارض، لن يوقف مسيرة الثورة، أو يرشدها، ولكن سيزيد عجلتها في السرعة وفي الدوران أكثر. إن المطلوب هو التغيير الجذري للسياسات القائمة، ويمكن الاحتكام في ذلك إلى أصل دستور سنة 1971 واعتباره المرجعية الأساسية لفترة إصلاح انتقالية، مع القبول بتعديل وحيد له، وهو التعددية الحزبية والسياسية والاجتماعية، بخاصة أن أصل دستور سنة 1971 كان يرسى مبدأ تداول السلطة في أهم صورة لها، حيث يحدد فترة واحدة إضافية للرئيس الذي يكون في الحكم، أي أن الرئاسة تكون لفترتين في حدها الأقصى. إن معيارية أصل دستور سنة 1971 معيارية ثورية تساير، وضعية مصر المعادية للاستعمار والصهيونية، مصر التي تسعى للتنمية الوطنية المستقلة، مصر التي تسعى لتجذير الديمقراطية الوطنية، وتحسينها والارتقاء بها. ويكون الحكم والقياس على أصول دستور سنة 1971، بالتعديل الوحيد أي التعددية الحزبية، يمثل مرحلة انتقالية، تتحدد باستكمال فترة الرئاسة الحالية، والفترة التالية لها، وتنصب على استرجاع المباع من القطاع العام، ودعم القطاع العام، وإعادة الاعتبار لدوره في التنمية، ودعم القطاع الخاص كقطاع مساعد في توسيع وتعميق بنية المجتمع الإنتاجية، وفي توسيع وتعميق ثروة المجتمع، وإعادة الاعتبار لأغلبية الكادحين من العمال والفلاحين، مع تحديد دقيق وجاد لمن هو العامل والفلاح، أي إرجاع ثورة يوليو لمنطلقاتها واستكمال مسيرتها على أساس مبادئها الستة المعروفة والمحفوظة لنا جميعا.

وفي هذه الفترة الإنتقالية، يتم تنقية قانونية شاملة وجذرية، لإلغاء كل البناء التشريعي المعادي لمصالح الشعب والمجتمع والدستور كقانون ملكية ومؤاجرة الأرض الزراعية، والعودة لقوانين الإصلاح الزراعي من سنة 1952 إلى سنة 1965 وتطويرها. وإلغاء قانون قطاع الأعمال العامة، والعودة إلى قوانين القطاع العام وتطويرها. وإلغاء قوانين العمل القائمة وتطوير قوانين العمل على أسس دستورية صحيحة.

وفي الفترة الانتقالية يتم التحضير لانتخاب جمعية تأسيسية تراعي التوازن بين تيارات الأمة السياسية الأربع، وتراعي توازن المصالح العامة لكل طبقات المجتمع المنتجة، وليست الطفيلية. وتقوم هذه الجمعية التأسيسية لوضع أسس جديدة، ودستور جديد لنظام سياسي وطني يراعي أسس: الاستقلال والتحرر – للوطن وللمواطن- والتنمية – والعدالة (السياسية والاجتماعية) – والتقدم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. وهذا النظام السياسي الجديد، والدستور الجديد، ينهي أحكام الفترة الانتقالية، ويضع أسس الاستقرار السياسي المجتمعي، وحتى يتم وضع هذه السياسات الجديدة، فلابد من إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية تقوم على أساس التعددية السياسية، والتوازن المصلحي العام في المجتمع الوطني، بأفق النضال من أجل قيام الدولة – الأمة العربية، وأفق معاداة الاستعمار والصهيونية، وقيام المجتمع الإنساني الراقي، والتطور ديمقراطيا، باحترام ثروات الشعوب، والتداول التجاري بينها على أسس النفع المتبادل، والمصالح المشتركة، ومجابهة المخاطر الكونية لكوكبنا، على أساس وحدة العالم، والعيش بسلام بين الأنظمة السياسية والاجتماعية المختلفة.

إن هذه الأطروحة تجمع بين التغيير الجذري، وبين التغيير الجزئي المتطور والمتراكم، عندها يمكن للثورة أن تكون صناعة مصرية شاملة وللجميع، وتخضع الثورة والقوانين الثورية لكل مصر المكونة من:- النظام (بكل سلطاته) – المعارضة بكل أطيافها الوطنية – القوى الجماهيرية في كل مواقعها. عندها نكون قد عرضنا وعمقنا قاعدة الثورة، ووجهناها وجهتها الصائبة، ونكون قد تفادينا نهج التغيير على دفعة واحدة، أو التغيير الانقلابي، إلى نهج التغيير الجزئي، المتدرج والمتراكم حتى التواتر وحتى إحداث تغيير كيفي شامل وكامل.

ولابد أن نفرق بين منهج الالتفاف على الثورة، وبين منهج الاستجابة لدواعي الثورة. المنهج الأول يمكن أن يأتي من النظام والقوى المساندة له «القوى الخمسة، التي حددناها في الفصل الثاني»، والالتفاف هنا سيعطل الثورة، ولكن لن يوقف عجلاتها، بل ستتزايد في سرعتها بعد ذلك بما لا تقاس به الأمور الآن، أما المنهج الثاني فشرطه الأساسي، أو جوهره تغيير السياسات، حتى ولو تم بتدرج وبمشاركة وإقرار مؤسسات القوة وشتان ما بين الاثنتين. وعليه فالمساندة للنظام يجب أن تختلف فلسفتها وتوجهها إلى المساندة الشعبية له، ولقواه، وأن يتم استبعاد قوتين أساسيتين من القوى المساندة: الأولى قوة المال الطفيلي والشريحة الطفيلية والثانية تلك القوة الناتجة عن الدعم الاستعماري الصهيوني، وفي هذا الصدد، وفي أحكام الفترة الانتقالية يجب إلغاء معاهدة كامب ديڤيد (السادات- پيجين) وسحب الاعتراف بدولة الكيان الصهيوني المغتصب لفلسطين، والنضال في الأمم المتحدة لسحب قرار التقسيم كقرار منشئ للدولة الصهيونية، باعتباره قرار استعماري، أتى في مرحلة سيادة الدول الاستعمارية، فلا يمكن إزاحة شعب وطني، وتأليف شعب على أسس كاذبة ومضللة وأسطورية. إن هذا لا يعني التخلص من اليهود على أرض فلسطين، ولكن تقبلهم كقوى مهاجرة فردية تقبل بالاندماج في المجتمع الفلسطيني العربي الديمقراطي، فلدى العرب والمسلمين الآن ما يزيد عدده عدة مرات عن يهود إسرائيل، مهاجرين إلى الدول الغربية، ولم يطلب واحد منهم حقوقا متميزة أو قومية له أو لجماعته، لذلك يمكن اعتبار هذه وذاك مجرد هجرة أفراد إلى كيان قومي قائم ومستقر قبل هذه الهجرة، وتلك كانت فلسطين لا يمكن القياس على غيرها أي فلسطين العربية العلمانية الديمقراطية الواحدة. إن الإقرار بالدولة الصهيونية سوف يوجد سابقة لحركات تحررية قومية على أسس عربية وإسلامية في الدول الغربية، وهذا ما يجب أن يتم دفعه الآن حتى يفيق الفكر الاستعماري من أوهامه، حول طرد شعب قومي، واستبداله بشعب مصنع ومؤلف، ويأتي من قوميات متعددة، ولا يشترك إلا في اسم دينه وحتى غالبية هذه التجميعة الشاذة، غير متدينة، وعلمانية بالمعنـى الغربي للكلمة. إنها مجرد توليفة استعمارية استيطانية، ليس لها مستقبل في ظل وجود الشعب صاحب الأرض.
إن التغيير الجذري للسياسات الراهنة هو الشرط الوحيد القادر على إعادة صياغة الثورة التي ابتدأت مسيرتها في التسارع الآن، كما أنه الشرط الوحيد القادر على تصحيح البنية السياسية والاجتماعية لصالح كل المصريين، في ظل العداء الموضوعي المفروض على مصر وأمتها العربية من قبل الاستعمار والصهيونية، إن وجود قواعد اجتماعية وسياسية وثقافية لهذا الاستعمار في مصر، عملية خاسرة، ضد العلم، وضد القانون، وضد الصالح العام، وضد مصر وأمتها العربية. إن مصر بحاجة لكل أبنائها، بشرط سواءهم، وأن يكونوا على الطريق المستقيم. ولنطلب جميعا من الله .. «إهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين». آمين.


أحمد عبد الحميد شرف

ظهر الثلاثاء 5/ 2/ 2008
Alexa
لوحـة التعليقات الحرة
على هذه اللوحة يمكنك كتابة تعليقاتك بحرية كاملة دو تدخل، فقط لا يجب أن تزيد على 512 حرفا. يمكنك تزيين تعليقك بأكواد إتش تي إم إل إذا كنت تعرف هذه الأكواد. بمكنك مثلا وضع خط تحت بعض العبارات أو إبرازها أما الإنتقال إلى سطر جديد فهذا يتم بالضغط على مفتاح سطر جديد ولا داعي لكتابة الكود الخاص بذلك. الحروف التي تكون الأكواد محسوبة ضمن الحد الأقصى للحروف - 512. الإسم والبريد الإلكنروني إختياريان وإذا أردت إخطارك بالتعليقات التي تضاف إلى هذه اللوحة عليك تعليم حقل [أخبرني بالتعليقات المضافة على هذه اللوحة] وفي هذه الحالة يجب كتابة بريك الإلكتروني.
الإسم:
البريد الإلكتروني:
أخبرني بالتعليقات المضافة على هذه اللوحة:

  أضـف التعليق

مواضيع ذات علاقة

موضــوعات آخرى للكــاتب
  • ودارت عجلة الثورة - الفصل الرابع
  • مدخل نظري وفكري في قضايا الفكر السياسي والثوري
  • مصر صانعة التاريخ الثوري الأقدم للبشرية
  • الإصلاح القائم وخريطة القوى السياسية الحالية

  • نشـرها: [عزت هلال] بتــاريخ: [2009/06/24]

    إجمالي القــراءات: [145] حـتى تــاريخ [2017/11/21]
    التقييم: [100%] المشاركين: [1]

    شـارك في تقييـم: استلاب النخبة .. وانطلاقة الجماهير - الفصل الخامس
    rate downضعيف 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 ممتـازrate up
    صوت

    النتيجة : 100%
                                                               
    المشاركين: 1
    الآراء والأفكار والإبداعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها وهو المسئول الوحيد عنها وليس بالضرورة أن تتوافق مع موقف إدارة الموقع. من حق أعضاء الموقع التعليق عليها ونقدها ولكي ترفع من الموقع يجب أن يقل تقييم عدد من القراء لا يقل عن 250 قارئ عن 25%.

    ©2009 - 2017 [اللجنـة الشعـبية للإصـلاح] - إنطلقت في2009/02/25 - cms - الإصدار: 2.0.0 - [برمجيـات هلال]