اللجنـة الشعـبية للإصـلاح
من أجل تحرير الإرادة الوطنية
";
تاريخ اليوم: 2017/05/24 يوم السنة: [143] أسبوع السنة: [21] شهر: [5] ربع السنة: [1]
تسجيل دخول عضو [ كود العضو: - كلمة السر: ]
  دخول
  نسيت كلمة السر؟
  تسجيل عضو جديد
  الحرية والعدالة يستنكر دعوة مرشحي الرئاسة إلى مناظرة بأمريكا   رئيس جامعة حلوان يمنع صرف حوافز الجودة لأعضاء هيئة التدريس   سنقف ضد من يريد حرق مصر   جمعة السيادة للشعب ورفض البيان   لماذا ترغب تل أبيب وواشنطن في تأخير الانتخابات الرئاسية في مصر؟   الشعب المصرى سيستمر فى النضال لنيل كامل حقوقه   يرفض الثوار إتفاق بعض الأحزاب مع المجلس العسكري   بطلان بيع شبين الكوم للغزل والمراجل البخارية وطنطا للكتان   ائتلاف الثقافة المستقلة يطلق أول مبادرة ثقافية قومية يقوم بها المجتمع   مات رجل أحبه - مات عيداروس القصير   
 أجندة المناسبات 
 <<    مايو 2017   >>  
الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 31

  الصفحة الرئيسة
  من تحن؟
  إتصل بنا
  أخبر صديق
  إبحث في الموقع
  الكــتّاب
  الأرشـيف
  أسئلة وأجوبة

  ملفــات وقضـابا
  الصوتيات والمرئيات
  أدب وفن
  بيانـات ووثــائق
  الأخبـــار
  المنـــــاسبات
  المجمـــــوعات
  دليل المجتمع المدني


الإشتراك في النشرة اليومية
الإشـتراك في النشـرة الأسبوعية

بحـث في اللجنـة الشعـبية للإصـلاح
إبحــث

المقــالات

  عرض قائمة شاملة[1026]
ودارت عجلة الثورة - الفصل الرابع
أحمد شرف
  راسل الكاتب

ويمكن القول أن تفاقم سياسة الانفتاح قد أدارت عجلة الثورة الشعبية، أما نتائج سياسة «الإصلاح الاقتصادي» قد دفعت دوران هذه العجلة إلى التسارع حتى تكون الاستمرارية والتواصل في المستقبل، على أساس أن المقدمات المرصودة، تؤدي إلى نتائج عملية أو موضوعية محددة،
  التعليق ولوحة الحوار (0)
  طباعة
  أرسل بالبريد الإلكنرونى

عنوان هذه الصفحة على الإنترنت هو ما يلي. يمكنك نسخة ولصقه على رسائلك الإلكترونية أو صفحات الويب
http://pcr.misrians.com/articles?83
مصر على أعتاب الثورة
الفصل الرابع



ودارت عجلة الثورة


[أ] وكانت الحركة الجماهيرية مساندة لحلقات الثورة الوطنية التحررية في مصر:

لا يختلف اثنان على أن أولى حلقات الثورة الوطنية التحررية في مصر الحديثة، هي الثورة العرابية، ويؤكد الباحثون في التاريخ النضالي والجماهيري المصري، أن دور الحركة الجماهيرية في مصر لم يغب حتى في الثورة العرابية، يقول الدكتور/ چينادي جارياتشكين في كتابه "بورسعيد مهد الحركة العمالية المصرية"[1] ص49-50:

«شملت الحركة الجماهيرية المناهضة للاستعمار في عام 1882 فئات اجتماعية جديدة كانت لا تزال في المراحل الأولى من تكوينها، ومن بينها فئة الكادحين الأجراء العاملين في القطاع الرأسمالي الاستعماري من الاقتصاد المصري. وفي تقديراتنا أن عدد هؤلاء العمال الأجراء من النمط الرأسمالي قد بلغ سنة 1882 من 40 – 50 ألفا. كان من بينهم حوالي عشرة آلاف من عمال سكك الحديد، من 10 – 15 ألفا من عمال المواني، 10 آلاف من عمال السفن، وألفان من عمال شركة قناة السويس .. الخ. وكان المصريون يشكلون الأغلبية الساحقة من العمال غير المؤهلين، ونصف المؤهلين، أما الباقون فيهم أساسا من أبناء حوض البحر المتوسط. وبعد انخراط العمال في حركة التحرر الوطني وإسهامهم بقسط فيها، تقدموا في الوقت ذاته بمطالبهم الطبقية».

وفي دراسة لها بعنوان: الوضع في بدايات القرن من محاضرات حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، تقول الأستاذة أمينة شفيق:

«عندما خرجت المظاهرات العمالية من ورش السبتية وبولاق لتساند حركة طلبة مدرسة الحقوق العليا في بداية شهر مارس سنة 1919 اعترف الجميع أن خروج العمال المصريين ثم الفلاحين في القرى، أعطى للثورة الوطنية المصرية المعادية للاستعمار الإنجليزي القدر الأعظم من عنادها وفعلها الثوري، وفي هذه الحالة أيضا كان الإضراب والتظاهر واجبا على الطبقة العاملة وحقا لها، وعنصر فخر لكل الطبقات. وحتى إذا عدنا إلى الوراء خطوة أخرى إلى تلك الإضرابات العمالية المبكرة التي نظمتها شرائح الطبقة العاملة المصرية الوليدة في بدايات هذا القرن ضد أرباب الأعمال الأجانب، وإدارتهم من إنجليز وفرنسيين وبلچيك في صناعات الدخان والنسيج والترام ومترو هيليوبوليس، نجد أن هؤلاء الذين يعتمدون عدم التمييز يضطرون إلى الاعتراف بأن هؤلاء العمال ناطحوا الاستعمار والاستغلال في آن واحد، وأنهم أي العمال وهم يطالبون بحقهم في إنشاء نقابة، وبحقهم في مكافأة نهاية الخدمة، وبحقهم في تخفيض ساعات العمل، كانوا يناطحون الرأسمالي الأجنبي التي تحتل جيوشه البلاد، ويمتلك رأسماليوه الوحدات الإنتاجية. في هذه الحالة أيضا يؤرخون حق الإضراب كحق للعمال وكواجب وكفخر للوطن كله».

وقد سجل لنا مؤرخو الطبقة العاملة المصرية، أن هذه الطبقة شاركت بصفة جزئية وعامة في عدد 106 إضرابا في الفترة من سنة 1900 حتى 1951، شغلت فترات زمنية في 27 عاما من نصف القرن العشرين الأول. وقد حظيت الإسكندرية بعدد 42 إضرابا منها، والقاهرة بعدد 35 إضرابا منها، ومنطقة القنال بعشرة اضرابات، والأقاليم الأخرى بعدد 14 إضرابا، وكانت الاضرابات الكلية لعمال نوعية صناعية واحدة شاملة مستوى القطر كله، أربعة اضرابات هي: اضرابات عمال السجائر سنة 1918- اضرابات عمال الغاز والكهرباء سنة 1920 -  اضرابات عمال النقل المشترك سنة 1951 – وكذلك اضرابات عمال المعسكرات البريطانية في سنة 1951، كما تكرر اضرابات منطقة صناعية واحدة كثيرا وأهمها: اضرابات عمال كفر الدوار عام 1953، وعام 1984، وعام 1994 – واضرابات عمال المحلة الكبرى في أعوام سنة 1976، سنة 1987، سنة 1994.


[ب] السياسات المتبعة جددت المواجهات الجماهيرية لها:

شهد الاقتصاد المصري تحولات أساسية منذ بداية عقد السبعينيات في القرن العشرين، بالاتجاه التدريجي نحو الأخذ باقتصاد السوق والارتباط بالسوق العالمي، وهو ما عرف أولا باسم " الانفتاح الاقتصادي" والذي أعلن عنه الرئيس أنور السادات لأول مرة في خطابه أمام مجلس الشعب المصري في 21 إبريل سنة 1973 – أي قبل حرب أكتوبر بما يقرب من ستة أشهر- ثم تمت صياغته في وثيقة رسمية عرفت باسم ورقة أكتوبر وصدرت في إبريل سنة 1974 حيث يجمل الرئيس السادات فيها وفي بابها الخامس، وتحت عنوان "أهداف أكتوبر العشرة " ما يلي:

«لقد بدأنا بحرب أكتوبر مرحلة جديدة في حياة هذا الشعب العريق، أعيد تلخيصها على النحو التالي:-

(1) التنمية الاقتصادية بمعدلات تفوق ما حققنا حتى الآن.

(2) الإعداد لمصر عام 2000 حتى نوفر أسباب استمرار التقدم للأجيال المقبلة.

(3) الانفتاح الاقتصادي في الداخل والخارج الذي يوفر كل الضمانات للأموال التي تستثمر في التنمية.

(4) التخطيط الشامل والفعال الذي يكفل بالعلم تحقيق الأهداف العظيمة للمجتمع.

(5) دعم القطاع العام وترشيده وانطلاقه تمكينا له من قيادة التنمية.

(6) التنمية الاجتماعية وبناء الإنسان.

(7) دخول عصر العلم والتكنولوچيا.

(8) التقدم الحضاري القائم على العلم والإيمان.

(9) المجتمع المفتوح الذي ينعم برياح الحرية.

(10) المجتمع الآمن الذي يطمئن فيه المواطن على يومه وغده».


وقد تطورت هذه السياسات، سياسات الانفتاح، إلى سياسات الإصلاح الاقتصادي منذ بداية التسعينيات من القرن العشرين. فكنتيجة مباشرة لاشتراك القوات المصرية في عملية تحرير الكويت مع القوات الأمريكية، تم التوصل إلى اتفاق بين صندوق النقد الدولي والبنك الدولي من ناحية، والحكومة المصرية من الناحية الأخرى على الإسراع بوتيرة التحولات الاقتصادية الليبرالية في مصر، وذلك من خلال الأخذ ببرنامج التثبيت والتكيف الهيكلي، والذي يعرف اختصارا باسم "سياسة الإصلاح الاقتصادي". وقد بدأت المرحلة الأولى من البرنامج في الربع الثاني من عام 1991، بعد توقيع اتفاقيتين إحداهما: مع صندوق النقد الدولي للقيام بالإصلاحات العاجلة لتثبيت الاقتصاد عن طريق خفض التضخم وعجز الموازنة العامة، وعجز ميزان المدفوعات، وغير ذلك من التغييرات الاقتصادية الكلية. والثانية: مع البنك الدولي للقيام بالإصلاحات الهيكلية لتحسين أوضاع القطاع العام بتحويله إلى قطاع الأعمال العام، عنده يسهل تفكيكه وتحويله إلى القطاع الخاص، حتى يستهدف له، آنذاك، أن يتولى قيادة النشاط الاقتصادي. وقد قيل بشأن هدف هذا التحويل الهيكلي، أنه يقصد به أن يتم رفع كفاءة قطاع الأعمال العام حتى يلائم التحول إلى الخصخصة. وكان من المخطط أن تستغرق المرحلة الأولى عاما ونصف عام، ولكنها امتدت إلى عامين تقريبا، ثم بدأت المرحلة الثانية في يونيو سنة 1993، وقرر لها أن تستمر لثلاثة أعوام حيث تبدأ بعد ذلك سياسة الخصخصة.

وإذا كانت بنود الاتفاق الأول والثاني واضحة فيما يختص بضمان الاستقرار الاقتصادي والتحول إلى اقتصاد السوق الذي يقوده القطاع الخاص، فإنها غير واضحة فيما يتعلق بمتطلبات التنمية بمعناها الشامل، والذي لا يعني فقط مجرد رفع مستوى الدخل، ولكنه يتسع ليشمل الوفاء بالاحتياجات الأساسية للمواطنين، مع التأكيد على مشاركتهم في وضع الخطط ومتابعة تنفيذها والاستفادة بعائدها.

وبالتمعن فيما سبق يتضح أن عقد التسعينيات يتميز كمرحلة اقتصادية اجتماعية بذاتها، وأن هذه المرحلة وإن كانت قد ولدت من أحشاء مرحلة سابقة، فقد جاءت كامتداد لها، ولكن بصورة تؤكد أنها مرحلة لها خصائصها المحددة، وبين المعنيين: الاستمرارية – والتميز، يتحدد وضع العمال وطبقات المجتمع الضعيفة بين التشريع الحامي والتشريد. ففي حين تشهد هذه المرحلة موجات التشريد العمالي والفلاحي، إلا أن هذا التشريد لا يصاحبه موجات تشريع حمائية للعمال والطبقات الفقيرة. وتظل التشريعات الحاكمة لهذه الفترة، تشريعات صدرت فيما قبلها سواء على الصعيد الحقوقي الدولي، أو سواء على الصعيد الوطني المحلي.

لقد أسفر الأخذ بسياسة الانفتاح الاقتصادي، وطوال الفترة التي امتدت حتى نهاية عقد الثمانينيات أن تبلورت بعض الملامح الأساسية للاقتصاد المصري، والتي يمكن تلخيص أهمها فيما يلي:-

(1) انخفاض متوسط النمو السنوي للناتج القومي الإجمالي من 7.3% في الفترة من 1965 – 1980 إلى 2% تقريبا في عام 1989، وهو أقل من معدل نمو السكان مما يعني تدهورا في متوسط دخل الفرد، حيث وصل سنة 1990 إلى حوالي 600 دولار سنويا، ناهيك عن الفروق الآخذة في الاتساع بين الأغنياء والفقراء. إن هذا الدخل الفردي يضع مصر ضمن مجموعة اقتصاديات الدخل المنخفض طبقا لتصنيف البنك الدولي.

(2) الارتفاع الهائل في نسبة الدين الخارجي إلى الناتج القومي الإجمالي، حيث قفزت هذه النسبة من 22.5% عام 1970 إلى 126% عام 1990. الأمر الذي جعل مصر تصنف ضمن مجموعة المديونية الباهظة، وذلك حسب تصنيف البنك الدولي بحساب متوسط ثلاث سنوات من سنة 1988 – سنة 1990. وتعني مجموعة المديونية الباهظة أن ثلاث من أربع نسب أساسية تزيد عن المستويات الحرجة وهي: الدين إلى الناتج القومي الإجمالي (50%) – الدين إلى الصادرات من السلع والخدمات (275%) – خدمة الدين المستحقة إلى الصادرات (30%) – الفائدة المستحقة للصادرات (20%).

(3) الاعتماد المتزايد على المنح والمساعدات الأجنبية والتي ارتفعت من 1292 مليون دولار سنة1981 إلى 5604 مليون دولار سنة 1990، أي بنسبة نمو قدرها 333.7% في خلال عشر سنوات. وبعد أن كان هذا المصدر يمثل 4.9% من الناتج القومي الإجمالي في سنة 1987، ارتفع ليصبح 15.9% في سنة1990.

(4) زيادة معدل البطالة إلى ثلاثة أضعاف ما كانت عليه في عقد الستينيات. فبعد أن كان هذا المعدل يمثل 2.5% من إجمالي القوى العاملة سنة 1960، ارتفع ليصبح 7.7% سنة1976، ثم إلى 14.7% في عام 1986، ثم واصل الارتفاع حتى وصل عام 89/1990 إلى نسبة 20.5%. ومما يلفت النظر أن مشكلة البطالة في مصر تتسم بعدة خصائص أهمها:

ـ انتشار البطالة بين حملة المؤهلات المتوسطة حيث بلغت نسبة 52% من إجمالي المتعطلين في سنة 1986 طبقا لتقديرات البنك الدولي. وتتوالى هذه النسب في الارتفاع حتى تصل إلى نسبة 85% من شباب المتعطلين في بداية التسعينيات.

ـ اتجاه معدل البطالة للارتفاع في الريف حيث ارتفع عدد المتعطلين في الريف من 56 ألف سنة 1960 إلى 296 ألف سنة1976، ثم إلى 985 ألف سنة1986 أي أن هذه النسبة زادت في سنة 1986 عن سنة 1960 بنسبة 1659%, بينما بلغت النسبة لذات الفترة في الحضر إلى 870% تقريبا، حيث كانت لذات السنوات على التوالي: 119 ألف سنة1960، 454 ألف سنة 1976، 1027 ألف سنة 1986.

(5) اتجاه الوظيفة الاجتماعية للدولة إلى التقلص، وذلك في مجال الخدمات الاقتصادية – الاجتماعية، ففي مجال الصحة على سبيل المثال انخفضت نسبة الإنفاق الحكومي من 5% لسنة 1965 إلى نسبة 1.9% سنة 1990 من مجمل الإنفاق العام، مما خفض ميزانية وزارة الصحة بالنسبة لمجمل الناتج القومي من 1.11% سنة1985 – سنة 1986 إلى نسبة 0.9% سنة 88/1989، ثم انخفضت إلى نسبة 0.7% سنة 89/1990، وفي مجال التعليم انخفض نصيب التعليم من نسبة 25% سنة 77/1978 من الإنفاق العام إلى نسبة 9.8% لسنة85/1986، وانخفضت النفقات الحقيقية على مستلزمات التعليم من 51.6% مليون جنيه مصري سنة 80/1981 إلى 26.3 مليون جنية سنة 89/1990. وفي دراسة أجرتها منظمة العمل الدولية 1988 قدرت عدد الأطفال أقل من 14 عاما الذين يعملون في الورش والأعمال الضارة بالصحة حوالي 1.5 مليون طفل تسربوا من التعليم في مصر، وهي نسبة 8.2% من مجموع الأطفال في هذه المرحلة السنية.


لقد أخذت كل البيانات السابقة من دراسة لي كنت قد قدمتها للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان سنة 1996، عن مدى الضرر الذي أصاب العمال من تطبيق سياستي الانفتاح، والاصطلاح الاقتصادي لحينها، ورغم اتفاقي مع الأستاذ محمد منيب أمين عام المنظمة آنذاك، إلا أن مجلس إدارة المنظمة رفض التقرير بناء على ڤيتو من أستاذي في الجامعة، المرحوم د. سعيد النجار تحت حجة أن هذا تقرير سياسي، وليس فني، علما بأنني وثقت كل أرقامي. وهذه الحادثة ذاتها تبين مدى الخلل في منظومة حقوق الإنسان الإمبريالية، أو بمعنى أدق التي تركبها الإمبريالية الآن، فهذه الدراسة قد بوبتها حسب أولوية الحقوق المنصوص عليها في العهد الدولي للحقوق الاقتصادية الاجتماعية الثقافية بصورة مدرسية. بقيت لي إحالة إلى الفصل السابق عندما حددت بداية مرحلة المد الجماهيري العامة، منذ بداية التسعينيات، أي مع تطبيق سياسة الإصلاح الاقتصادي.


[ج] وتحركت الجماهير لتدير آلة الثورة :

في دراستي المشار إليها، لاحظت، كما يؤكد أحد الباحثين، أن التقدير لعدد الاضرابات والتحركات الجماعية العمالية يختلف باختلاف المصدر. ففي حين يؤكد تقرير مركز الدراسات السياسية والاستراتيچية بالأهرام لعام 1988 وجود 4 مظاهرات عمالية فقط، وقعت كلها في شهر سبتمبر، وإضراب واحد لم يحدد زمانه ولا مكانه، بينما متابعة الصحافة العمالية والحزبية تؤكد أن الفترة الواقعة من سنة 1988 إلى سنة 1991 شهدت عدد 242 تحركا جماعيا للعمال. وكان نصيب عام 1988 منها 74 تحركا منها 11 إضرابا، 8 مظاهرات، 13 اعتصاما. وفي حين حدد التقرير الاستراتيچي التالي لسنة1989 رصده لعدد20 إضرابا واعتصاما ومظاهرة، تؤكد المتابعة الصحفية أن نفس العام شهد عدد 79 تحركا عماليا منها 24 إضرابا واعتصاما ومظاهرة.

ولا شك أن كثرة هذه التحركات العمالية المطلبية في فترة الثلاث سنوات الأخيرة من الثمانينيات، ترجع إلى سبب إضافي، يعتبر سبب حقوقي حيث صدر حكم من محكمة أمن الدولة العليا (طوارئ) ببراءة عمال سكك حديد مصر من تهمة الإضراب. واعتباره حقا مشروعا، ذلك الحكم جاء بتاريخ 16 إبريل سنة 1987. وجاء حكم المحكمة التأديبية بالمحلة الكبرى بحكم مماثل أي يبيح الإضراب كحق مشروع بتاريخ 10 مارس سنة 1991.

ويمكن القول أن تفاقم سياسة الانفتاح قد أدارت عجلة الثورة الشعبية، أما نتائج سياسة «الإصلاح الاقتصادي» قد دفعت دوران هذه العجلة إلى التسارع حتى تكون الاستمرارية والتواصل في المستقبل، على أساس أن المقدمات المرصودة، تؤدي إلى نتائج عملية أو موضوعية محددة، ولنتابع ذلك على النحو التالي:-

يمكن القول أن عام 1990 لم يشهد تحركات عمالية جماهيرية، حيث ارتبطت معظم التحركات العمالية بالقيادات النقابية والعناصر العمالية المسيسة، أي أنها تحركات نخبوية أو طلائعية، انصبت في أغلبها على الدعوة لإقرار مبدأ المفاوضة الجماعية للنقابات أمام الإدارات، كما طالبت برفع الأجور أمام تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للبسطاء، كما طالبت بإباحة حق الإضراب، والاعتراف الصريح به.

ويمكن القول أن السبب الرئيسي الكامن وراء غياب التحركات الجماهيرية يرجع أساسا إلى تنامي ظاهرة العنف والعنف المتبادل بين جماعات الإسلام السياسي وأجهزة الأمن والشرطة، حيث سجلت عدد 93 حالة إرهاب وشغب في سنوات الثمانينيات الأخيرة. ويدل ذلك على وعي الحركة الجماهيرية التلقائي الذي يؤهلها لاكتساب الوعي السياسي والثوري الراقي، مع تزايد تجاربها الذاتية. فحركة الجماهير المنظمة، أي التي تملك وعاءًا اجتماعيا منظما، ولا يشك فيه وكما سبق وسجلنا، فإن الطبقة العاملة تمتلك أرقى أشكال التنظيم الاجتماعي والمهني، قلنا أن حركة الجماهير المنظمة ترفض وتأبى أن يتم الخلط والتشويش عليها، فشتان ما بين العنف الثوري، والعنف الإرهابي، وشتان ما بين المقاومة الوطنية الثورية، ومقاومة المنشقين من وعلى الاستعمار.

وتستمر متابعتنا لرصد بدايات سياسات ما يُسمى «بالإصلاح الاقتصادي»، وطبقا لبيانات وزارة التخطيط والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء سنة 1990، ارتفعت متوسطات الأجور النقدية عام 88/1989 عن عام 86/1987 بنسبة 27% في حين ارتفع الرقم القياسي «وهو الرقم الذي يثبت الأسعار على سنة الأساس» للأسعار في الحضر بنسبة 43% مما يعني أن القوة الشرائية للجنيه قد انخفضت في الحضر بنسبة 16%. وفي الريف ارتفعت الأجور النقدية «الدخول النقدية» في ذات الفترة بنسبة 12% بينما ارتفع الرقم القياسي للأسعار في الريف بنسبة 50% مما يعني انخفاض القوة الشرائية للجنيه بنسبة 38%. صاحب ذلك ارتفاع متوالي في معدلات البطالة، حيث قدرت باحثة اقتصادية «أستاذة اقتصاد» أن رقم البطالة سنة 1990 قد يتجاوز رقم الأربعة مليون عاطل. وأظهرت دراسة للنقابة العامة لعمال الصناعات الهندسية في يناير 1991، أن الأسعار زادت في عشر سنوات 1000% بينما زادت الأجور 200%.

في مواجهة هذا الواقع قامت الحكومة بالإعلان في بيانها في 28/ 1/ 1991 عن عدة إجراءات تشكل جوهر سياساتها هي:-

(1) مشاركة رأس المال الخاص بنسبة 49% من ملكية شركات القطاع العام كمرحلة أولى.

(2) التخلص من بعض الشركات العامة بالتصفية أو البيع.

(3) السيطرة الكاملة لآليات السوق وفقا للعرض والطلب.

(4) تخلي الدولة شيئا فشيئا عن دورها الاقتصادي والاجتماعي.


وفي منتصف يوليو سنة 1991 استكمل مجلس الشعب المصري إقراره للسياسات والقوانين التي تقدمت بها الحكومة، التزاما باتفاقها مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي قبل أيام قليلة، من نفس الشهر. غير أن هذا الإقرار حرك الجماهير العمالية وقياداتهم النقابية. ففي يوم 8 يونيو سنة 1991 اجتمعت النقابة العامة لعمال الصناعات الهندسية، ورؤساء وأعضاء اللجان التابعة لها «حضر هذا الاجتماع أكثر من سبعين قيادة عمالية» لرفض مشروع قانون قطاع الأعمال العامة، ودعوة النقابات التابعة لها للاعتصام والإضراب لتحقيق هذا الغرض. وفي يوم 11 يونيو سنة 1991 حاصرت قوات الأمن مبنى الاتحاد العام لنقابات العمال، منذ الساعات الأولى لليوم، بعد أن تقدمت وزارة الداخلية ببلاغا للنيابة العامة حول علمها بالتخطيط لاعتصام القيادات النقابية للصناعات الهندسية والمعدنية والكهربائية للدعوة لرفض مشروع قانون قطاع الأعمال العامة. وطوال الفترة بين 8 – 12 يونيو سنة 1991 توالت الاجتماعات الموسعة للجان النقابية في مواقع العمل، وحضرها المندوبون النقابيون، والقيادات العمالية النشطة، وتوالت برقيات الاحتجاج لمجلس الشعب ورئاسة الجمهورية ضد هذا المشروع. وفي بعض المناطق الصناعية تم تشكيل لجان للدفاع عن القطاع العام كما حدث في السويس، وشبرا الخيمة، وإمبابة، وحلوان، والإسكندرية وغيرها، وتم عقد الندوات والاجتماعات العامة في هذه المواقع وغيرها للتنديد بالسياسات الحكومية. واشتعلت المعارك بين نشطاء العمال وأجهزة الأمن وتم شطب كثير من هؤلاء في الانتخابات النقابية التي جرت في نفس العام (أغسطس سنة 1991) من مرشحي كل النقابات. ويعتبر عام 1991 عام تهذيب وتشذيب الحركة العمالية على هوى الحكومة.

ومع حلول سنة 1992، بدأت خطوات الحكومة المصرية في التسارع لتنفيذ اتفاقها مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على عدة محاور أهمها: تحرير التجارة الخارجية – تطبيق قانون رقم 203 لسنة 1991 المُسمى قانون قطاع الأعمال العام – فرض آليات السوق من العرض والطلب. ومع تطبيق هذه السياسات بدأ الفرز والاستقطاب في صفوف الحركة السياسية للمعارضة الرسمية، وغير الرسمية، واليمينية واليسارية، والعلمانية والإسلامية، كما دارت عملية الفرز والاستقطاب تلك في أوساط القيادات النقابية العمالية الرسمية. ويمكن القول – وباطمئنان علمي- لقد أخذ خط الجماهير يبتعد عن خط النخبة، أو إن شئنا دقة التعبير، بدء خط الجماهير يتمايز عن خط النخب أو الجماعة السياسية في مصر. ولاشك أن هذه البداية في التمايز تأكدت برصد عملية تحرير الكويت التي تحولت على أرض الواقع إلى عمليتين، أولهما: تدمير العراق والكويت معا بغرض تسريع عجلة النهب الاستعماري لموارد النفط الخليجي. ثانيتهما: تمكين القوات الأمريكية والأطلسية من الوجود الدائم والعلني والمعترف به على الأرض العربية.

و«المياه تكذب الغطاس» فمنذ يناير سنة 1992، وبعد أن ارتفعت بعض الأسعار، وبدأ تطبيق اللائحة التنفيذية لقانون قطاع الأعمال العام منذ 20 يناير سنة 1992، انفجرت عدة تحركات عمالية جماعية بدأت بإضراب عمال شركة صباغي البيضة بمدينة كفر الدوار الصناعية، وبمظاهرات عمال الشركة القومية للأسمنت بحلوان، ثم بإضراب مصر- حلوان للغزل والنسيج، واعتصامات ومظاهرات المصانع الحربية أرقام 54، 99، 63. ويلاحظ أن هذه التحركات الجماهيرية العمالية قد جرت في توقيت واحد مما يعطيها شبهة الحركة العامة.

وفي يوليو سنة 1992 وسعت النقابة العامة لعمال التجارة نطاق حركتها في مواجهة قرارات إدارة الشركة القابضة للقطن بتصفية الشركة الشرقية للأقطان، وعملية تصفية شركة النيل لتصدير الحاصلات الزراعية، وتصفية شركات التنمية الزراعية، فدعت النقابة العامة للتجارة، اللجان النقابية التابعة لها، لمناقشة سبل مواجهة هذه التحديات وذلك في مؤتمرين عقدا بالقاهرة والإسكندرية، حيث تمت الدعوة فيهما لاستخدام وسيلتي التظاهر، والإضراب عن العمل لوقف تصفية الشركات، ولكن الاتجاه الرسمي للقيادات النقابية اشترط وقف ذلك لحين التفاوض مع الحكومة وجهات الإدارة، وإشراك مجلس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر في هذه العملية التفاوضية، وتلك المواجهة.

وفي أواخر يوليو سنة 1992 خاضت نقابة مجمع الحديد والصلب والتي تضم في عضويتها 25 ألف عامل، مفاوضة جماعية، ونجحت في زيادة الحوافز، وأثناء عملية المفاوضة الجماعية هذه، تمت دعوة العمال في المجمع للامتناع عن صرف مرتباتهم، فكانت استجابة العمال قوية وجماعية، مما أنجح هذه المفاوضات، فحصل العمال على حوافز تقدر بمبلغ 4.2 مليون جنيه، تشكل 17% من الأجر الأساسي.

في هذه الأثناء اشتدت دعوة بعض القيادات النقابية «من بينهم رؤساء ثلاث نقابات عامة» لإنشاء صناديق لدعم الاضرابات العمالية المنتظر زيادتها فيما هو قادم من الأيام. غير أن انفجار الأوضاع الأمنية بين الجماعات الإسلامية والشرطة والتي أخذت منحنى خطير منذ مارس سنة 1993، أوقفت الحركة العمالية الجماهيرية تلقائيا وبإرادتها الذاتية لمدة عام ونيف.
 
كما تأثرت هذه الفترة، أي فترة توقف التحركات الجماهيرية، بالأمل الكاذب حول بداية حل القضية الفلسطينية، وتوقيع اتفاقية الحكم الذاتي، مما ساعد على وجود طبقة كثيفة من الضباب في داخل مصر، وفي المنطقة العربية كلها. في كتاب لي[2] حول التطبيع ومقاومته قلت في ص 224:

«فتحت أبواب الوهم المرتبط بما يُسمى الوصول للمصالحة التاريخية الشاملة، فعقب إعلان اتفاقيتي غزة- أريحا، انطلقت قوى التطبيع في الساحة المصرية في مسيرة متصاعدة، امتلكت استراتيچية هجومية، استطاعت من خلالها أن تعبئ رؤساء تحرير الصحف الرسمية في مصر، لتشن هجوما مكثفا استمر طوال يناير وحتى منتصف شهر فبراير سنة 1994، حول ضرورة تحويل السلام البارد للسلام الساخن، ولم تتوقف هذه الحملة الصحفية الشاملة، إلا يوم 15 فبراير سنة 1994 يوم مذبحة الحرم الإبراهيمي الدامية في الخليل، وإذا كانت الحملة الصحفية الخطيرة قد توقفت، إلا أن حملة التطبيع الرسمي أخذت تكتسب عنفوانا وقوة مع كل يوم يمر، وبرز أعضاء اللوبي الصهيوني في مصر سافرين في ضغوطهم، وامتدت الإجراءات التطبيعية لتدخل مسارات لم تعرفها من قبل، فبعد أن كانت تتسلل خفية مع تجار السوق السوداء، إذا بها تجتذب وبشدة قوى الحلف الحاكم كله، وفي مقدمته قوى الرأسمالية المحلية، لتهش وتبش بالمنافع الساحرة، التي سيأتي بها مصباح علاء الدين «إسرائيل» لها !!!. وإذا بالسلطة ولأول مرة تلغي التعقيدات الإدارية للسفر لإسرائيل، بل تمارس ضغطا على تنظيمات رجال الأعمال كي تسافر إلى إسرائيل وتعقد ما تشاء على أساس منفعتها الخاصة، فلا قيد، بل لقد فتح باب التشجيع والترغيب للتعامل مع إسرائيل، وأصبح التطبيع بالتشجيع سياسة عملية تمارس كل يوم».

وهنا لنا وقفة، فأي حركة غضة وعظامها مازالت بعد لينة، يمكن لها أن تنخدع في ظل غياب الفكر الثوري للطليعة الغائبة. فالاتجاهات المسيطرة على قيادة اليسار كانت تمثل ظل ياسر عرفات على أرض مصر، كما أنها أصبحت تمثل المعارضة البرلمانية المنظمة، والتي شاركت في صنع طاقية الإخفاء للتشريعات الخطيرة، التي صدرت عن الدورات البرلمانية لمجلس الشعب في الفترة من 1990 – 1995. وأصبحت هذه القيادة تقول في تصريحاتها المتكررة «من أنها لم تختلف مع الرئيس السادات في غرض السلام، ولكن كان خلافها في الوسيلة فقط» وهي بهذا ضربت المقاومة العظيمة والصلبة التي قادتها قوى اليسار للشعب المصري ضد معاهدة السادات – بيجن وضد نهج كامب ديڤيد بأكمله في مقتل. لقد ساعد هذا التسكين لقيادات اليسار في قلب سياسات النظام، أن تشتد عملية الفرز السياسي والنقابي بين قوى الموالاة التي أخذت قاعدتها في الاتساع داخل النخبة السياسية، وبين القوى الثورية، التي أخذت تنبعث من رحم الحركة الجماهيرية الوليدة أو من بقايا الثوار القدامى.

ويمكن القول أن فترة الهدنة تلك استمرت طول عام 1993 تقريبا وبعض شهور سنة 1994. ومع ميل الأمور إلى محاصرة ظاهرة العنف وتقليص آثارها الاقتصادية في محاربة الأنشطة السياحية، واستئناف الحكومة حث الخطا لتنفيذ برامج ما يُسمى بسياسة الإصلاح الاقتصادي، بدأ الواقع الاقتصادي الاجتماعي يتكشف عن أبعاد أكثر تدهورا. ففي دراسة للبنك الدولي صدرت سنة 1991 تحت عنوان «حدة الفقر والتكيف الهيكلي في مصر» تمت الإشارة فيها، إلى أن عدد الأسر الفقيرة في مصر تصل لنسبة 22%، 30% في كل من الحضر والريف إلى مجمل الأسر فيهما، وارتفعت هذه النسبة بصورة مفزعة في دراسة تالية حيث أشارت أرقام سنة 1992 إلى وصولها لنسبة 49%، 64% أسر فقيرة في الحضر والريف من مجمل أسرهما، أي هذه النسبة قد تضاعفت في كل من الحضر والريف خلال أقل من ثلاثة سنوات هي عمر تنفيذ برنامج التكيف الهيكلي.

وفي تقرير التنمية البشرية لعام 1993 والصادر عن الأمم المتحدة والذي يقيس مدى تأخر الخدمات الصحية والتعليمية ومستوى الدخل تراجعت مصر واحتلت الترتيب رقم 124 من 173 دولة نامية، مسجلة بهذا الترتيب المخزي تخلفا عن كثير من الدول العربية ذات الإمكانات المحدودة. لقد أورد هذا التقرير حقائق تثير الفزع عن الملامح الأساسية للحرمان الذي تعانيه الطبقات الفقيرة في مصر، ففي حين كان دخل العامل ينمو بنسبة 4.1% سنويا بين سنة 1970، سنة 1980، انخفضت هذه النسبة إلى 2.1% سنويا من سنة 1980 إلى سنة 1990. ويشير التقرير إلى أن نسبة الضرائب غير المباشرة التي يتحملها المستهلكين الفقراء تصل لنسبة 25% من مجمل الضرائب، بما يعني اختلال الأعباء الاجتماعية ضد الفقراء، هذا وقد خطت السياسة الضريبية للحكومة خطوة للوراء على حساب الفقراء بتنفيذها لقانون الضريبة الموحدة، وضريبة المبيعات منذ أواخر سنة 1993.

وفي 22 مايو سنة 1993، انتهت المفاوضات بين الحكومة المصرية وصندوق النقد الدولي، وقدمت الحكومة خطابا جديدا للنوايا متضمنا تعهدات الحكومة المصرية التي تلتزم بتنفيذها حتى يونيو سنة 1996، وقبل أن يتم توقيع الاتفاق سارعت الحكومة بتنفيذ بعض هذه التعهدات، وبصفة خاصة تخفيض الجمارك إلى 80% كحد أقصى، ثم إلى 70% بعد ذلك، وإلغاء الحظر الاستيرادي على نحو ثلاثين سلعة مما زاد الضغوط على الصناعات والمنتجات المصرية، كما تم رفع سعر الكهرباء ومشتقات البترول، وأدت سياسة التحرير الزراعية إلى انخفاض أسعار المحاصيل، في حين تم تطبيق قانون العلاقة بين المالك والمستأجر مما رفع سعر إيجار الأرض الزراعية للفدان من سبعة أمثال الضريبة إلى اثنين وعشرين مِثْلاً دفعة واحدة، هذا غير ارتباك سياسة تصدير الحاصلات الزراعية كالأرز، وارتبك سوق القطن، وبينت المراجعة بين الحكومة وصندوق النقد الدولي إلى تدني حجم الصادرات وتناقصها بنسبة 45%. ويكشف خطاب النوايا هذا عن التزام الحكومة المصرية بخفض الاستثمارات العامة بواقع 50% خلال العام المالي القادم لتقتصر على مجالات محددة، واستبعاد الإنفاق الحكومي على التعليم الجامعي والثانوي، وقصر الإنفاق على التعليم الفني فحسب. كما كشف خطاب النوايا هذا عن تطبيق المرحلة الثانية والثالثة لضريبة المبيعات بحيث يتم تحصيلها من تاجر التجزئة قبل منتصف سنة 1995، كما تبين أن الحكومة تعهدت ببيع شركات القطاع العام لسداد عجز الموازنة بدءًا من سنة 1994، كذلك بيع البنوك وشركات التأمين. ورغم النفي القاطع من السيد رئيس الجمهورية لسياسة البيع هذه. تم بيع ثلاث شركات منهم واحدة ذات طبيعة استراتيچية مركزية للصناعات الاستراتيچية والحربية المصرية هي شركة المراجل البخارية. وتم إعلان برنامج بيع 57 شركة في 14 فبراير سنة 1996، وأخذت الضغوط الحكومية تتزايد للانتهاء من صياغة مشروع قانون العمل الموحد على أساس الاحتواء المزدوج بالعصا والجزرة.


[د] الإصلاح ... الذي يشعل حركة الجماهير :

وتخلقت سياسة الإصلاح الاقتصادي، لتشكل عملية ارتداد ممنهجة عن نموذج التنمية المستقل، فقد جعلت من سياسة الانفتاح الحلقة الوسطى لتفكيك نموذج التنمية الوطنية المستقلة، بكل ما تقابله من معوقات وسلبيات، لتقيم نظاما ارتداديا ممنهجا تديره بطريقة، مباشرة المراكز الاستعمارية للرأسمالية الدولية العالمية، ذات النهج الإمبراطوري والقائم على النهب لثروات الشعوب، ولحمة اقتصادياتها كاقتصاديات تابعة، تحقنها بسموم أمراضها الاقتصادية، كبيئة صالحة لتجديد عافيتها، ولتنفيث همومها، هذا من جانب، ومن الجانب الآخر، تجعل من هذه الاقتصاديات التابعة مجرد أسواق شرهة تفتح أفواهها بفعل موجات الاستهلاك الضاغطة لتنزف كل دمائها، وتصب في فم مصاصي دماء الشعوب، في نطاق ما يُسمى بسياسة العولمة، التي تجسد أكبر عملية رجعية واستغلالية فاجرة في تاريخ الإنسان، حيث ترغم خطوط تطوره المجتمعية والإنمائية لتكون مجرد عروق في فم أخطر مصاصي دماء الشعوب. وحينما أقول بوصف «رجعية» العولمة الإمبريالية الراهنة، فإنني أوكد على طبيعتها المعادية للتقدم والنمو المستقل لحياة الشعوب، ولتطور عملية الإنتاج الاجتماعية المنتظرة، نحو صفتيها اللصيقتين: أي العالمية واتجاه المجتمعات لإقامة المجتمع العالمي الديمقراطي الإنساني الواحد – والصفة الثانية الانتقال من اقتصاديات الندرة لاقتصاديات الوفرة، بفعل الثورات العلمية والتقنية الأكثر رقيا الدائرة في عالم اليوم. إن العولمة الإمبريالية تعيق هاتين العمليتين: أي الاتجاه لبناء المجتمع الإنساني الواحد – وإقامة اقتصاديات الوفرة، وهي في نهجها الرجعي والعدواني السائد، تعتمد على آليات محددة، أهمها ركوب أشكال دولية اقتصادية قائمة كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وخلق آليات جديدة خاصة بها مثل منتدى ديفوس الشهير. وللأسف الشديد: فإن ما سُمي بسياسة «الإصلاح الاقتصادي المصري» خضعت لهذه الأدوات الإمبريالية، وبرامجها وآلياتها التخريبية. فقامت عملية الارتداد، أو الرِدّة للتنمية المصرية المستقلة إلى نمط اقتصاديات المستعمرات في صورتها الجديدة. ولا نترك – هذه العجالة – إلا بعد تذكيركم بأن الزعيم العظيم – الرأسمالي الوطني: «محاضر محمد» انتقل بماليزيا إلى مرحلة التنمية المتطورة، بعد رفضه لروشتة هذه الأشكال الاستعمارية للعولمة العدوانية الفاجرة.

إن أخطر ما في هذه العولمة أنها تتوشح، كذبا، باتجاه تطور المجتمعات، ذلك أن أخطر أنواع الكذب هي التي ترتكن على شيء من الحقيقة، إن الرداء التمويهي لهذه الحركة الرجعية الإمبراطورية المتوحشة، المسماة بالعولمة، يمكن تمزيقه وحرقه في حالة واحدة فقط، حينما يتسلح أي نظام مواجهة لها، بالنزعة الوطنية والقومية الصحيحة التي تسير على درب تطور المجتمعات البشرية إلى وحدتها. كان النظام الدولي الذي ساد منذ أوائل ستينيات القرن العشرين، إلى منتصف الثمانينيات من القرن نفسه، والذي شهد سياسات تصفية الاستعمار القديم، وفتح الباب للتعايش السلمي بين النظم السياسية، والاقتصادية الاجتماعية المختلفة، وشهد سياسة الانفراج الدولي، ووقف سباق التسلح النووي. هذا النظام الذي يُسمى – زورا وبهتانا- بالحرب الباردة ونظام القطبية الثنائية، عل غير الواقع، فجوهر هذا النظام كان نظام ممارسة الضغط على الاستعمار، بواسطة أطراف العملية الثورية الدولية «النظام الاشتراكي – الأحزاب الشيوعية والثورية في البلدان الاستعمارية – حركة التحرر الوطني الدولية وأنساقها التنظيمية مثل صيغ باندونج – سياسة الحياد الإيجابي وعدم الانحياز- المؤتمر الدولي للتنمية {انكتاد} (حركة الـ 77) ».

إن الثقافة المصرية السائدة لكل الاتجاهات، لم تتوقف لحظة وتفكر في هذه المصطلحات الكاذبة والتمويهية مثل الحرب الباردة، والنظام العالمي ثنائي القطبية، هذه المصطلحات التي يقدمها الفكر الاستعماري الغربي. فما يُسمى بالحرب الباردة، كانت حروبا ساخنة أشعلها الاستعمار لوقف الانتصارات الحاسمة لحركة التحرر الوطني، ولكن الشعوب انتفضت وقاومته في كوريا ولاوس وكمبوديا وڤيتنام، والحروب كثيرة، وكلها ساخنة، فقط كانت الحرب باردة بين أقطاب المعسكر الرأسمالي العالمي، الذي أشعل حربين عالميتين لإعـادة اقتسام العالم. ولم يكن هذا النظام الذي ولى ثنائيا في قطبيته، ولكن كان نظاما تعدديا لمجموعة أنظمة دولية أهمها: نظام حلف الأطلنطي – نظام حلف وارسو- أنظمة التحرر الوطني ودولها المتعددة. أما آن للمثقفين والسياسيين المصريين أن ينحازوا لرؤاهم الوطنية واتجاهاتها القومية العربية والإنسانية والدولية على الأسس القويمة. أما آن لهم أن يفهموا أن السياسة لم تبدأ مع الإغريق، بل إن السياسة التي تطورت على خط الإغريق السياسي، وتطورت بعد ألفي سنة جاءت بما كان معروفا للمصريين قبل الإغريق بأربعة آلاف عام، أي الفقه السياسي للدولة الوطنية، والتي تطورت في عهد الدولة الحديثة الفرعونية لنظام يقترب – إن لم يتطابق – مع فكرة الدولة – الأمة العربية المنشودة. ولكن هذه الإفاقة ظلت عصية على الثقافة والعلم السياسي المصري الراهن !!! فكيف لسياسات الإصلاح الاقتصادي، والإصلاح السياسي، فيما بعد، والتي تدار من قبل منظمات العولمة الإمبريالية، أن تفهم أو تقاوم ذلك ؟!! «من يريد فهم المزيد عن النظام الدولي الجديد يمكن له أن يرجع لكتابنا عنه»[3].

في مواجهة كل هذا جاءت بداية عام 1994، لتستأنف مسيرة التحركات الاحتجاجات العمالية ففي شهر يناير 1994، أصدر عمال مجمع الحديد والصلب بالتبين بيانا هددوا فيه بالإضراب إذا لم يتحسن نظام المكافآت بعيدا عن ادعاءات الإدارة بوضعية الخسائر والمكاسب في المجمع. وفي شركة النصر لمنتجات الكاوتشوك «ناروبين» وزعت اللجنة النقابية منشورا على العاملين يوم 19 يناير 1994 تطالبهم فيه بوحدة الصف العمالي خلف نقابتهم لتحقيق مطالبهم بصرف مكافآت الإنتاج بما يعادل أجر 111 يوما بدلا من 54 يوما كما سبق وأعلنت إدارة الشركة بخاصة أن أرباح ذلك العام زادت عن 2 مليون جنيه مصري.

وقام العمال في معظم مواقع العمل وبصورة تكاد تكون عامة بإفشال جهد الشركات القابضة في إصدار اللوائح التنفيذية (النوعية) للشركات لقانون قطاع الأعمال العام والذي صدر في يونيو 1991، وصدرت لائحته التنفيذية العامة بعد عدة أشهر، وتمت تلك الإعاقة العامة حتى نهاية سنة 1994 وما بعدها.

وفي صباح 29 يوليو سنة 1994 بدأ إضراب أكثر من 25 ألف عامل من عمال المناجم من حلايب وشلاتين وأبو رماد والسباعية في أقصى جنوب البلاد إلى المغارة في سيناء، والحمراوية على ساحل البحر الأحمر، إلى الضفة غرب الساحل الشمالي للبلاد. وقد اتخذ قرار الإضراب قبل شهرين في 29 مايو سنة 1994 في اجتماع للجمعية العمومية للنقابة العامة لعمال المناجم. وخلال هذه الفترة البينية دارت مفاوضات بين مجلس النقابة العامة والحكومة حول مطالب العمال باستمرار دعم صناعة المناجم حماية لها من التصفية، ولهم من التشرد، وقد استمر الإضراب لمدة يومين، وحظي بتأييد ومساندة خمس نقابات عمالية عامة، وقد نظر لهذا الإضراب على أنه إضراب تحذيري، وأتى ببعض النجاحات للمطالب العمالية.

ويحق لنا أن نتساءل هنا. كيف لهذا الإضراب الموحد أن يتم في مرحلة بدايات المد الجماهيري، التي من خصائصها، انفراط العقد زمانيا ومكانيا ولوحدة الموضوع ؟

والسبب كما هو واضح أنه إضراب مخطط وله قيادة، ومن ثم فله قانونه الخاص، ذلك أنه في بدايات المد يكون الانفراط والتجزئة، إذا كانت التلقائية، وانعدام القيادة الناظمة لوحدة الحركة، وإدارة الصراع، والغائب هنا هي القيادة الوطنية والسياسة الثورية، وعليه فتلك الوحدة الحركية لم تخترق بعد جدران بدايات المد الحركي والثوري للجماهير.
نشرت صحيفة الأهرام يوم 15 يونيو سنة 1994 أنه تم القبض على أعداد من العمال من شركات الغزل والنسيج، والكوكاكولا وشركات أخرى، ومعهم حقيبة مملوءة بالمنشورات للتوزيع على العمال ضد نظام الحكم، واعترف المتهمون بحيازتهم للمنشورات.

وتتصاعد حركات الإضرابات العمالية في درجة اتساعها وفي ميلها للفعل المؤثر والحاد، وفي انتقالها لموقف الدفاع ضد الانتهاكات الإدارية لحقوق العمال، حيث تأتي أحداث كفر الدوار الجسيمة، ففي يوم الثلاثاء 27 سبتمبر سنة 1994 بدأ اعتصام عمال شركة غزل كفر الدوار، وانتهت بأحداث الأحد الدامي يوم 2 أكتوبر سنة 1994، حيث هاجمت قوات الشرطة مساكن العمال، لوقف عملية الدعم والإمدادات بالاحتياجات الغذائية والكسائية للمعتصمين داخل عنابر الشركة، وأطلقت الرصاص الحي على المواطنين في المساكن العمالية فقتلت أربعة أفراد من غير المعتصمين منهم صبي عمره 14 سنة.

وفي يوم 20 أكتوبر سنة 1994 بدأت مسيرة عمال شركة مصر المحلة، حيث سار الآلاف من العمال في مسيرة سلمية إلى مقر اللجنة النقابية، ونظموا مؤتمرا لهم في قاعة المناسبات وبلور العمـال مطالبهم في الآتي:

(1) رفع قضية باسم العمال لإلغاء قانون قطاع الأعمال العام رقم 203 لسنة 1991.

(2) إلغاء الضوابط علـى الحافز وزيادته بنسبة100%.

(3) صرف بدلات السكن للعمال غير المقيمين في مساكن الشركة.

(4) زيادة بدل وجبة الغذاء.

(5) إلغاء الضوابط العلاجية وزيادة عد الأطباء في العيادات الخارجية، وتدعيـم نظام علاج أسر العاملين.

فلما لم تستجيب إدارة الشركة لهـذه المطالب. وما طالت اللجنة النقابية وقالت بأنها حصلت على بعض المكاسب مثل زيادة المدة الزمنية لأقساط شراء الآلات الكهربائية من سنتين لأربع سنوات، ورفع نسب ومبالغ النظارات الطبية للعمال من 150 جنيه إلى 500 جنيه للعامل وأسرته، قامت قيادات عمالية ثورية بالدعوة لإضراب في أول نوفمبر، فقامت قوات الأمن بحصار مبنى الشركة والقبض على 11 من زعماء العمال اليساريين قبل ميعاد أول نوفمبر وفي الليلة السابقة عليه، واستمر توقيفهم حتى فبراير سنة 1995.

وفي ذات الشهر أكتوبر 1994، امتنع أربعة آلاف عامل من شركة النصر للأسمدة الكيماوية بالسويس عن صرف حوافز الإنتاج احتجاجا على تخفيضها من نسبة 85% إلى نسبة 55%. وهدد العمال بالإضراب وجرت اتصالات عاجلة بين محافظ السويس ووزير قطاع الأعمال العام تم على إثرها رفع الحافز لمستواه الأول، كما تم صرف 15 يوما إضافية. ويحدث نفس الأمر في مجمع الحديد والصلب بالتبين وتلعب قيادة اللجنة النقابية دورا مؤثرا في تأمين مكاسب العمال.

وكانت الشركة العامة للبطاريات قد مارست إضرابا في إبريل سنة 1994 أيضا للمطالبة برفع الحوافز التي انخفضت نتيجة وقف أعمال الشركة لأسباب لا يسأل عنها العمال.

وامتدت نفس التحركات إلى عمال الترسانة البحرية بالإسكندرية، حيث تمت ممارسة الإضراب لصرف وجبة كاملة للعمال فلبت الإدارة مطلب العمال تحت ضغوط أجهزة الأمن بسرعة.

وفي يوم 11 أغسطس يتم إضراب عن الطعام لأعضاء اللجنة النقابية بجمعية الإنشاء والتعمير بمحافظة البحيرة وعددهم 14 قيادي عمالي، كما تكررت الاضرابات الفردية والجماعية عن الطعام. وهكذا انتهى خريف سنة 1994، وكأنه خريف الغضب العمالي، ومع بداية سنة 1995 سنة الانتخابات البرلمانية كثرت الرشاوى الانتخابية، وانكسر منحنى المواجهات نسبيا حتى حين، فقد شهدت منطقة حلوان الصناعية بعض التحركات العمالية الاحتجاجية قبيل الانتخابات، بل وأثناء المعركة الانتخابية.

ففي النصر للسيارات أضرب حوالي عشرة آلاف عامل في أغسطس سنة 1995 بسبب عدم احتساب العلاوة الاجتماعية. وتعددت اضرابات القطاع الخاص التي رصد منها حوالي سبعة اضرابات، وجرى نفس السلوك في الهيئات العامة مثل هيئة الطيران المدني.

ومع بداية سنة 1996 جاءت وزارة جديدة، وفي 14 فبراير1996، أصدرت برنامجا واسعا وجذريا للخصخصة، وبيع قطاع الأعمال العامة، حيث ضم هذا البرنامج 57 شركة عامة، ولم يعد يشترط أن تكون من الشركات الخاسرة، بل يمكن القول على ضوء المتابعة على أن البيع تم للشركات الأكثر كسبا منذ البداية، ووصلت سياسة الإصلاح الاقتصادية إلى مرفأها بالخصخصة المطلوبة منها ولذاتها، والتي لم تضيف لأصول ثروة المجتمع شيئا يذكر، بل تحولت فعليا إلى عملية تصفية وإهدار لأصول ثروة المجتمع بما فيه من أفراد، أي أن الإهدار تم للموارد الاقتصادية والمادية، كما تم للموارد البشرية وبخاصة المدربة.

ومما لا شك فيه أن تنفيذ الخصخصة ارتبط بعملية تفكيك للطبقة العاملة المصرية، فقد تم تنفيذ محاولة ناجحة لحد ما، لضرب التنظيم الاجتماعي للعمال كطبقة. فإذا كانت هناك عدة شركات تضم أكثر من 25 ألف أو 30 ألف عامل سنة 1985، فإن هذه الحالة تقلصت في العدد، وتحولت الشركات الكبيرة إلى شركات متوسطة. لقد ذكرت فيما سبق أن سياسة الإصلاح الاقتصادي كانت سياسة ممنهجة ومخططة، وقصدية وعمدية في ضرب سبل التنمية الوطنية المصرية المستقلة. والكل يذكر كيف كان عدوان الكيان الصهيوني في يونيو سنة 1967 ليمنع الاقتصاد المصري أن يجتاز النقطة الحرجة على منحنى التنمية والتقدم الاقتصادي الاجتماعي. فالاقتصاديون يعرفون ما تسمى بالنقطة الحرجة التي إن تجاوزها أي اقتصاد انتقل إلى مصاف الاقتصاديات المتقدمة. وبعد ما سُمي بانفراد أمريكا بالعالم واحتلال منطقة الخليج العربي – الإيراني، كان لابد من تفكيك البنية الاقتصادية والاجتماعية لاستقلال مصر.

في شهر سبتمبر سنة1990، قابلت المرحوم الدكتور فؤاد مرسي في مبنى حزب التجمع، فطلب مني أن أصطحبه في تمشية لأنه يريد أن يفشي لي بأمر يشغله ويقلقه ويحس أنه يكتم أنفاسه، وقال لي إن إحساسه يدفعه لأن يقول لي هذا الهم بالذات، واستغرقت تمشيتنا ما يقرب من ساعتين في ميدان طلعت حرب والشوارع المحيطة به، وكلما دعوته لأن يرتاح في أي مقهى، يزجرني ويصف لي معاناته مع ما يرويه لي، ويطلب مني أن أصمت واستمع وأستوعب ما يقول: وكانت روايته مروعة، حيث حكى لي عن خطة تآمرية محكمة البنيان بين أطراف أمريكية، وأطراف إسرائيلية، وأطراف مصرية حكومية لضرب الزراعة المصرية، باعتبارها تشكل المركب والمكون التقليدي الذي ترتكن عليه الشخصية المصرية التقليدية. وبين انفعال الراوي، وخوف السامع له وعليه، وجدة المعلومات وغزارتها، وعدم التسجيل لهذه الرواية شديدة الخطورة، ثبت في وجداني هدفها وبعض تفاصيلها التي تمت بالحرف فيما بعد من خلال وزارة الزراعة. وللأسف الشديد سافرت بعدها بعدة أيام إلى الأردن لحضور مؤتمر شعبي لمناقشة عملية احتلال العراق للكويت، وكان أمرا شديد الإرهاق، وفي ذات المؤتمر سمعت بخبر وفاة المرحوم فؤاد مرسي، وأنا في عمان. لقد قضى الرجل نحبه في حادث طريق، ولم يكن هذا الحادث هو الأول، بل تكرر ثلاث مرات بنفس الكيفية منذ توقيع معاهدة السادات– پيجين، حتى أن ضابط أمن الدولة الذي تساءل في جلسة عن هذا الموت إن كان سياسيا أو غير سياسي، قضى نحبه هو الآخر بنفس الطريقة بعد مقتل د. فؤاد مرسي بأسابيع. وجوهر هذه الراوية أن عملية تفكيك مكونات ومركبات القوة التي تستند عليها الشخصية المصرية المستقلة، كانت عملية ممنهجة وقصدية، ولم تكن عفو خاطر. ورغم أن الشركات الكبرى في الدول الإمبريالية تسرح موظفيها دائما، إلا أن تسريح العمالة الماهرة والمدربة من الشركات والمراكز الصناعية المصرية الرئيسية، كان بمثابة عملية تفكيك عمدية، لقد تمت بسياسة الاحتواء المزدوج، أي بالإغراء والإغواء من جهة، وبالطرد وفسخ العقود من جهة أخرى. في الحالة الأولى طرحت بما سُمي بمسار المعاش المبكر، والمكافآت، وفي الحالة الثانية بالطرد والنقل والفصل.

وحتى نقف على خطورة هذه السياسة، نسجل بعض المؤشرات الهامة:-

تشير البيانات الرسمية الخاصة بالشركة القابضة للسياحة أن العمالة بها انخفضت سنة 87/1988 من 6099 عاملا، إلى 4281 عاملا في سنة 91، 1992. بنسبة انخفاض تقدر بـ 30% تقريبا.

وفي ذات الفترة تشير بيانات الشركة القابضة للقطن إلى انخفاض العمالة التابعة لها من 14656 عاملا سنة 87، 1988 إلى 12723 عاملا سنة 91،1992 بنسبة انخفاض تصل إلى 13.2%.

وفي ذات الفترة تشير بيانات الشركة القابضة للسلع الغذائية انخفاض عمالتها من 31730 عاملا في سنة 87، 1988 إلى 30998 سنة91، 1992 بنسبة انخفاض 2.3%.

في دراسة للدكتورة نجوى خشبة (أستاذة اقتصاد) نشرت في مارس 1991 بأنه تم الاستغناء عن ثلثي العاملين في 112 شركة وفندقا سياحيا، 65 مكتبا للسفريات.

وفي سنة 1991 فصلت شركة إيديال (قطاع عام) عدد 302 عاملا.

ويقول صحفي عمالي في دراسة له منشورة في مجلة سرية تُسمى أوراق عمالية، يستحق عام 1992 أن يطلق عليه بجدارة لقب عام فصل العمال بالجملة، فقد شهدت الشهور الأخيرة منه التخلص مما سُمي بالعمالة بعقود مؤقتة، وإن كان بعضها يرجع لسنوات الستينيات، وهذه النوعية تشكل نسبة 75% من عمال البناء والتشييد في شركات البناء.
 
وقد طلب صندوق النقد الدولي من الحكومة تخفيض العمالة، وقد صرح بذلك د. عاطف عبيد وزير التنمية الإدارية في مؤتمر كلية التجارة بجامعة المنصورة في سنة 1992، حيث ذكر وجود عدد مليون وثلاثمائة ألف عامل، مطلوب التخلص من نسبة 10% منهم، أي مطلوب طرد 130 ألف عامل، ولكن بعض الدارسين يقولون أن عمليات التخفيض المطلوبة تصل إلى نسبة 25% أي حوالي 300 ألف عامل، وذلك على أرض الواقع، إن لم تزيد عن ذلك.

فإذا تتبعنا عمليات الفصل التعسفي نجد أنه في سنة 1992: فصلت شركة القاهرة للمباني الجاهزة 213 عاملا وذلك برفض تجديد عقودهم- وفصلت الشركة العربية للمقاولات 180 عامل من حملة العقود المؤقتة – وفصلت شركة مضارب الغربية 500 عاملا من عمال المكافأة الشاملة – أحالت إدارة فندق ماريوت 40 عاملا للجنة الثلاثية مطالبة بفصلهم – وفي شركة مفيس للكيماويات قدم نحو 600 عامل عرائض لرئيس الجمهورية، ورئيس الوزراء مطالبين بتحرير عقود دائمة لتهديدهم بالفصل.

وكشف رؤساء الغرف التجارية المصرية، أن حالات الإفلاس سنة 1992 وصلت إلى 300 ألف حالة، بما يعنيه ذلك من تشريد للعمالة، وذلك لأسباب اقتصادية وضرائبية. وفي معالجة رقمية لبيانات التأمينات الاجتماعية والمعاشات (من دراسة لم تنشر لأسباب وظيفية):-

أن السنوات من سنة 1990 حتى سنة 1995 سجلت تناقصا في أعداد العمال في شركات قطاع الأعمال العامة بمقدار 120 ألف عامل. وحتى يكون الأمر واضحا، كان لعملية تفكيك الطبقة العاملة، أثرا ملحوظا، في تباطؤ نمو التحركات الجماهيرية المناوئة لسياسة الإصلاح الاقتصادي. ذلك أن ما جرى يعد من قبيل الصدمة والترويع، وذلك لتكاتف ثلاثة عوامل، أنتجت هذا النمو المتباطئ أو المتقلص هي:-

(1) غياب القيادة السياسية الوطنية والطبقية. وقد كان هذا الغياب نتاج: تسكين هذه القيادات على معسكر الموالاة، وبدء سياسة شراء الذمم، وتقسيم الغنائم – اشتغال الصراع بين أطراف الحركة الوطنية (بين الإسلاميين والعلمانيين «تجاوزا للمصطلحين») تفشي الضباب في الرؤية السياسية الوطنية الثورية سواء بفعل اختراق الأموال الغربية على ما يُسمى جمعيات العمل الأهلي، أو سواء باجتزاء الأهداف العامة، وإسقاط أغلبها، وحصر العمل في شعارات ليبرالية مجتزأة للإصلاح السياسي، أو سواء بالإفراط في الرضا عن النفس وعدم ممارسة النقد الذاتي سواء على مستوى التيارات، أو الأحزاب أو الأفراد والشخصيات العامة.

(2) لقد أثرت سياسة المعاش المبكر في إشاعة أحلام البرجوازية الصغيرة الاستثمارية والاستهلاكية، لكثير من القيادات العمالية – كما ضربت الوحدة الطبقية في الصميم، وأشاعت النزعات الفردية والشخصية، في ظل ثقافة عامة شجعت هذه النزعات وغذتها – كما أن التجمعات الطبقية والعمالية في المدن الصناعية الجديدة، لم تكن قد أخذت بعد حقوقها النقابية والتنظيمية الاجتماعية.

(3) غياب النموذج الثوري عالميا، وعربيا، وتنكب الحركة الثورية طريقها في كل مناطق العالم تقريبا. وغياب القدوة الخارجية والداخلية.


أحمد شرف

هوامش:

[1] ـ د. چينادي جارياتشكين: بورسعيد مهد الحركة العمالية المصرية – منشأة المعارف – الإسكندرية سنة 2005.
[2] ـ أحمد شرف: التطبيق ومقاومته – ملتقى الحوار العربي الثوري الديمقراطي – طرابلس – ليبيا سنة1996.
[3] ـ أحمد شرف: مسيرة النظام الدولي الجديد قبل وبعد حرب الخليج – دار الثقافة الجديدة-

 
 
Alexa
لوحـة التعليقات الحرة
على هذه اللوحة يمكنك كتابة تعليقاتك بحرية كاملة دو تدخل، فقط لا يجب أن تزيد على 512 حرفا. يمكنك تزيين تعليقك بأكواد إتش تي إم إل إذا كنت تعرف هذه الأكواد. بمكنك مثلا وضع خط تحت بعض العبارات أو إبرازها أما الإنتقال إلى سطر جديد فهذا يتم بالضغط على مفتاح سطر جديد ولا داعي لكتابة الكود الخاص بذلك. الحروف التي تكون الأكواد محسوبة ضمن الحد الأقصى للحروف - 512. الإسم والبريد الإلكنروني إختياريان وإذا أردت إخطارك بالتعليقات التي تضاف إلى هذه اللوحة عليك تعليم حقل [أخبرني بالتعليقات المضافة على هذه اللوحة] وفي هذه الحالة يجب كتابة بريك الإلكتروني.
الإسم:
البريد الإلكتروني:
أخبرني بالتعليقات المضافة على هذه اللوحة:

  أضـف التعليق

مواضيع ذات علاقة

موضــوعات آخرى للكــاتب
  • مدخل نظري وفكري في قضايا الفكر السياسي والثوري
  • مصر صانعة التاريخ الثوري الأقدم للبشرية
  • الإصلاح القائم وخريطة القوى السياسية الحالية
  • استلاب النخبة .. وانطلاقة الجماهير - الفصل الخامس

  • نشـرها: [عزت هلال] بتــاريخ: [2009/06/21]

    إجمالي القــراءات: [137] حـتى تــاريخ [2017/05/24]
    التقييم: [0%] المشاركين: [0]

    شـارك في تقييـم: ودارت عجلة الثورة - الفصل الرابع
    rate downضعيف 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 ممتـازrate up
    صوت

    النتيجة : 0%
                                                               
    المشاركين: 0
    الآراء والأفكار والإبداعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها وهو المسئول الوحيد عنها وليس بالضرورة أن تتوافق مع موقف إدارة الموقع. من حق أعضاء الموقع التعليق عليها ونقدها ولكي ترفع من الموقع يجب أن يقل تقييم عدد من القراء لا يقل عن 250 قارئ عن 25%.

    ©2009 - 2017 [اللجنـة الشعـبية للإصـلاح] - إنطلقت في2009/02/25 - cms - الإصدار: 2.0.0 - [برمجيـات هلال]