اللجنـة الشعـبية للإصـلاح
من أجل تحرير الإرادة الوطنية
";
تاريخ اليوم: 2017/11/22 يوم السنة: [325] أسبوع السنة: [47] شهر: [11] ربع السنة: [3]
تسجيل دخول عضو [ كود العضو: - كلمة السر: ]
  دخول
  نسيت كلمة السر؟
  تسجيل عضو جديد
  الحرية والعدالة يستنكر دعوة مرشحي الرئاسة إلى مناظرة بأمريكا   رئيس جامعة حلوان يمنع صرف حوافز الجودة لأعضاء هيئة التدريس   سنقف ضد من يريد حرق مصر   جمعة السيادة للشعب ورفض البيان   لماذا ترغب تل أبيب وواشنطن في تأخير الانتخابات الرئاسية في مصر؟   الشعب المصرى سيستمر فى النضال لنيل كامل حقوقه   يرفض الثوار إتفاق بعض الأحزاب مع المجلس العسكري   بطلان بيع شبين الكوم للغزل والمراجل البخارية وطنطا للكتان   ائتلاف الثقافة المستقلة يطلق أول مبادرة ثقافية قومية يقوم بها المجتمع   مات رجل أحبه - مات عيداروس القصير   
 أجندة المناسبات 
 <<    نوفمبر 2017   >>  
الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
1 2 3 4
5 6 7 8 9 10 11
12 13 14 15 16 17 18
19 20 21 22 23 24 25
26 27 28 29 30

  الصفحة الرئيسة
  من تحن؟
  إتصل بنا
  أخبر صديق
  إبحث في الموقع
  الكــتّاب
  الأرشـيف
  أسئلة وأجوبة

  ملفــات وقضـابا
  الصوتيات والمرئيات
  أدب وفن
  بيانـات ووثــائق
  الأخبـــار
  المنـــــاسبات
  المجمـــــوعات
  دليل المجتمع المدني


الإشتراك في النشرة اليومية
الإشـتراك في النشـرة الأسبوعية

بحـث في اللجنـة الشعـبية للإصـلاح
إبحــث

المقــالات

  عرض قائمة شاملة[1026]
مدخل نظري وفكري في قضايا الفكر السياسي والثوري
أحمد شرف
  راسل الكاتب

الهم السياسي هو هم الكافة، ولكن ينيب المجتمع عنه من يقوم بالمهمة السياسية، من السلطات المختلفة، والأحزاب المختلفة، وقوى الضغط المختلفة، لإنجاز هذه المهام السياسية، وتحقيق المصالح العامة لكل المجتمع أو غالبيته من خلال التوازن الصحي لقوى المجتمع المختلفة،
  التعليق ولوحة الحوار (0)
  طباعة
  أرسل بالبريد الإلكنرونى

عنوان هذه الصفحة على الإنترنت هو ما يلي. يمكنك نسخة ولصقه على رسائلك الإلكترونية أو صفحات الويب
http://pcr.misrians.com/articles?79
مصر على أعتاب الثورة
الفصل الثالث



مدخل نظري وفكري
في قضايا الفكر السياسي والثوري

[أ] ما هي السياسة

كما سبق وأشرنا أن السياسة مهنة الخدمة العامة لتحقيق المصالح العامة، وكما يقال فإن العلوم السياسية هي علوم السلطة وقراراتها وبحث من يتولاها وكيف يزاولها، وكيف يعزل منها، وكيف تحقق هذه السلطة المصالح العامة والأهداف العامة للمجتمع العام أي الشعب أو الأمة، والطبقة في تكوينها المحلي في ظل سيادة رابطة الأمة كرابطة أعلى لتطور المجتمعات الداخلية أو للطبقة في روابطها فوق القومية أو فوق الأمة، أي في علاقاتها الأممية، كفكرة الأممية البروليتارية، وما يرتبط بها من أفكار أهمها فكرة العملية الثورية العالمية، أو الكوزموبوليتانية، وما يرتبط بها من الأفكار الإمبريالية، والإمبراطورية وأسطع مثال على ذلك القول – أمريكيا – أن هدف وأبعاد الأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية يقوم على تأمين مناطق إنتاج النفط ومصادر الطاقة ووضعها تحت هيمنتها، حتى سيطرتها المباشرة بالاحتلال العسكري كما حدث في العراق سنة 2003، وفي أي منطقة ودولة في العالم، أي أنها تجعل من العالم كله ساحة لمجال نفوذها، وهذا ما نراه عسكرياً.

وبمقدار إدارة السلطة للإمكانيات والموارد بطريقة الكفاءة العالية لتحقيق المكاسب المتاحة، يقال أن السياسة هي " فن الممكن ". ويمكن التفرقة بين رجل السياسة أي الذي يمارسها أي القائد السياسي ، وبين دارس أو باحث أو عالم السياسة، الأول له قدرة على تحديد الأولويات والمهام التي تحقق الأهداف والمصالح العامة، والثاني يبني ويعدد الطرق والخيارات ويحسبها، وأقصى ما يفعله أن يرجح إحداها على الأخرى، ولكن ترجيحه ليس اختيارا أو تحديدا لخيار عن آخر، فتلك مهمة وموهبة رجل السياسة، والقائد السياسي.

وحتى نأخذ بالعلم نرجع إلى: " موسوعة العلوم السياسية " الصادرة عن جامعة الكويت تقول ص 39 في تعريفها لعلم السياسة: « " يعرف كل امرئ عن السياسة لكن لا يفهمها أحد " قول ليس دقيقا تماما، إلا أنه أقرب إلى الصواب منه إلى الخطأ. لقد فهم الإغريق السياسة (بوليتكس) بمعنى واسع، فقد اشتق اللفظ من مصطلح دولة المدنية " بوليس " وبدأ أرسطو كتابة " السياسة " بقوله " الإنسان بالطبيعة حيوان سياسي "، وكأنما أراد القول أن جوهر الوجود الاجتماعي هو السياسة، ومتى تفاعل شخصان فالعلاقة بينهما سياسية لا محالة، وانتهى أرسطو إلى أن الطريق الوحيد أمام المرء لتعظيم قدراته الفردية وللوصول إلى أرقى شكل للحياة الإنسانية هو التفاعل السياسي في وضع مؤسسي – الدولة – حيث الكل ساسة، إلا أن البعض ساسة أكثر من البعض الآخر. وفي القرن السادس عشر صك "چان بودان " مصطلح " العلم السياسي " ولكنه كمحام ركز على خصائص الدولة، وبالتالي على تنظيم المؤسسات المرتبطة بالقانون، وأكد هذا مونتسكيو بتحديده وظائف الحكومة في ثلاثة: التشريع والتنفيذ والتقاضي، وتأكيده على فصل السلطات. إلا أن قصة " العملية السياسية "لم تنتهي عند هذا الحد، ففي النصف الثاني من القرن العشرين تقبل عدد كبير من علماء السياسة " اللفظ "، معترفين بأن الهيئات التشريعية والتنفيذية والقضائية لا توجد أنفسها، وأنها لا تعمل مستقلة عن بعضها البعض، أو عن المنظمات السياسية الأخرى في المجتمع كالأحزاب وجماعات المصالح، وأنها مع المؤسسات السياسية الرسمية تكون "النظام السياسي"، وهذا اصطلاح يوحي بتعقد السياسة، فهي عملية تتضمن اتجاهات المواطنين، ومصالحهم، والضغط، وصنع القانون وتنفيذه وتأويله، وبالتحديد يردنا العلم السياسي المعاصر إلى الفهم الإغريقي للسياسة، فكل شيء يؤثر في أو يتأثر بمؤسسات الدولة بطريق مباشر أو غير مباشر موضوع ملائم للبحث السياسي».

ونستخلص مما سبق أن الهم السياسي هو هم الكافة، ولكن ينيب المجتمع عنه من يقوم بالمهمة السياسية، من السلطات المختلفة، والأحزاب المختلفة، وقوى الضغط المختلفة، لإنجاز هذه المهام السياسية، وتحقيق المصالح العامة لكل المجتمع أو غالبيته من خلال التوازن الصحي لقوى المجتمع المختلفة، فإذا اختل هذا التوازن لصالح القلة، ضد الكثرة، ولتحقيق مصالح الأقلية في تضاد لمصالح الأغلبية، والمصيبة الكبرى أن تكون المصالح المحققة هي مصالح أفراد، أو شريحة تمثل مجموعة منتفعين، عندها تكون الكارثة، وتحدث الأزمة السياسية العامة. ولكن يكون مطلوبا أن نحدد ما الذي يوضح أبعاد الأزمة السياسية ؟ والإجابة تكون في أمرين :

الأول : الوعي بالأزمة،

الثاني : تحرك الجماهير من أجل استرداد حقوقهم، أي التحرك الجماهيري.


وعند ذلك سنتابع الأمرين على النحو التالي:-


[ب] الوعي ومراحل تطوره ودرجاته :

الإنسان كائن عاقل، كما أنه كائن تاريخي، أي كائن يعقل ويفكر فيما يرى، ثم أنه يأخذ من عبر التاريخ ما يحركه لنفعه في المستقبل. ولنضرب مثلا: الحيوان الفريسة غالبا ما يصطادها الإنسان أو حيوان أقوى، وتأتي الفرائس لتسلك وتكرر نفس سلوكها السابق. بينما الإنسان السوي يعي الأشياء ويتحرك بدافع الوعي، وليس بدافع الغرائز كالحيوان، ويأخذ العبرة من تجاربه فيعدل عن الأخطاء، ويصحح مسيرته، لذلك كان الحديث النبوي الشريف «لا يلدغ مؤمن من حجرٍ مرتين».

ويكتسب الإنسان الوعي بالطريقتين السابقتين: أي بكونه عاقلا أي بتجربته الذاتية الخاصة، أي بالاحتكاك المباشر، وهذا هو الوعي المباشر، والوعي الخاص، كما يكتسب الإنسان الوعي بالتعليـم من خبرات الآخرين وتجارب التاريخ، عن طريق التعليم والعلوم، ويكون هذا الوعي هو الوعي العام، وهو الوعي العلمي، وهو الوعي التاريخي.

وإذا تذكرنا أن الإنسان كائن اجتماعي أي يعيش في جماعة، وأن هذه الجماعة تتطور روابطها من رابطة الدم: حيث العائلة والعشيرة والقبيلة واتحاد القبائل. ثم تتطور رابطة الدم إلى ومع رابطة الإقليم حيث تساعد وحدة المكان ووحدة اللغة ووحدة الحياة والتاريخ المشترك على بروز الوطن والقومية، فإذا أضيفت لكل هذه المقومات: الاقتصاد الموحِّد أو العملية الإنتاجية الراقية للإنتاج الكبير والتبادل الواسع لتبادل البضائع وإتساع الأسواق، ويمكن له أن يوحد أكثر من قومية وتكون رابطة الأمة، والأمة يمكن أن تكون رابطة اتحادية لأكثر من شعب، وتجميع لأجزاء قومية كبيرة منقسمة أو مجزأة، أو لاتحاد عدة قوميات على هذه العناصر والمقومات المشتركة. وبعد ذلك يمكن أن تتطور الرابطة المجتمعية لما فوق رابطة الأمة، سواء للطبقات ذاتها في العملية الاقتصادية الاجتماعية لإنتاج عابر للقوميات والأمم، ويتجه لتوحيد المجتمعات في مجتمع عالمي واحد، وهذا ما يجري موضوعيا الآن وبخطى محددة، وإن كان الاستعمار الغربي يعوق هذه العملية أو يحرف مساراها.

وعبر التطور الجذري لروابط المجتمع، تتحدد وحدة أو تناقض مصالح الجماعة، أو المجتمع. ففي المراحل الأولى حيث سادت رابطة الدم، توحدت الجماعة في مواجهة الأخطار، ولكن الحضارة لم تكن قد جاءت بعد، ومن ثم لم تولد الدولة بعد. ذلك أن الدولة تواكبت مع نمو الرابطة المجتمعية لرابطة الإقليم حيث انقسمت الجماعة الداخلية، فوجد العبيد وملاك العبيد وكانت العلاقات العبودية مواكبة لدولة المدينة تاريخيا. ثم تحللت العبودية درجات، وانتقلت من صورة ملكية الرقبة، لصورة القن أي الفلاح القراري واختلفت مصالح هؤلاء عن مصالح السادة والنبلاء من الإقطاعيين، وتطابقت سيادة العلاقات القنانية أو الإقطاعية مع تحلل دولة المدينة، إلى دولة الإقليم المتحد من عدة مدن أو دول مدينية، وظهر اختلاف المصالح أكثر، وإن كانت ملامح وعناصر الشعب الواحد قد اكتملت، فظهر حق المواطنة لمعظم السكان، حيث ظهر إن جانب القن «عبد الأرض» الفلاح المتنقل، والفلاح الحر، وقد دخلا الفلاح المتنقل والفلاح الحر دائرة المواطنة، وإن اختلفت مصالح السادة والنبلاء والإقطاعيين وتميزت على مصالح باقي طبقات الشعب.

وتطورت الرابطة المجتمعية لرابطة الشعب الواحد على الإقليم الواحد، فظهرت الدولة – الوطنية أو الدولة – القومية. وصار حق المواطنة حقا عاما، وظهرت الطبقة الرأسمالية والطبقة العاملة والفئات الوسطى، واختلفت المصالح لكل طبقة. ومع تطور الرابطة الاجتماعية لرابطة الدولة – الأمة، تساوت حقوق الشعوب، والفئات القومية والدينية والاجتماعية في إطار حق المواطنة الأرقى. ولكن ظلت خلافات المصالح الطبقية.

وعموما شهدت الدولة الوطنية، والدولة القومية، والدولة الأمة، مصالح عامة وموحدة في مواجهة العالم الخارجي، ومصالح مختلفة للطبقات والأحلاف الطبقية المختلفة، لذلك كانت السياسة على أساس توازن المصالح بين الطبقات ووحدة المصالح إزاء الخارج، فإذا اختلت هذه العملية ظهرت تباينات واختلافات ودرجات الوعي.

أي أن الوعي يكتسب بطريقتين: (1) المباشر (2) أو بالعلم وبالتعلم، ويكون وعيا خاصا ووعيا عاما، ويكون وعيا عاما مصلحيا أو طبقيا، أو وعيا عاما وطنيا، وعليه تكون درجات الوعي على النحو التالي:-

(1) المرحلة الأدنى من الوعي: وهو الوعي الغرائزي ثم الوعي الذاتي والخاص، أي الوعي بالمصالح الخاصة والفردية، ثم الوعي بمصالح العائلة، وأخوة الدم وروابط ذوي القربى.

(2) المرحلة المتوسطة من الوعي: وهو الوعي بالمصالح الجماعية للفرد أو العائلة أو ذوي القربى بالمصالح المشتركة للجماعة المشتركة: كأبناء المنطقة السكنية الواحدة – أبناء المصنع الواحد أو الشركة الواحدة – أبناء الحرفة الواحدة أو المهنة الواحدة ... الخ. والوعي من الدرجة المتوسطة هو وعي جماعي، ولكنه وعي طائفي أو فئوي، أو طبقي. وجوهره الوعي الاقتصادي، أو الوعي بالمصالح المباشرة أو اللصيقة.

(3) المرحلة فوق المتوسطة من الوعي: وهو الوعي العام والمركب من مجمل المصالح الاقتصادية والثقافية والاجتماعية للطوائف والفئات والطبقات والنقابات والاتحادات المهنية والمدن والمحافظات والأقاليم... المختلفة في المجتمع الواحد والدولة الواحدة.

(4) مرحلة الوعي السياسي الأرقى: وهي مرحلة الوعي الوطني العام، وعي بالمصالح الوطنية السياسية العامة. وعي ما فوق الفئة الاجتماعية والطائفة والطبقة، الوعي العام والمجرد بالمصالح الوطنية العامة. ومن ثم وعي كامل ومطلق ومجرد.


وعليه فالوعي السياسي أرقى أنواع الوعي، ولكنه وعي متطور فكل المراحل المتتابعة تتصل ببعضها، وتتطور المرحلة الأولى إلى الثانية إلى الثالثة إلى الرابعة. تلقائيا وبطرق اكتساب الوعي: الشخصية أو التعليمية. ولكننا نرصد ونسجل الآتي: أن عملية التطور التلقائية تلك تصادر وتصاب بانسدادات وفواصل تمنعها من التواصل والترقي، فيقف الوعي عند المرحلة الأولى ولا يواصل تطوره، أو يتعدى المرحلة الأولى للثانية ويقف عند هذا الحد، أو يتعدى الثانية للثالثة ويقف نهائيا ولا يتواصل نحو الرقي الأعلى. ولتفسير ذلك نعود لطريقتي أو أسلوبي اكتساب الوعي، فإذا كانت الطريقة الشخصية يكون سبب التوقف وعدم التواصل، اقتناع أصحاب درجة التطور أنهم وصلوا لتحقيق كامل مصالحهم، وتصوراتهم لها. في حالة اكتساب الوعي بالتعليم وتداول التجارب العامة يتم تجزئة الوعي لتضليل الجماعة بأنها وصلت لمصالحها، وهنا تظهر ظاهرة ما يعرف، بتزييف الوعي.

وترتبط عملية القطع وعدم تواصل وترقي الوعي لدرجاته المتتابعة إلى غياب المشاركة الجماهيرية، ودرجة التنظيم الاجتماعي للجماهير. وميل الجماهير للحركة المستقلة لتأمين الحقوق. وهذه الأمور سوف نعالجها على النحو التالي:ـ


[ج] غياب المشاركة الجماهيرية :

تعد عملية تغييب الجماهير عن المشاركة في تحقيق مصالحها، عملية غير مأمونة، ذلك لأنها تكشف الغطاء خطوة خطوة عن هذا الاستبعاد، وذلك يحفز الجماهير للتحرك المباشر لتأمين مصالحها، وخلال تلك العملية المتطورة، يتم ترقي وعي الجماهير، ولا يستطيع أحد أن يعطل عملية الترقي والتطور تلك. والعكس صحيح فإذا اشعلت عملية المشاركة الجماهيرية، تستطيع أن تصل لوعي سياسي عام مؤيد ومؤمن لك، ولا عجب إذا ارتأت الديمقراطيات الحديثة كلها، وحرصت كلها على جدية سبل المشاركة الجماهيرية، سواء كان ذلك بالمشاركة المباشرة في اتخاذ القرارات، وإقرار السياسات والتشريعات من خلال الانتخابات الحرة والنزيهة، أو سواء بالمشاركة غير المباشرة في حرية تكوين الأحزاب السياسية على أسس الحرية السياسية التامة، وكذلك حق تكوين النقابات الحرة المستقلة، وجماعات الضغط السياسية، والجمعيات الاجتماعية، وحرية التنظيم عموما. أو سواء بإباحة الحقوق والحريات العامة والحقوق السياسية والقانونية والحقوق الاقتصادية الاجتماعية الثقافية، وفي مقدمتها حقوق الضغط السياسي كالإضرابات والاعتصامات والمظاهرات .. الخ.

لقد استطاعت الديمقراطية الحديثة، أن تؤمن رضاء المجتمع العام بكل فئاته وطبقاته، وقواه الاجتماعية المختلفة، بإباحة مقومات المشاركة الشعبية في الحكم. وخلال ذلك ترقى الوعي العام، وتأمن للسلطات الحاكمة. في حين أن غياب المشاركة الشعبية والجماهيرية في الحكم يحرف الوعي، ويجعله محبوسا في مراحلة الدنيا، أو يشوه عملية نموه وتطوره، مما يخلق إمكانيات التفجر الاجتماعي، لمواصلة عمليات ترقي الوعي. أو الاستكانة لدرجات الوعي الدنيا والمتوسطة، فتضيع المصالح الوطنية العامة، مما يعمل على تفكك الدولة أو تحلل السلطة، أو احتلال الوطن، وفتح أبوابه للطامعين فيه، أو نهبه وتخريبه، وكل ذلك سيقود للتمرد، ونمو العنف، والإرهاب، حتى تتعدل الأمور ويكون النمو التلقائي لجنين الثورة الشعبية، أو ثورة التحرر الوطني حسب الحالة التي وصلت لها الأمور.

وأخيرا فإن غياب المشاركة الجماهيرية والشعبية يقود لوقف التطور الطبيعي والتلقائي للوعي مما ينتج صورا مشوهة أو مصادرة أو محبوسة أو جزئية للوعي العام، فبرزت صور السلوك السياسي المنحرفة كالإرهاب، وصور السلوك الاجتماعي المنحرفة كتأصل صور العنف الفردي والجماعي، وانبعاث صور التمرد والانفلات الاجتماعي، وبخاصة في ظل انتشار العشوائيات، ونمو طبقة أشباه البروليتاريا أي الفئات رثة الحال والمهمشين، وهذه القوى تأتي دائما تحركات منفلته، كما تنبعث عنها الصراعات غير الراقية لغياب الوعي الراقي «أي الوعي السياسي الوطني» والصراعات غير الراقية مثل الصراعات الطائفية والدينية والقومية والإقليمية حتى تصل لأقل الصور في صراعات مشجعي النوادي الرياضية المختلفة، وكل أنواع الصراعات الدنيا أو الدنيئة.

والقانون السياسي واضح الدلالة، أنه في غياب الصراعات السياسية الراقية كالصراعات الطبقية والوطنية والتحررية، تنبعث الصراعات الدنيئة، كما عددنا بعضها. والواقع الراهن يكشف بطريقة ملموسة، أن غياب المشاركة السياسية، أدى إلى تشويه الوعي السياسي الوطني العام، ومن ثم تم تغييب الصراعات الوطنية والتحررية، والطبقية الراقية، فانبعثت الصراعات الطائفية والدينية والقومية، وانتشر الإرهاب، والعنف، وحركات التمرد، والانفلات الفردي والجماعي. غير أن أصالة الشعب المصري وطول عمر الدولة الوطنية لديه، واستقرار أسس الوعي الوطني العام في وجدانه، وفي تركيبة چيناته، تحد من هذه الصراعات الدنيئة، وتطلق الآليات التلقائية لنمو الوعي حتى مرحلة الرقي العليا من خلال تسارع دوران عجلة الثورة، وهذا ما سنتابعه بالرصد والتحليل بعد ذلك بقليل. وحتى لا ننسى سنتابع أثر التنظيم الاجتماعي على التطور السليم للوعي، والمراحل المتطورة التي ترصد ميل الجماهير للحركة.


[د]  أثر التنظيم الاجتماعي على تواصل أو انقطاع تطور الوعي:

تؤكد العلوم السياسية، وبالذات علم السلوك السياسي، أنه كلما تواجدت أساليب التنظيم الاجتماعي الراقية، كلما كان ذلك عاملا مساعدا لاستقرار عملية ترقي وتطور الوعي السياسي العام على أسس سليمة، ودون انحراف أو انسداد أو انفلات في سلوك الجماعات.

فمع ملاحظة سلوك قطعان الحيوانات في الغابات، أو قطعان الماشية في المراعي والمزارع الشاسعة، لوحظ أن القطيع يتبع شكل أدنى من أشكال التنظيم أثناء الحركة. كأن يعين القطيع قائدا له، يجري حيث يجري، ويتجه القطيع حيث يتجه القائد، فإذا اختفى هذا القائد بوجود أي عائق، انفلت نظام القطيع وتبعثرت مسيرته. ربما يقول قائل، بأن القطيع يعين بديل فوري، ولكن في حالة الاندفاع الجارف والمعوق المفاجئ لاختفاء القائد، تتبعثر حركة القطيع. وهذا أسلوب معروف لدى الصيادين، يبعثرون القطيع، ويفكون تنظيمه حتى يسهل اصطياد مفرداته، أو جماعاته الكثيرة المبعثرة، ودراسة أحوال هذه القطعان تؤكد أن تنظيم الحركة يوجد قوة القطيع وسلامته، أي تحقيق مصالحه الجماعية في حدود أن الحيوانات تتحرك بالوعي الغريزي الدنيء جدا، ولا تعرف الوعي العاقل والتاريخي البته.

والمجتمع المنظم يختلف عن المجتمع غير المنظم، أو بمعنى أدق، المجتمع الإنساني التي يعرف الأشكال الدنيا من التنظيم الاجتماعي، يكون درجة اكتسابه للوعي، وللسلوكيات الواعية بسيطة أو منحطة، ولذلك كانت الدولة تمثل الحد الفاصل بين ما قبل الحضارة، وما بعد الحضارة في مسيرة تطور المجتمعات. وحينما تطورت الدولة، وظهرت الدولة الوطنية أو القومية، والدولة الأمة، أصبحت عملية التنظيم السياسي والاجتماعي من أهم مجالات العلوم السياسية والاجتماعية. وانقسمت هذه العملية إلى شعب ومجالات كثيرة بعضها يتعلق بتنظيم الحكومة «سواء الحكومة المركزية، أو سواء سلطات الحكم المحلية» ويتعلق البعض الآخر بتنظيم الحياة السياسية «الأحزاب – جماعات الضغط – السلوك السياسي».

وكلما تم استيعاب حركة المجتمع في أطر تنظيمية، كلما انضبطت العملية السياسية. وانضبطت الممارسة السياسية، ومسارات اكتساب الوعي بتلقائية وسلاسة، وكلما تخلفت أو تمت إعاقة عملية التنظيم السياسية، يتشوه الوعي ويتم تزييفه، ويفضي إلى الانفلات والتمرد والعبث. إن الطبقات الحديثة سواء الطبقة الرأسمالية أو الطبقة العاملة تمتلك وسائل التنظيم الاجتماعي والسياسي سواء في أماكن العمل، أو في المؤسسات الحقوقية (كاتحاد الغرف – والنقابات). ومن ثم تكون ذات وعي متقدم وراق، وحركتها السياسية المنضبطة هي الحركة الأساسية لها. أما الطبقات التقليدية كالفلاحين تقصر أو تقل أسس تنظيمهم الاجتماعي والسياسي، ويخضع وعيهم لعملية انسداد غالبا ما تفضي إلى التعبيرات الشائعة في تقييم سلوك الفلاحين كالهبات الفلاحية، والانتفاضات الفلاحية، في حين يقال الإضرابات والاعتصامات العمالية. فإذا انتقلنا إلى المهمشين حيث يكون التنظيم الاجتماعي والسياسي مفقودا، والوعي مسلوبا، تكون تحركاتهم همجية وانفلاتية وذات معدلات عنف عالي يصل لحد الجريمة.

وليس من قبيل المصادفة أن تتكرر نداءات التحذير في مجتمعنا الراهن، خوفا من انفلات الأحوال، بخاصة أن مجتمعنا الراهن يزخر بقطعان المهمشين، وبانتشار العشوائيات وأحزمة الفقر إلى حد يخشى منه. غير أن واقع مجتمعنا الراهن أنه مجتمع مختلط تعيش فيه القوى الاجتماعية والطبقية الأكثر تنظيما، والأقدر على اكتساب الوعي وتطويره، كما يضم القوى الاجتماعية والطبقية غير المنظمة، أو ذات الصور والدرجات الدنيا من التنظيم الاجتماعي، ومن ثم تنسد أمامها طرق اكتساب الوعي الآمن. وإذا تفحصنا صورة مجتمعنا حاليا سوف نجد أنه يقع بين اتجاهين ضاغطين ومتعاكسين:

الأول: قصور أو دمور القيادة السياسية والثقافية الوطنية، وقلة إنتاجها المصدر للوعي العلمي للقوى الشعبية والاجتماعية المنظمة، وهذا ما يقال عنه فساد النخب السياسية والثقافية في مصرنا الحالية، أو غياب القيادة السياسية والثقافية الوطنية. وهذا اتجاه سلبي ولاشك، يصب لصالح التحركات العشوائية والمنفلته للمهمشين. وليس صدفة أن إحساس بعض الصحفيين والإعلاميين والمثقفين بهذا القصور يجعل صوتهم عاليا في التحذيرات من التحركات الجماهيرية المحتملة.

الثاني: الميراث التاريخي والحضاري الطويل للمجتمع المصري، الكامن في وجدانه، وهذا الميراث المستمد من عمر الدولة الوطنية الطويل، سواء في استقلالها أو في احتلالها، بما يحمله من ترسب الفكر الثوري وفكر المقاومة، هو العامل المشكل للاتجاه الإيجابي المنتج لتواصل عملية اكتساب الوعي على أسس ثورية، لذلك فمجال تأثير هذا العامل في الطبقات المنظمة اجتماعيا هو الأقوى، مما يدفع لأمان التحركات الجماهيرية وسيرها على طريق التطور التلقائي لاكتساب الوعي. وهذا ما قصدته بتحرك وتسارع دوران عجلة الثورة فيما سنعالجه بعد ذلك، وإن كان البعض يتوجس خيفة من غياب الطليعة الثورية.


ومما لا شك فيه أن غياب القيادة الوطنية والثورية الآن في مجتمعنا، تعد مشكلة حقيقية، لكن ومن حسن الحظ، أن أساليب التنظيم الاجتماعي التقليدية والحديثة، كبيرة في مجتمعنا، والتراث الثوري عميق في الوجدان المصري، وإذا قارنا المجتمع المصري بالمجتمعات العربية المحيطة، سوف نلحظ تقدم المجتمع المصري في هذا الصدد، فإذا عقدنا مقارنة سريعة بين مصر، وأقدم مجتمع عربي مثل العراق، سوف نجد أن مصر شهدت وجود الدولة الوطنية منذ فجر التاريخ، في حين الدولة في العراق القديم لم تتعدى صيغة دول المدن، أو دول الأقاليم الصغيرة، ولم تتطور حضارته القديمة أبدا إلى صيغة الدولة الوطنية، إلا في العصر الحديث، ولذلك تمكن الاستعمار الأمريكي المحتل للعراق الآن من تمزيق العراق طائفيا ودينيا وعرقيا، ولكن المقاومة العراقية على أشدها، ذلك أن القيادة الوطنية للعراق قبل الاحتلال كانت قد هندست المقاومة على أسس وطنية في ثلاثة اتجاهات:

(1) من قوى ومؤسسات الأمن والقوات المسلحة في دولة العراق الوطنية.

(2) التجبيه أو التحالف مع القوى السياسية الوطنية والحديثة المختلفة مع النظام، ولكن المتفقة على وجود العراق الوطني المستقل.

(3) القوى الاجتماعية على أسس التنظيم الاجتماعي التقليدي في العشائر والقبائل وغيرها. إن هذه القوى الثلاث، تمثل الوعاء الأساسي للمقاومة العراقية، والحق أن هناك قوة رابعة لا تمتلك أسس التنظيم الواعي تشارك في المقاومة ومن أمثلتها قوى التيار الصدري، ولكن مشاركتها مترددة وغير مؤصلة، فكثيرا ما تنجر للتقاتل الطائفي.


وتقابل قوات المقاومة في العراق أربعة قوى داعمة للاحتلال وتمزيق الدولة الوطنية في العراق.

الأولى: قوات التحالف وعلى رأسها قوات الاحتلال الأمريكية والبريطانية،

الثانية: ميليشيات الأحزاب التي دخلت مع الاحتلال الأمريكي من أقص اليمين إلى أقصى اليسار، أي من الإسلاميين إلى الشيوعيين، ومن العرب إلى الكرد.

الثالثة: ميليشيات وقوات المرتزقة التابعة للسفارات الأطلنطية، وعلى رأسها مرتزقة الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين.

وتوجد قوة رابعة مترددة تخدم الاحتلال في تمزيق العراق وطنيا دوما، وأحيانا تضرب الاحتلال في سلوك انشقاقي، ليس إلا، وهي قوات تنظيم القاعدة.


لقد عقدت هذه المقارنة بين مصر والعراق لأبين أن ميراث الدولة الوطنية المصرية سواء في حالة استقلالها أو في حالة احتلالها، أنتج فكرا سياسيا، وفكرا ثوريا ومقاوما، أثرى الوجدان المصري، وجعل منها القوة القائدة فعلا للمنطقة العربية أي محيط أمتها العربية، وليس صدفة أن عمق عملية التنظيم الاجتماعي بها بصورتيه: القديمة الكلاسيكية، والصور الحديثة العصرية، هي الأكبر. وهذا ما عبر عنه عالم مصر الكبير جمال حمدان في كتابه الموسوعة «شخصية مصر» في الجزء الرابع ص646 حيث يقول:

«إن مصر بتجانسها ووحدتها، تتحرك ككتلة واحدة عادة، دون أن تعرف الانقسامات والشظايا التي تفكك كثيرا الشقيقات العربيات ؛ مما يمنحها ثقلا فعالا ووقعا يزيد عن ثقل وحدات صغيرة لها نفس مجموع حجمها. ولهذا أيضا فإن الاستقرار السياسي – حتى في ظل الإقطاع- سمة واضحة، تتباين بسهولة مع أحوال المشرق العربي مثلا، وفي النتيجة، فإن مصر أقوى قوة في العرب مرتين: مرة بمطلق حجمها، ومرة بتجانسها المطلق».

لقد أطلت في بيان العوامل الإيجابية التي ستدفع مصر نحو الثورة على أسس علمية، وحتى لو اعترضت مسيرتها تلك، هبات منفلتة، وحتى إذا استمر غياب القيادة الوطنية الثورية، فطريق الثورة، قد بدأ يشهد ويسجل المسيرة عليه، فالجماهير قد أخذت بأسلوب التحرك المستمر، وبدأت في اكتساب الوعي الوطني السياسي العام، والوعي الثوري بإمكانياتها الذاتية. ولم تعد تعبأ كثيرا بتنكب قوى النخب السياسية والثقافية طريقها، وغياب الطليعة السياسية الثورية.
 
أما عن ميل الجماهير المنظمة للتحرك الجماهيري، فسوف أعالجه في الفكر الثوري، والفكر السياسي المصري والعربي، الأكاديمي وحتى الممارس يخضع خضوعا مطلقا للمدارس السياسية الغربية، ويكفي أن يعيد القارئ تعريف السياسة كما نقلته عن الموسوعة السياسية العربية، فيجدها، ترى بداية علم السياسة على أيدي الإغريق، مما يعني إهدارا لتاريخ يمتد لأكثر من أربعة آلاف عام قبل الإغريق، وهو تاريخ سياسي ثري، يعادل تطور الفكر السياسي الإغريقي الذي احتاج حوالي ألفي عام، ليماثل ما وصل إليه فكر الدولة الوطنية في مصر القديمة، أو يكبرها بفروق كمية نظرا لتطور أساليب العيش والحياة ذاتها.


[هـ] الفكر والحركة الثورية :

يعتبر الفقه الثوري، من أهم إنجازات العلوم السياسية. والثورة هي عمل شعبي، حيث تقوم الكتلة الأساسية من الجماهير بالحركة والسلوك والفعل السياسي المباشر. وللثورة مراحل ثلاثة:

أولها: مرحلة التحضير الثوري،

والثانية: مرحلة الانتفاضة الثورية وإحداث التغيير السياسي الجذري في أجهزة السلطة والإدارة السياسية المختلفة،

والثالثة: مرحلة تثبيت وتحقيق أهداف الثورة.


ويكمن جوهر الثورة في عودة الجماهير لاستلام السلطة السياسية، والإدارة السياسية، بعد أن تكون فقدتها، فقدانا كاملا ونهائيا، وتكون القوى المهيمنة سياسيا، قد تخلت عن خدمة أهداف ومصالح المجتمع والوطن، وتخدم أهدافها الخاصة ومصالحها الذاتية فحسب. سواء كان ذلك بتثبيت سلطتها بالقوة الغاشمة، والأساليب الدكتاتورية والقمعية، أو، بتزييف الوعي وتشويه الفكر، أو سواء كان ذلك بالنهب والنهم غير المبرر للثراء، ونزف ثروة الوطن لخارجة، أي ضرب ثروة الأمة في الصميم.

ويوم أن كانت في مصر ثورة، وقيادة ثورية، قدم جمال عبد الناصر الميثاق في 21 مايو سنة 1962 للمؤتمر الوطني للقوى الشعبية. وقال في الباب الثاني تحت عنوان " في ضرورة الثورة " ما يلي:

«لقد أثبتت التجربة، وهي مازالت تؤكد كل يوم، أن الثورة هي الطريق الوحيد الذي يستطيع النضال العربي أن يعبر عليه من الماضي إلى المستقبل. فالثورة هي الوسيلة الوحيدة التي تستطيع بها الأمة العربية أن تخلص نفسها من الأغلال التي كبدتها ومن الرواسب التي أثقلت كاهلها، فإن عوامل القهر والاستغلال التي تحكمت فيها طويلا ونهبت ثرواتها لن تستسلم بالرضا، وإنما لابد على القوى الوطنية أن تصرعها وأن تحقق عليها انتصارا حاسما ونهائيا. والثورة هي الوسيلة الوحيدة لمغالبة التخلف الذي أرغمت عليه الأمة العربية كنتيجة طبيعية للقهر والاستغلال، فإن وسائل العمل التقليدية لم تعد قادرة أن تطوي مسافة التخلف الذي طال مداه بين الأمة العربية وبين غيرها من الأمم السابقة في التقدم، ولابد – والأمر كذلك – من مواجهة جذرية للأمور تكفل تعبئة جميع الطاقات المعنوية والمادية للأمة لتحمل هذه المسئولية. والثورة بعد ذلك هي الوسيلة الوحيدة لمقابلة التحدي الكبير الذي ينتظر الأمة العربية وغيرها من الأمم التي لم تستكمل نموها، ذلك التحدي الذي تسببه الاكتشافات العلمية الهائلة التي تساعد على مضاعفة الفوارق ما بين التقدم والتخلف، فإنها بما توصلت إليه من المعارف تيسر للمتقدمين أن يكونوا أكثر تقدما، وتفرض على الذين تخلفوا أن يكونوا – بالنسبة إليهم – أكثر تخلفا برغم كل ما قد يبذلونه من جهود طيبة لتعويض ما فاتهم. والثورة العربية – أداة النضال العربي الآن وصورته المعاصرة – تحتاج إلى أن تسلح نفسها بقدرات ثلاث تستطيع بواسطتها أن تصمد لمعركة المصير التي تخوض غمارها اليوم، وأن تنتزع النصر محققة أهدافها من جانب ومحطمة جميع الأعداء الذين يعترضون طريقها من جانب آخر. وهذه القدرات الثلاث هي:-

أولاً: الوعي القائم على الاقتناع العلمي النابع من الفكر المستنير، والناتج من المناقشة الحرة التي تتمرد على سياط التعصب والإرهاب.

ثانيا: الحركة السريعة الطليقة التي تستجيب للظروف المتغيرة التي يجابهها النضال العربي. على أن تلتزم هذه الحركة بأهداف النضال وبمثله الأخلاقية.

ثالثا: الوضوح في رؤية الأهداف ومتابعتها باستمرار، وتجنب الانسياق الانفعالي إلى الدروب الفرعية التي تبتعد بالنضال الوطني عن طريقه وتهدر جزءًا كبيرا من طاقته».

والثورة السياسية – الاجتماعية أنواع، وتتحدد طبيعة الثورة على عدة أسس أهمها:

(1) تحديد الصراع الرئيسي، أو الصراعات الأساسية التي تتحكم في الأوضاع السائدة، ويتم ذلك بتحديد موضوع الصراع، أو التناقض الرئيسي، هل هو مثلا موضوع الاستغلال الاقتصادي والاجتماعي السائد، وفي هذه الحالة يكون التناقض الرئيسي تناقضا طبقيا، وينبع من التناقض القائم بين الطابع الجماعي للعملية الإنتاجية السائدة، أي الطابع الجماعي لعلاقات الإنتاج، وبين الطابع الخاص للملاك الرأسماليين ويكون التناقض الرئيسي محددا بين رأس المال والعمل، وهذه تكون الثورة الاشتراكية. أو هل يكون موضوع التناقض الرئيسي الاستغلال المرتبط بأسلوب علاقات إنتاجية متخلفة، وسيادة عملية إنتاجية بسيطة ومتخلفة، وتقسيم إقليم البلاد، وعدم وجود الأسواق الشاسعة، عندها يكون التناقض الأساسي بين عوامل الضعف والتخلف والعلاقات الاجتماعية غير الراقية وتفكك إقليم الدولة، وبين قوى التقدم والتحرير الطبقي وإقامة الدولة الوطنية. ويكون تحرير الطبقات الدنيا وبالذات، الفلاحين، هو المهمة الأساسية، وتكون هذه الثورة الوطنية البرجوازية.

وقد تتداخل موضوعات الصراع فيكون تحرير البلاد مرتبطا بقهر التخلف والاستغلال، والتناقض الرئيسي بين القوى المهيمنة خارجيا وعملائها في الداخل، وبين قوى تحرير الوطن وتنميته وضرب صور الاستغلال والدكتاتورية فيه. وتكون الثورة هنا ثورة تحرير وطني واجتماعي، أو الثورة الوطنية الديمقراطية التحريرية، بمعنى مزدوج للتحرير: تحرير الوطن، وتحرير المواطن.

(2) بعد تحديد الصراع أو التناقض الأساسي أو الرئيسي يتم تحديد قوى الثورة، وقوى أعداء الثورة، أي تحديد الحلف السياسي الثوري، وتحديد الحلف الرجعي والمضاد للثورة., فالثورة عمل شعبي وتقدمي.

(3) بعد ذلك يتم تحديد مهام الثورة وأهدافها، وكيفية تنفيذ هذه المهام، وتحقيق هذه الأهداف، كما يجب تحديد مجالات ودوائر العمل الثوري والفكر الثوري وحل معضلاتها.

(4) اعتماد استراتيچيات وخطط تنفيذ الأهداف والمهام الثورية.


إن الثورة علم مكتمل الأركان في علميته، والوعي الثوري هو قمة الوعي السياسي العام. ذلك أن واقع العالم المعاصر يجعل من الفكر الاستعماري التيار الفكري والعملي السائد في العالم الغربي، الذي يشكل بدوره الشق المتقدم من العالم، أو الكتلة الأساسية في الدول المتقدمة. ويتم تسخير كل مظاهر التقدم العلمي والفكري لخدمة الفكر والحركة الاستعماريتين. وقد جاءت الثروات العلمية الحديثة والأكثر رقيا في مجالات الأتمتة والحاسوب – وفي مجال الاتصالات – وفي مجالات الهندسة الوراثية وزيادة الموارد، لترتبط ببروز وسيطرة التيار والمدرسة السياسية الاستعمارية، في الغرب، والمتحكم في هذه الثورات العلمية الحديثة، لتشعل الصراعات في العالم، وتحريك آليات نهب ثروات الشعوب والمجتمعات بأكثر مما جرى أيام الاستعمار القديم، وتجرى عملية تزييف الوعي السياسي والاجتماعي على أشدها، مما يدفع بنمط الثورة الوطنية الديمقراطية التحريرية، لأن تكون القاطرة الأساسية، لتصحيح الأوضاع وتغييرها تغييرا جذريا لصالح كل الشعوب، سواء في البلاد المتقدمة، أو سواء في البلاد المتخلفة. إن الثورة الاشتراكية الآن تمر بعثرات حقيقية، تنبع من القدرة التكييفية العالية للنظم الإمبريالية الحديثة، وسيادة الديمقراطيات ذات الأبعاد الاجتماعية الحقيقية، وذلك في البلاد المتقدمة، حقا تواجه هذه البلاد بعملية هجرة ونزوح من الدول الفقيرة والمتخلفة، تماثل الهجرة من الريف إلى المدينة التي جرت في المجتمع الداخلي الحديث. ولاشك أن عملية الهجرة والنزوح تلك ستشعل عوامل الثورة، والتناقضات العدائية من جديد حيث سيعاد التشكيل الاجتماعي للطبقات .. ومن لم يصدق عليه متابعة تحركات المهاجرين في فرنسا الآن في صورة انفلات اجتماعي على نمط انفلات المهمشين، وحتى يتطور الفكر الثوري هناك سوف يستغرق فترة ليست بالقصيرة.

لذلك نحن نقول بأن الاتجاه الفكري، والمدرسة السياسية الأساسية في العالم المتقدم هي المدرسة الاستعمارية حاليا. وهذا ينقل مركز الثورة إلى بلدان العالم الثالث، أي أن العملية الثورية قطبها الرئيسي الآن هي دول التحرر الوطني، بعد سقوط الاشتراكية، وانحرافها في بلاد العالم المتقدم لخدمة قضايا الصراعات الدنيا.

إن خرائط العالم الاجتماعية والسياسية تتصارع الآن بين مفهومين أو محورين:

الأول: المفهوم الاستعماري لضرب الدولة الوطنية، وفرض العولمة الجبرية الاستعمارية كبديل يصادر على نمو عملية الإنتاج الاجتماعية الحديثة، إلى عملية إنتاج الوفرة، التي سيكون من نتائجها الأساسية: قيام المجتمع العالمي الواحد على أسس ديمقراطية صحيحة. وإلغاء قوانين الإنتاج الرأسمالية التي تعتمد على جني الأرباح، وزيادة الطابع الاستغلالي بين المنتجين والمالكين، أي بين الطابع الجماعي لأساليب الإنتاج الحديثة والطابع الفردي أو طابع القلة لتملك عوائد العملية الإنتاجية الجماعية هذه أي ستجرى عملية استبدال ذلك بعملية إنتاج الوفرة حيث يبذل الإنسان ما يستطيع من جهد، ويأخذ ويشبع ما يريده من احتياجاته، وهي صورة قريبة مما سطره ماركس عن الشيوعية العلمية، حيث تتحلل الدولة القاهرة والمهيمنة على الدول الأخرى، أو داخل المجتمع، ويقوم المجتمع الإنساني العالمي الواحد، ويدار بتنظيم اجتماعي راقي لا يقوم على القهر، وتكون الحكومة على نسق القطاع الأهلي وآليات المجتمع المدني الراقية.

والمحور الثاني: المفهوم الثوري الوطني التحرري، والذي يقوم على احترام الاختلاف بين الدول ونظمها السياسية، وضرورة العيش بسلام، وجعل ثروة كل أمة تخص أبنائها، ويتم التبادل التجاري الاقتصادي والمصلحي على أسس المساواة والسلام وتبادل المنافع وتسخير الثورات العلمية الحديثة لبناء مجتمعات الوفرة، والتقارب بين المجتمعات، توطئة لقيام المجتمع العالمي الواحد، ومجابهة الأخطار الكونية المشتركة ... الخ.[1]


لقد آن للعملية الثورية العالمية والمحلية أن تعود لتدق كل الساحات بقوة، حتى وكما قال جمال عبد الناصر في الميثاق لتقريب الفوارق بين المجتمعات، وداخل المجتمع الواحد. وعليه فيجب أن يرد الاعتبار للفكر الثوري، ولقضايا الثورة، وأن يتعامل من يريد التطور مع هذه الأفكار، ولا يعمل أن تقبر في المتاحف فالشعوب بدأت الحركة، وشعبنا المصري عرف طريقه للتحرك الثوري على النحو التالي:-


[و] مراحل ميل الجماهير للتحرك العام :

كما قدمنا في تعريف علم السياسة في الدولة "حيث الكل ساسة، إلا أن البعض ساسة أكثر من البعض الآخر". وحينما تسقط عن هذا البعض الصغير أي القلة صفته السياسية، أي تنكره لتحقيق المصالح العامة للمجتمع والدولة، تضطر الغالبية – الموصوفة – بأنها الأقل سياسية، إلى تزويد السياسة لديها حيث تعود السياسة لأصلها، باعتبارها جوهر الوجود الاجتماعي للإنسان، وللدولة، وللشعب. وهذه العودة تتم عبر مراحل تمثل المقدمات والتحضير الواسع للثورة. وتتحدد هذه المراحل وتقاس بمدى ميل واستعداد الجماهير للتحرك نحو تأمين مصالحها، حسب درجة الوعي المتاحة، وهذا التحرك أو الميل للتحرك يأخذ شكل القانون العلمي، الذي يحكم العلاقة بين ظواهر محددة. وحتى نبين ذلك، فلنحدد الظواهر أولا وهي:-

(1) الإنسان كائن سياسي.

(2) الكل ساسة إلا أن البعض ساسة أكثر،


فإذا اختلت هذه المعادلة بوقف مشاركة الشعب في العمل السياسي، مع تنكب النخبة المسيطرة «الحاكمة – موالاة – ومعارضة غير ثورية» لطريقها والتخلي عن السياسة، باعتبارها عملية تحقيق المصالح العامة. في ظل هذا الاختلال المزدوج تسعى الجماهير لاسترداد صفتها السياسية، وكلما كانت أكثر تنظيما «سياسيا واجتماعيا» كلما كانت أقدر على إنجاز هذه المهمة بسرعة وأمان، ولأنها غالبا معطلة من حق التنظيم السياسي، يلعب التنظيم الاجتماعي والمهني الدور التنظيمي هنا، وفي غمار هذه الحركة الجماهيرية المتطورة يتطور الوعي عبر مراحله إلى الوعي الوطني والسياسي العام والمجرد. فإذا تعطلت سبل الوعي المصدر من الطليعة الثورية أو الوطنية، تعتمد الجماهير على نفسها، وتفرز طلائعها في غمار مسيرتها المتتابعة. إن هذه العلاقة الموضوعية بين هذه الظواهر، هي التي تجسد القانون الثوري العام.

وتمر الجماهير بالنسبة للانشغال بالسياسة، في حالة انسداد طرق المشاركة أمامها، وفي حالة تحول الساسة لتحقيق مصالحهم الخاصة أو مصالح حلفهم الضيق، إلى ثلاث مراحل كبرى، وعامة، وكل مرحلة عامة، تنقسم إلى درجات متعددة لرقي السلم، إلا أنه يمكن التمييز إجمالا في داخل المرحلة العامة لثلاث مراحل فرعية، وذلك على النحو التالي:-


أولا: مرحلة الجزر الجماهيري:

ويكون ميل الجماهير في هذه المرحلة، ميلا ناتجه سلبيا، أي لا حركة. وتتحدد ملامح مرحلة الجزر العامة على ضوء سيادة قناعة لدى الجماهير، بأنه لا دور لها الآن، وهذا بسب انتظار نتائج مرجوة، أو بسبب الوصول إلى نتائج صحيحة أو كاذبة في إيجابية السياسات القائمة، أو في حالة مباشرة سياسات قهر وظلم فاضحة وشديدة الوطأة، أو بسبب تزييف الوعي، وإثارة الوهم قبل أن تنكشف الأمور، أو مع بداية انكشافها. والمراحل الفرعية لهذه الحالة هي:-

(1) ـ مرحلة قاع الجزر، وتكون الجماهير في أبعد نقطة عن استعدادها للحركة، فالجماهير غارقة في الوهم، أو تحت وطأة قهر عنيف يأخذ شكل الصدمة المروعة، أو بعد إحساسها الصادق أو الكاذب، أنها حققت ما أرادته نتيجة حركتها، والحركة الجماهيرية هنا السابقة على حالة الجزر أو قاع الجزر هذه، إما تكون حركة إفاقة مفاجئة مثل أحداث 18، 19 يناير سنة 1977 في مصر، فحركة الجماهير الواسعة، أسقطت عملية رفع الأسعار، فشبه للجماهير، أنها أدت مهمتها وأنجزتها. وفي مثال آخر يتمثل في الفترة التي أعقبت دخول رجال سلطة الحكم الذاتي غزة وأريحا بعد المعاهدة الموقعة بهذا الاسم في 13 سبتمبر سنة 1993 بين: الإرهابي اسحق رابين زعيم الكيان الصهيوني، -وياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية - في حضور الرئيس الأمريكي بيل كلينتون – في البيت الأبيض الأمريكي. فالانتفاضة الفلسطينية شبه لها أن حققت أهدافها، وبدأت مسيرتها للتحرير وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة.

(2) ـ المرحلة الفرعية الثانية هي مرحلة أواسط الجزر، وفيها يبدأ الوعي الجماهيري في التكوين الأولي على أساس الإحساس، وبروز الشواهد الأولى على وهم وكذب هذه النتائج الكبيرة، التي كانت متصورة التحقيق. أو انتهاء أثر الصدمة للقهر سواء بدكتاتورية المحتل، أو بظلم ودكتاتورية الحكم الداخلي، وتبدأ الجماهير في أن تفيق، على أساس " أن الغربال الجديد له شَدَّه "، وتبدأ في تجميع الشواهد وعناصر الرفض والمعارضة. ونتذكر أن ميل الجماهير للحركة مازال سلبيا، أي لا وجود لتحركات جماهيرية تراكمية.

ويمكن القول أن هذه المرحلة الفرعية للجزر بدأت في مصر، أي تحرك الجزر، مع أحداث الفتنة الطائفية في الزاوية الحمراء، وضرب المفاعل النووي العراقي بواسطة العدوانية الإسرائيلية سنة 1981، حيث ثبت للجماهير عمق زيف مقولة أن حرب أكتوبر آخر الحروب مع العدو الصهيوني، وتبدد وهم السلام المدعى – كذبا وبهتانا - .

(3) ـ المرحلة الفرعية الثالثة والنهائية لحالة الجزر، هي مرحلة ذوبان الجزر، حيث يأخذ الوعي الجماهيري الرافض في التشكل، ويصل إلى التململ، وإلى الغليان المكتوم. ولكن يظل ميل الحركة لدى الجماهير سلبيا، وإن كان يتحرك في داخل الجماهير دون أن ينبعث إلى الخارج في مرحلة تعادلية، الناتج لها صفر. وقد تأخذ هذه المرحلة التعادلية شكل التنكيت والتبكيت الجماهيري، وقد تأخذ صور الفضفضة الكلامية والإنشائية، وقد تأخذ سبل المقاومة السلبية، كالتباطؤ في العمل، وانخفاض الإنتاجية، ومعاندة السلطات بالالتفاف على القرارات والقوانين، أو التهرب من آثار ما هو مرفوض من قبل الجماهير، أو السلوك السلبي للجماهير في كل مناحي الحياة.

ويمكن حساب بداية هذه المرحلة مع أحداث انقلاب الأمن المركزي في سنة 1986، حيث بدأ الشعب في التململ، وضاق عليه صدره، واستتبت مرحلة الجمود السياسي والاقتصادي المجتمعية، وتملك الغيظ من الشعب من السياسات القائمة.


ثانيا: مرحلة المد الجماهيري:

وهي تلك المرحلة العامة التي تكون للجماهير فيها، ميول إيجابية للحركة من أجل الدفاع عن المصالح العامة. فالجماهير تنفض عن نفسها، ولو بصورة جزئية وأولية في البداية، رداء السلبية المقيت، وتأخذ ميولها للتحرك الجماهيري تتواجد ثم تتزايد، ثم تشتعل وتشتد. وهذه المرحلة العامة للمد تنقسم إلى درجات متتابعة ومتصاعدة يغلب عليها الميل الجماهيري للتحرك إيجابيا، في خط متصاعد.

ويمكن إجمال هذه الدرجات المتتابعة والمتصاعدة للوعي الجماهيري نحو السياسة، وللتحرك الجماهيري لإحداث الثورة الشعبية إلى ثلاث مراحل فرعية على النحو التالي:-

(1) المرحلة الفرعية الأولى للمد: أي مرحلة بدايات المد:-

وفي هذه المرحلة تكون الحركة الجماهيرية شديدة الجزئية، وشديدة التباعد، والانفصال: الزماني للمكان الواحد، والمكاني للقضية الواحدة. وهذا التحرك الجماهيري الجزئي والمتباعد زمانيا ومكانيا يتعادل مع بدايات مرحلة الوعي الثالثة، أي الوعي الاقتصادي والمصلحي العام للجماعات الاجتماعات الضيقة، أو الصغيرة. فلو تصورنا أن ميل الطبقة العاملة هو الميل الأعلى، نتيجة للوعي المتكون بحكم اكتمال صيغ التنظيم الاجتماعي، سواء من حيث وحدة مكان العمل، إلى وحدة المصالح بالتنظيم النقابي، إلى وحدة الصناعة النوعية، أو المنطقة الصناعية الواحدة ذات الصناعات المتعددة، مما يكفل مؤخرا وحدة الطبقة كلها. فإذا حدث تحرك في مصنع في هذه المرحلة فسيكون تحركا منفصلا، عن بقية المصانع سواء على المستوى النوعي «للصناعة الواحدة» أو على المستوى الجغرافي «للمنطقة الصناعية الواحدة». وإذا تصادف وتحرك هذا المصنع مرة ثانية، فإن تحركه الثاني سيكون متباعدا مع تحركه الأول.

والوعي هنا وعي اقتصادي جماعي، ولكن جزئي، وغير مكتمل. ومن ثم يبرز التحرك كتحرك اقتصادي ومصلحي ضيق وجزئي، ويسعى لتأمين حزمة ضيقة وجزئية من المصالح، أو المطالب المباشرة، لذلك، غالبا، ما يقال عن هذا الوعي وحركته، بأنه وعي مطلبي أو حقوقي، وتحرك مطلبي أو حقوقي.

ويمكن رصد بداية هذه المرحلة الفرعية في مصر مع سنوات نهاية الثمانينيات وبداية عقد التسعينيات واستمرت حتى نهاية التسعينيات. وإن كنا في دراستنا التطبيقية سوف نفصل الأمر قدر ما يتاح لنا من معلومات وبيانات، وقد قصدنا إلى هذه الإشارات المحددة لبدايات المراحل العامة والفرعية، لتسهل عملية الاستيعاب النظري والفكري هذه، والمتابعة لتثبيت الأفكار.

(2) المرحلة الفرعية الثانية للمد: أي مرحلة أواسط المد:-

وهي تلك المرحلة التي تزداد فيها عمليات الترابط في الوعي والتحركات الجماهيرية، بصورة أكبر من صورة البدايات، حيث تزداد عمليات الترابط بين التحركات للمصنع الواحد، ويظهر لها صدى في المصانع المناظرة نوعيا وجغرافيا، وإن كان الأمر يظل محتفظا بمعدلات صغيرة لعجلة التلاحم والترابط في الوعي والتحرك الجماهيري. وتناظر هذه المرحلة الفرعية، المرحلة المتوسطة والمتطورة من الوعي الاقتصادي والمصلحي العام. وفي هذه التحركات تكون المطالب أكبر وأشجع، وذات سمة تراكمية، ولكن يظل النضال مطلبي، أو مادي أو مصلحي أو اقتصادي فحسب، بل غالبا من يكون فرعي، وليس كليا، أي جزئي، وليس عاما.

وفي هذه المرحلة تشارك الجماهير في تحركات فئوية إلى جانب التحركات الطبقية، فتدخل فئات اجتماعية من الفئات الوسطى إلى حلبة الصراع المطلبي والمصلحي والاقتصادي، أي يدخل الموظفين والمهنيين في الحركة المطلبية، مع العمال والقوى الطبقية الأشد خضوعا للظلم والقهر، وتظهر بدايات التحركات للجماهير الأقل تنظيما، أي الأشكال الدنيا للتنظيم الاجتماعي كسكان منطقة معينة، أو حي معين، أو قرية معينة ... الخ. وتكون الحركة مطلبية أيضا. أي أن هذه المرحلة الفرعية تشهد عبر درجاتها جنين التلاحم المصلحي العام نوعيا وجغرافيا.

ونود أن نوضح أمرا ملموسا هو أن المراحل الفرعية أو العامة لا تتشكل بالقطع، أو بحد السكين، ولكن كل مرحلة تأخذ الكثير من خصائص ما قبلها، وبالذات في درجاتها الأولى، ثم تتميز بذاتها في درجاتها المتوسطة، ثم تأخذ الخصائص الأولى والجنينية للمرحلة التي تليها في درجات ذات المرحلة المعنية، الأخيرة.

ويمكن الإشارة إلى أن هذه المرحلة بدأت في التشكل في مصر في نهاية التسعينيات وحتى ما بعد الانتخابات سنة 2005 الرئاسية والبرلمانية. وكما أشرنا فإن تراكمية التحركات الجماهيرية تبدو ملحوظة في مرحلة أواسط المد.

3) المرحلة الفرعية الأخيرة للمد الجماهيري: مرحلة نهايات المد أو اشتعاله «مرحلة تعاظم المد»:-

وتتميز هذه المرحلة بتزايد عوامل الترابط بين التحركات الجماهيرية – نوعيا وجغرافيا- عماليا ومهنيا وفلاحيا وطلابيا – ولأكثر من منقطة ومحافظة في ذات الوقت. وتكون وتيرة هذه التحركات قد ارتفعت، وتقلصت الفواصل بينها إلى حدود آخذة في الضيق والصغر، ويكون الوعي الاقتصادي العام وبدايات الوعي السياسي الجماعي، قد أخذت طريقها للتشكل والتزايد. وفي هذه المرحلة قد تقوم التحركات لأسباب مصلحية ومطلبية، وقد تقوم لأسباب وطنية سياسية عامة.
إن زيادة الترابط والتواتر في الفعل والوعي الجماهيري هو السمة المميزة لهذه المرحلة الفرعية، حيث تكون قاعدة التحركات قد اتسعت اجتماعيا وسياسيا، وبدأ النظام الراهن يحس بالضغوط عليه، وتزايدها عليه لتعديل السياسات، ولكن تكون قدرته على التعديل والإصلاح قد تقلصت أو حتى نفدت وانتهت.

ويهمنا أن نقول أن هذه المراحل في تتابعها تأخذ شكل الهرم المقلوب فهي ترتكز على مركز ضيق ثم تتجه إلى الاتساع. ومن حيث التطور الزمني تأخذ شكل الهرم المعدول ففي البداية تكون الفترات والمراحل واسعة وكبيرة، وتقل عملية التطور والانتقال كلما صعدنا مرحلة، أو حتى درجة في المرحلة الفرعية، إلى أن يكون الزمن قليلا ومختصرا في النهاية، فالوقت الذي تستغرقه مرحلة أعلى أقل من الوقت في سابقتها وهكذا.

وبالطبع فإن مصر دخلت هذه المرحلة الفرعية بعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية سنة 2005 ويمكن القول تحديدا من سنة 2007، ويكون السؤال هل يمكن قطع الطريق على تطورها ؟ وجوابي إنه يمكن تبطيئ الانتقال إليها بإصلاحات سياسية كبرى تنال كل السياسات القائمة، وهذه يلزمها معجزة، فالنظام القائم غير مهيأ لتلك الأمور بتاتا، فيقينه المبني على استناده لمكامن القوة المادية يغريه بأن يقول لمن يقول بقراءتي العلمية هذه: انها النبوءة الكاذبة، والتنبؤ الخاطئ !!!

ولكن يمكن لهذه المسيرة في هذه المرحلة، والمرحلة ذاتها أن تنجز بسرعة، أي يتم تسريع نموها، لو تكونت قيادة وطنية ثورية، أخذت تكثف الوعي الثوري، وتمد الجماهير به، فالعلم والتعليم وسيلة أنجع وأسرع لتشرب الوعي الثوري عن أسلوب التعليم الذاتي للجماهير.

ثالثا: مرحلة الانتفاضة الثورية:-

وهذه هي المرحلة العليا والأرقى لوحدة التحركات الجماهيرية على أسس سياسية عامة. وهي المرحلة التي تتخذ فيها التحركات الجماهيرية صفة التواتر الذي يصل إلى التواصل. وهي المرحلة التي تصير فيها السياسة مهنة شعب بأكمله، ومهمة شعب بأكمله. وهي المرحلة العليا للوعي السياسي الأرقى وطنيا وطبقيا حسب طبيعة المرحلة الثورية، ونوعية الثورة، بل تتم في هذه المرحلة الانشغال بكل مجالات العملية السياسية: داخليا وخارجيا. لذلك يلحق بهذه المرحلة: شرطان:-

الأول: رفض الجماهير أي وعود أو أي إصلاحات من النظام، والعمل بحدة وحسم على إنهاء هذا النظام وسياساته.

الثاني: نفاد قدرة النظام على التخفي والتزييف والإصلاح.


ولنتذكر جميعا أيام الانتفاضة الثورية في إيران، حينما جاء الشاه، بأحد أقطاب الحركة الوطنية الإيرانية «مهدي بازرجان» رئيسا للوزراء، ولكن رفضته الجماهير ورفضت حكومته، واستمرت الانتفاضة.

وتنقسم الانتفاضة كمرحلة عامة لاستمرار وتواصل الحركة والتحركات الثورية للجماهير، إلى ثلاث مراحل فرعية هي:-

(1) – مرحلة رفض الانتفاضة للنظام وسياساته القائمة: وهي تلك المرحلة الفرعية التي تطبق فيها الجماهير بخناق النظام، وتضيق عليه هذه الخناق أولا بأول، وتشهد جهدا سياسيا جماهيريا لتنظيم جيش الثورة، أو الجهاز الثوري، حيث تتحدد طلائع الجماهير الثورية ويتناسب نمو العامل الذاتي والعامل الموضوعي. ومن خلال الفعل الشعبي المتواصل يتم كشف طبيعة النظام الرجعية، وسبل تخفيه وتمويهاته، وكشف عملائه ومواقع تواجدهم، وبخاصة في أجهزة أمن النظام، وتضييق الخناق عليهم وفي هذه المرحلة يتم وضع اليد على كل نقط ضعف النظام، وما بقى له من قوة، ووضع الخطط لاستغلال هذه وتلك. عموما تصير خريطة النظام مكشوفة تماما لقيادات الثورة، وقمة جهازها الثوري.

(2) – مرحلة إحداث الانقلاب الثوري والاستيلاء على السلطة، وكثيرا ما تتم هذه المرحلة بالتصادمات الدامية، والعنف الثوري الشديد. ولهذه المرحلة مهمتان رئيسيتان:-

الأولى: خلع السلطة الرجعية.

الثانية: تمكين السلطة الثورية.


(3) -  مرحلة تثبيت أركان السلطة الثورية: ولابد لهذه المهمة أن تتم تحت قبضة الفعل الجماهيري السياسي العام، وبكل إمكانيات الحركة الشعبية المتكاملة.

وبعد لقد فصلت نمط الثورة الشعبية، والتي أرصد حركتها في الساحة المصرية الراهنة، وهي تلك الثورة الأكثر ثباتا وأمانا، فهي حركة شعبية عامة، متراكمة في أفعالها وفي وعيها، ومن ثم فهي الأكثر ثباتا وأمانا. ولم أتناول أية أنماط ثورية أخرى، ذلك أننا لا ننتظرها في مصر الآن، أي لن تكون هناك صيغ أخرى. فالنخب السياسية من الموالاة والمعارضة سدت كل أبواب الأمل في التغيير الثوري لإقرار المصالح الوطنية لمصر، والمصالح الطبقية لغالبية الشعب والمجتمع المصري. لقد شهدت مصر حلقات ثلاث للثورة الوطنية الديمقراطية التحررية انتكست كلها، لأن حركة الجماهير كانت مطلوبة كعامل مساعد فحسب. اليوم الجماهير هي التي ستقرر، وبحر قدراتها لا ينضب.

إن جسم الثورة وآلياتها أمر يختلف جذريا عن طبيعتها ومضمونها. وهذه الحقيقة العملية والعلمية تدفع بطلاب العلم إلى التمعن فيها. وسوف أضرب مثلا بالثورة الابرانية، فالبعض ينكر عليها ثوريتها لمضمونها ـ الذي لا يرتضية ـ وهذا ما لن أناقشه فيه، ولكن يكمن جوهر الخطأ في اسقاط شكل وملامح وآليات الثورة الايرانية عنها. وهذا ما يجب الانتباه إليه: التفرقة بين شكل الثورة وآلياتها وتحركاتها من جانب، وبين مضمونها على الجانب الآخر.

كما يجب الانتباه أن الوضع الطبقي للجماهير، يساعد على عملية الترقي بين المراحل الرئيسية والفرعية. فجماهير الطبقة العاملة المنظمة صناعيا، اكثر استجابه لعمليات الترقي تلك، بين جماهير طبقة ثورية ـ أخرى كالفلاحين، وذلك لضعف عملية التنظيم. وبعض الفئات الوسطى كالطلاب أكثر استجابه من المهنيين والحرفيين، نظرا أيضا لتقدم التنظيم.


أحمد شرف

هوامش:


[1]  أحمد شرف : مسيرة النظام الدولي الجديد ، قبل وبعد حرب الخليج ـ دار الثقافة الجديدة ـ القاهرة ـ يناير سنة 1992م "الفصل الثاني ـ الفصل الثالث ـ الفصل الخامس".

 
 
Alexa
لوحـة التعليقات الحرة
على هذه اللوحة يمكنك كتابة تعليقاتك بحرية كاملة دو تدخل، فقط لا يجب أن تزيد على 512 حرفا. يمكنك تزيين تعليقك بأكواد إتش تي إم إل إذا كنت تعرف هذه الأكواد. بمكنك مثلا وضع خط تحت بعض العبارات أو إبرازها أما الإنتقال إلى سطر جديد فهذا يتم بالضغط على مفتاح سطر جديد ولا داعي لكتابة الكود الخاص بذلك. الحروف التي تكون الأكواد محسوبة ضمن الحد الأقصى للحروف - 512. الإسم والبريد الإلكنروني إختياريان وإذا أردت إخطارك بالتعليقات التي تضاف إلى هذه اللوحة عليك تعليم حقل [أخبرني بالتعليقات المضافة على هذه اللوحة] وفي هذه الحالة يجب كتابة بريك الإلكتروني.
الإسم:
البريد الإلكتروني:
أخبرني بالتعليقات المضافة على هذه اللوحة:

  أضـف التعليق

مواضيع ذات علاقة

موضــوعات آخرى للكــاتب
  • ودارت عجلة الثورة - الفصل الرابع
  • مصر صانعة التاريخ الثوري الأقدم للبشرية
  • الإصلاح القائم وخريطة القوى السياسية الحالية
  • استلاب النخبة .. وانطلاقة الجماهير - الفصل الخامس

  • نشـرها: [عزت هلال] بتــاريخ: [2009/06/20]

    إجمالي القــراءات: [126] حـتى تــاريخ [2017/11/22]
    التقييم: [0%] المشاركين: [0]

    شـارك في تقييـم: مدخل نظري وفكري في قضايا الفكر السياسي والثوري
    rate downضعيف 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 ممتـازrate up
    صوت

    النتيجة : 0%
                                                               
    المشاركين: 0
    الآراء والأفكار والإبداعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها وهو المسئول الوحيد عنها وليس بالضرورة أن تتوافق مع موقف إدارة الموقع. من حق أعضاء الموقع التعليق عليها ونقدها ولكي ترفع من الموقع يجب أن يقل تقييم عدد من القراء لا يقل عن 250 قارئ عن 25%.

    ©2009 - 2017 [اللجنـة الشعـبية للإصـلاح] - إنطلقت في2009/02/25 - cms - الإصدار: 2.0.0 - [برمجيـات هلال]