اللجنـة الشعـبية للإصـلاح
من أجل تحرير الإرادة الوطنية
";
تاريخ اليوم: 2017/05/25 يوم السنة: [144] أسبوع السنة: [21] شهر: [5] ربع السنة: [1]
تسجيل دخول عضو [ كود العضو: - كلمة السر: ]
  دخول
  نسيت كلمة السر؟
  تسجيل عضو جديد
  الحرية والعدالة يستنكر دعوة مرشحي الرئاسة إلى مناظرة بأمريكا   رئيس جامعة حلوان يمنع صرف حوافز الجودة لأعضاء هيئة التدريس   سنقف ضد من يريد حرق مصر   جمعة السيادة للشعب ورفض البيان   لماذا ترغب تل أبيب وواشنطن في تأخير الانتخابات الرئاسية في مصر؟   الشعب المصرى سيستمر فى النضال لنيل كامل حقوقه   يرفض الثوار إتفاق بعض الأحزاب مع المجلس العسكري   بطلان بيع شبين الكوم للغزل والمراجل البخارية وطنطا للكتان   ائتلاف الثقافة المستقلة يطلق أول مبادرة ثقافية قومية يقوم بها المجتمع   مات رجل أحبه - مات عيداروس القصير   
 أجندة المناسبات 
 <<    مايو 2017   >>  
الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 31

  الصفحة الرئيسة
  من تحن؟
  إتصل بنا
  أخبر صديق
  إبحث في الموقع
  الكــتّاب
  الأرشـيف
  أسئلة وأجوبة

  ملفــات وقضـابا
  الصوتيات والمرئيات
  أدب وفن
  بيانـات ووثــائق
  الأخبـــار
  المنـــــاسبات
  المجمـــــوعات
  دليل المجتمع المدني


الإشتراك في النشرة اليومية
الإشـتراك في النشـرة الأسبوعية

بحـث في اللجنـة الشعـبية للإصـلاح
إبحــث

المقــالات

  عرض قائمة شاملة[1026]
الإصلاح القائم وخريطة القوى السياسية الحالية
أحمد شرف
  راسل الكاتب

هل الحزب الوطني الديمقراطي حزب سياسي ؟ وهل يشكل تيارا سياسيا حقيقيا في المجتمع ؟ أم إنه مجرد جمعية منتفعين ؟ إن الإجابة على هذه الأسئلة تتحصل من متابعة النشأة والتواصل والفكر الذي يحمله هذا الحزب : ومن حيث النشأة كلنا يذكر أن الرئيس السادات قرر أن يكون
  التعليق ولوحة الحوار (0)
  طباعة
  أرسل بالبريد الإلكنرونى

عنوان هذه الصفحة على الإنترنت هو ما يلي. يمكنك نسخة ولصقه على رسائلك الإلكترونية أو صفحات الويب
http://pcr.misrians.com/articles?77
مصر على أعتاب الثورة
الفصل الثاني


الإصلاح القائم
وخريطة القوى السياسية الحالية


يسود يقين كبير في خطاب القوى الحاكمة في مصر، بأنه لا توجد أزمة سياسية في مصر الآن، فالنظام غاية في الاستقرار، وسياساته تنفذ على أرض الواقع بدون أي معوقات حقيقية، واختياراته نافذة بتأييد كامل من كافة الأركان الداعمة للحكم في مصر، داخلية كانت أو خارجية، ومستوى الأداء الحكومي فوق الممتاز، وأي مشاكل قائمة هي مشاكل معتادة، ولا تخلو أي حكومة في العالم من مواجهة أمثالها بل أضعافها، دون الإحساس بوجود أزمة حادة أو حتى متوسطة الحدة، تلك أمور عادية.

ولا شك أن هذا اليقين له ما يبرره فعلا، ذلك أن مؤسسات القوة في البلاد تساند هذا النظام وتدعمه واقعيا ونظريا، وحتى نأخذ هذا الأمر مأخذ الجد علينا أن نرصد مكامن القوة المؤيدة للنظام بحيادية حتى نفهم واقعية هذا اليقين لدى السلطة القائمة في مصر. وبالرصد الأمين والدقيق توجد عدة جهات حائزة للقوة بصورها المختلفة تدعم هذا النظام أهمهما : ـ


(1) مؤسسات الأمن والقوات المسلحة :

تعبر مؤسسات الأمن والقوات المسلحة عن ولاء حقيقي ومنضبط للسياسات القائمة والمتبعة في مصر في الوقت الراهن، وتشكل أكبر حامية وضامنة لاستمرارها، واستمرار توجهاتها منذ أن نشأت هذه السياسات منذ أكثر من ثلاثين سنة مضت، فحينما اصطدمت سياسات رفع الأجور والأسعار بالجماهير في يناير سنة 1977 نزل الجيش إلى الشارع داعما لسياسات الحكومة ومراجعتها لها. واتجهت القوات المسلحة لمحاربة ليبيا في نهاية السبعينيات حسب التوجهات السياسية آنذاك، وفي سنة 1986 لدى أحداث الأمن المركزي نزلت إلى الشارع مرة أخرى، حقا لم تصطدم بالشارع في نزلتيها، ولكنها أظهرت ولاءها للسياسات القائمة، ثم ذهبت لحفر الباطن في عملية تحرير الكويت من العراق، رغم ما صاحب هذه العملية من إقرار الوجود الدائم للقوات الأمريكية في دول الخليج، كما ذهبت في مهمات خارجية تحت لواء الأمم المتحدة أو القوات الدولية وبخاصة في البوسنة والهرسك في البلقان، وأخيرا توجهت لدارفور. وكذلك رضيت هذه القوى باتفاقية السلام مع إسرائيل، وبخاصة سياسة المناطق منزوعة السلاح، والمخففة التسليح، مع العلم أن سيناء هي البوابة الرئيسية للمخاطر التي تهدد مصر دوما منذ عهود الفراعنة، وقد قامت بتكييف أمورها لتتلائم مع هذه السياسة، ومع توجهها الاستراتيچي العام الدائم والذي لم يتغير رغم هذه السياسات التي يمكن اعتبارها جديدة، وظلت وباستمرار تجري تدريبات مشتركة على عدو واحد مع القوات الأمريكية لمناورات النجم الساطع وغيرها ...

وعليه فإن أي محاولة مفضوحة أو مغرضة للاصطياد في الماء العكر، وتصور أن ينشأ خلاف مع السياسات القائمة من قبل مؤسسات الأمن والقوات المسلحة، أو مع النظام القائم تصور وهمي وغير حقيقي، فعلى الرغم من أن بعض الوقائع المذكورة آنفا كانت يمكن أن تكون مادة خلاف، إلا أن الحقيقة الملموسة قد أكدت مدى انضباط قوات الأمن والقوات المسلحة وإخلاصها للنظام القائم والسياسات القائمة، بصورة لا تثير أي لبس أو غموض. وللحق، على النظام الحاكم وسياسته النافذة أن يفخر كل الفخر بأنه وبأنها تحظى بتأييد هذه القوات، كأكبر جهة حائزة للقوة في البلاد.


(2) أصحاب الأموال والثروة:

لا أستطيع أن أقبل بسهولة أن أصحاب الأموال والثروة في مصر يشكلون طبقة وطنية لها موقع محدد في عملية الإنتاج السائدة في المجتمع المصري الراهن، وذلك لعد اعتبارات:

(أ) أن الطابع الإنتاجي المؤسسي لثروة المجتمع لم يكن في يوم من الأيام ناتجا عن أنشطتهم الجالبة للمال والثروة.

(ب) يعتبر الاقتصاد الأسود «غير الرسمي وغيـر القانونـي» هو المولد الرئيسي لأموالهم وثرواتهم.

(ج) أن عوامل استمرار الثروة وتوارثها عملية هامشية لهؤلاء فمعظم مالكي المال والثروة في مصر هم الذين كونوا أموالهم وثرواتهم بأنفسهم، أو ورثوا القدر اليسير منها، والذي لا يتلائم البتة مع مقادير ما عندهم الآن.

(د) أن أصحاب المال والثروة غالبا ما يوظفون المقدار الغالب من أموالهم وثرواتهم في خارج الوطن.

(هـ) وهذه الفئة جاءت من أصول اجتماعية مختلفة ولها احتكاكات اجتماعية واسعة.


وعليه يمكن تصور هؤلاء كمجرد فئة اجتماعية لها قوة اقتصادية حقيقية. ولها قوة سياسية أكبر من خلال ارتباطاتهم الخارجية. وتثبت السياسات المتبعة أنها هي التي هيئت بل خلقت المناخ الملائم لهذه الفئة كي يزداد نفوذها، وتزداد قوتها، وهذه القوة حقيقية لا يستطيع أحد أن يمارى فيها، ولا شك أنها قوة مساندة للنظام ولسياساته وتوجهاته مساندة صلبة وحقيقية، بل أنها تملك مقدرة وآليات منتشرة لتثبيت السياسات القائمة وتعميقها، ومن ثم تملك فرص حقيقية لقوة واضحة وواسعة الانتشار تدعم النظام وتدعم سياساته الداخلية والخارجية. وهذا عامل مضاف وأساسي يولد يقين النظام بالأمن والاستقرار.


(3) الجهاز الإداري العام في الدولة «مركزيا وفي المحليات»:

اشتط البعض في تصور أن الجهاز الإداري العام في الدولة، يتشكل من كل فئات المجتمع وطبقاته، وعليه فهو جهاز محايد دوما. والحق أن في هذا الاستنتاج بعض الحقيقة، ولكنها انتهت مع تطبيق سياسة الإصلاح الاقتصادي بسياساتها المعروفة في التثبيت والتكيف الهيكلي والخصخصة، ولم يتم هذا التحول في يوم وليلة، بل احتاج الفترة من سنة 1991 إلى الآن، ليتم هذا التحول، ويصير الجهاز الإداري للدولة شديد الإخلاص والولاء للنظام من الغفير إلى الوزير ومن الفراش إلى أعلى المستويات، فسياسات الأجور التي تأخذ بالقسمين الثابت والمتغير، والتي جعلت الجزء المتغير هو الأكبر دوما وهو يتوقف على عدة عناصر كلها في أيدي الرئيس المباشر والرئيس الأعلى، هذه السياسة كفلت أن يرقص الجميع على نغمة من يملك الأمر من أعلى.

ولا شك أن أي متابع من المواقع الشعبية، سوف يلمس هذا التغيير الواضح في الجهاز الإداري للدولة، وبخاصة في أقسامه المتعاملة مع مصالح الشعب في قراه ومدنه. ويبرز هذا الجهاز الكبير والمنتشر كواحد من وسائل القوة والقدرة العالية لمساندة السياسات القائمة والنظام الحاكم، وأن قوته كل قوته، مسخرة وموظفة لصالح السياسات العامة والنظام الحاكم بصورة شبه متكاملة، وقد قلَّت تلك الأماكن التي يمكن توظيفها حتى للمجاملات والخدمات الشخصية للمواطنين ولو في قضايا الصحة والعلاج والتعليم. وأصبحنا بصدد قوة مبلورة وجبارة وموظفة توظيفا كاملا ورئيسيا لخدمة السياسات القائمة والمتبعة من قبل النظام الحاكم لمصر الآن. ويعد هذا باعثا على تمتين اليقين لدى النظام بالأمن والاستقرار.


(4) القوى السياسية والثقافية الغالبة في المجتمع :

يمكن تقسيم القوى السياسية تبعا للمشاركة المباشرة في اتخاذ القرار إلى قوى سياسية في الحكم، وقوى سياسية في المعارضة، وينطبق ذات الأمر على المثقفين فهم أيضا كذلك. ومن المؤكد أن قوى السياسيين والمثقفين الموالية للحكم والمشاركة فيه، قوى مضافة لدعم الحكم، ولكن قد يثور الخلاف حول القسم الثاني أي قوى المعارضة السياسية والثقافية. وحتى يكون التقييم لهذه النقطة موضوعيا علينا أن نجيب على عدة أسئلة أهمها:-

(أ) هل هناك قوى سياسية أو ثقافية من المعارضة مفارقة للنظام أو معادية له ؟ والحقيقة الموضوعية تقول بأن غالبية القوى السياسية المعارضة العلنية منها أو السرية واليمينية منها أو اليسارية والرسمية منها أو غير الرسمية لا تعلن مفارقتها وعدائها للنظام الحاكم أو سياساته السائدة. وإذا وجدت أمثلة لحالات مفارقة فهي لا تزيد عن أفراد متناثرين من هذا التيار السياسي أو ذاك. وكل هذه القوى الأساسية تعتبر نفسها جزء لا يتجزأ من النظام السياسي القائم، ولا تقدم سياسات مغايرة.

(ب) هل تملك أي قوى معارضة سياسات معارضة تختلف جذريا مع سياسات النظام، وبخاصة في تحديد العدو القومي وقواعد الأمن القومي، والتصور للديمقراطية المبتغاه، وإلى أي مدى وعمق وصلت بهذه السياسات سواء على مستوى التضاد والتناقض، أو على مستوى الانتشار وتعريف الجمهور بها ؟ والحقيقة الموضوعية تقول بغير وجود هذه السياسات المعادية لتوجهات السياسات الراهنة بطريقة واضحة ومبلورة، وواصلة للجمهور والمجتمع العام في مصر، ولكن توجد تصورات ضبابية بخلافات ليست محددة وليست واضحة، ومن تابع معركة الانتخابات الرئاسية السابقة، والمعارك الانتخابية البرلمانية السابقة، سوف يدرك صدق ما أقول به، فكل البرامج متقاربة والخلافات ليست موجودة إلا في تفاصيل لا تصلح أساسا أن تشكل خلاف سياسي جذري أو عدائي. ولنتمعن في مسألة واحدة، لم تطرح البتة قضايا الوطن على مستوى الخارج أي البعد الوطني والقومي للسياسة من أي جهة.


وعلى ضوء ما تقدم تشكل القوى السياسية والثقافية من المولاة والمعارضة دعما حقيقيا للسياسات القائمة للنظام، وغاية القول أن هناك انتقادات هنا وهناك، وتصايحات عالية لا ترقى لوضع سياسات مناقضة أو حتى بديلة، والانتخابات تقول بذلك.

وعليه فالقوى السياسية من الموالاة والمعارضة، وكذلك القوى الثقافية داعمة كقوة للنظام وسياساته القائمة، قد يثير بعضها خلافات شكلية كموضوع الوراثة، فهل تملك قوة سياسية أن تقول لا، إذا تمت الوراثة على أسس قانونية وانتخابية أي صحيحة إجرائيا، أغلب الظن أن هذه مماحكات سياسية فارغة. فلم يضج أحد بالصراخ، وأكد أن السياسات المتبعة في مجالات كالخصخصة والأمن القوي المصري وغيرها، خارجة عن القانون والدستور قبل تعديله، وشرح هذا للشعب واحتكم إليه. كذلك لا يستطيع أي إنسان محايد وموضوعي أن يقول بوجود معارضة جذرية للنظام القائم ولسياساته من أي جهة تحسب على المعارضة سياسيا وثقافيا، اللهم إلا بعض الأفراد المتناثرين هنا أو هناك ممن لا أثر لهم.

ويحق للنظام أن ينظر بريبة وشك لبعض الصرخات من جهات تقول بأنها كذا وكذا ويقول: أسمع كلامك أصدقك، أشوف أمورك استعجب !!. وله أن يفخر بأن قوة السياسة وقوة الثقافة المؤثرة، أو اتجاهاتها الرئيسية تؤيده وتدعمه، وتؤيد وتدعم السياسات القائمة والمتبعة وتوجهاتها الأساسية.


(5) القوى الخارجية المهيمنة على أمور العالم ومنطقتنا:

لا يختلف اثنان على أن النظام المصري الراهن وسياسته المتبعة تدخل ضمن الحلف الغربي الإسرائيلي بقيادة الولايات المتحدة، وأن التوافق بين النظام وسياساته موجود وبشدة بينه وبين سياسات هذا الحلف الدولي، وفي القلب منه الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. وهذا الأمر يتم باعتراف الطرفين المصري من جهة والأمريكي – الإسرائيلي – الأطلنطي الياباني من الجهة الأخرى. وكما يقال: الاعتراف سيد الأدلة، والسياسات المصرية الحالية والنظام المصدر لها لا يجد غضاضة في هذا الاعتراف، قد توجد في بعض الأحيان خلافات هنا أو هناك، ولكنها تظل خلافات هامشية، من نوع خلافات الأخوة في الأسرة الواحدة، وخناقات المصارين في البطن الواحدة لا أقل ولا أكثر، أما التوافق بين الطرفين فهو توافق استراتيچي وأساسي ونهائي، وهو محل إشادة دائمة أحيانا ومتقطعة في أحيان أخرى، حتى ولو قطعت أمريكا الجسد العربي، والرد الوحيد على هذه السياسات هو الأغنية الشعبية: قطعني حتت، وارميني في الزيت !!!.

وهذا التوافق الاستراتيچي يمتد من السياسة والديمقراطية إلى الاقتصاد والمعونة، إلى كل الأوعية الاجتماعية، حتى أقصى منطقة في المحليات، إلى التعاون العسكري والتدريبات المشتركة تحت وفي إطار برامج النجم الساطع .. وغيرها. وكل دروب هذا التوافق وهذا التعاون معلنة ومقننة وشفافة، وسآخذ مثال واحد بدا لفترة أنه محل خلافات كبرى ومؤثرة، وهذا الخلاف حول الديمقراطية، ورأيي أن هناك إعجاب وإقرار ثقافي واسع في مصر بالديمقراطية على النمط الأمريكي – الإسرائيلي، غير أن هذا الإقرار مبتور وجزئي فلنتذكر سويا أن العالم الغربي بقيادة أمريكا وإسرائيل أقاموا الدنيا، ولم يقعدوها ضد الاتحاد السوڤييتي السابق وكتلته الاشتراكية الأوروبية، باعتبارها ضد حقوق الإنسان، وباعتبارهم أنظمة شمولية، مع أن التحول إلى النقيض الاجتماعي والسياسي تم في نطاق هذه الأنظمة الشمولية بدون مجهود يذكر، ما علينا !! ولكن كان كل هذا الهجوم الغربي – الأطلسي لأن هذه الدول لا تسمح بهجرة اليهود إلى إسرائيل، ولما امتثلت هذه الأنظمة الشمولية إلى هذه الضغوط، صارت وبقدرة قادر أنظمة ديمقراطية، وبعضها ممن دخل في حلف الأطلنطي صار يحترم حقوق الإنسان، مع العلم بأنه يقمع المظاهرات المعادية لاستبداده وجوره ودكتاتوريته !!!.
 
ولا أتصور أنني أبحث هنا عن الديمقراطية في أنظمة مدموغة بها، حتى لو استحالت فكرة التغير المضاد فيها، ولكن أنبه فقط إلى أن الأنظمة المهاجَمة قبل السقوط كانت أكثر ديمقراطية من بعد السقوط، وهذه حقيقة سياسية ودراسية لن نخوض فيها، ولكن غاية القول أنها أصبحت ديمقراطية في نظر أمريكا وإسرائيل والغرب بمقدار ما توافقت سياساتها معهم، أي أن الديمقراطية لم ولن تكون هما أمريكيا ولا إسرائيليا في داخلهم أو في خارجهم إلا بمقدار توافق المصالح لها ومعها، وللدقة مع مصالح القوى المهيمنة على سياساتهم.

ومن ثم كانت السعودية أكثر ديمقراطية من عراق صدام حسين، الذي طور وحرر كثيرا من الطبقات الدنيا في المجتمع العراقي، والتي تقاوم الآن، وذلك كله مقرر في نظر أمريكا وإسرائيل والاتجاه الغالب في السياسة والثقافة المصرية الحالية. ولن نقف عند الخلافات كثيرا، ولكن قصدت التأكيد على نتيجة محددة، وهي أن النظام المصري والسياسات المصرية سوف تكون ديمقراطية في نظر أمريكا وإسرائيل بمقدار توافقها مع سياسات هاتين الدولتين وحلفهما الغربي والشرقي والأطلسي. وأن الضغوط الديمقراطية الأمريكية على مصر هي ضغوط لمزيد من تأمين التوافق السياسي، والتحالف الاستراتيچي العام.

والحقيقة تقال أن أمريكا تملك علاقات دافئة بل ساخنة مع الجميع في مصر: موالاه ومعارضة – يمين ويسار – علمانيين وإسلاميين – مسلمين ومسيحيين ... الخ. فإلام الخلاف بينكم إلام ... وهذه الضجة الكبرى علام ؟ السياسات القائمة في مصر ديمقراطية، وأمريكا وإسرائيل تراها كذلك، غاية الهم أن أمريكا وإسرائيل تريد مزيدا من تأصيل طابعها الديمقراطي هذا، حتى يمكن قلقلة أو ضرب الوحدة الوطنية في مصر، فهزها وتفتيت الدولة الوطنية هي أحد المهام الديمقراطية الساخنة لأمريكا وإسرائيل على مختلف الأصعدة، وفي مختلف الأنحاء وبخاصة في منطقتنا العربية وما جاورها في الشرق الأدنى والقرن الأفريقي وأفريقيا شمال الصحراء ... الخ. والنظام في مصر صاحي، فللتورط حدود.
 
وعليه نحن بصدد خلافات وهمية فالأساس الاستراتيچي للتوافق والتحالف متين، وغاية في المتانة. ولاشك أن أمريكا وإسرائيل وحلفهما الغربي الشرقي الأطلسي يؤمنان القوة الأكبر في الخارج، مما يعد تأمينا لمكامن القوى لدى النظام الحاكم وسياساته الراهنة في مصر. وللحق، على النظام أن يفخر بتأمين هذه القوة الأكبر في تاريخ البشرية حتى الآن، كقوة صديقة ومعاونة، وحليفة له.


اليقين بالقوة حقيقة ظاهرة :

مما سبق يحق للنظام الحاكم في مصر، أن يمتلك هذا اليقين بقوته، فكل أوراق القوة الداخلية والخارجية في يديه، وقد تأمنت بحكم فطنة النظام وكياسته ومجهود رئاسته، وصفاء ذهن سيادته. وهذه حقيقة لابد أن تقال ولابد من رصدها، فنحن في ظل سياسات هي الأطول استمرارا منذ بداية تاريخ مصر الحديثة، وأكثرها استقرارا، وكل قوى النخبة، أو غالبها تلتف حولها. وكل أوراق القوة الداخلية والخارجية تحميها وتضمنها وتؤمنها. ولكن كيف ذلك ؟

للإجابة على هذا السؤال وجدتني منساقا لمسارين للأحداث «سيناريوهان»:

الأول: تصوري وخيالي يرتبط بمفردات حياتي وتكويني السياسي العملي، فأنا لمن لا يعرف أصبحت روائيا، ورغم نشر روايتي في أهم وأكبر سلسلة لنشر الروايات في مصر، وهي سلسلة روايات الهلال منذ حوالي سبعة شهور، ولم يشر إلى هذه الرواية ناقد واحد أو مثقف واحد مؤيدا أو معارضا، مادحا أو قادحا، معترفا أو منكرا، إلا صديقا واحدا أشار بسطر واحد على عمود واحد في فواصله بتقريظ هذه الرواية، رغم كل هذا فأنا أعترف لنفسي وبنفسي أنني أمتلك القدرة الروائية، وعليه فهذا التصور يشكل البعد الأول. أما البعد الثاني فأنا مارست العمل السياسي والحزبي لمدة أكثر من ثلاثين عاما بطريقة سرية، وعليه فمعظم قواعد العمل السري قد درستها، وجعلتني لهذا ضليعا في العمل السري، أفهمه وأتصوره، يداعبني ويلاعبني، أتحسسه وأشمه، وأنا في قمة عافيتي الصحية لحاسة الشم، وكذلك وأنا مزكوم، بمعنى قد أشم رائحة حقيقية، وكذلك أشم أحيانا روائح كاذبة. لهذا فالتصور الذي سأرويه قد تكون رائحته حقيقية، وقد تكون رائحته كاذبة، ولكنه يظل تصور من كوني لدي مقدرة روائية، ولدي معرفة كبيرة بالعمل السري وفنونه وتصوري الخيالي كالآتي :

أن هناك تنظيم سري له شكل التنظيمات حديدية التكوين، فهو تنظيم عنقودي، أي يتكون من سلسلة كبيرة من الخلايا العنقودية، لا يعرف أي عضو فيه غير أعضاء خليته، ولا يعرف مستواها، ورئيس الخلية الثانية يعرف رئيس الخلية الأولى، ويتلقى التعليمات منه، ويبلغها لأفراد خليته، ولمسئول الخلية الثالثة وهكذا دواليك. فهذا التنظيم السري مكشوف لقيادته فحسب.

وأتصور أن كل خلية من خلايا هذا التنظيم الحديدي، السري والعنقودي تضم واحدا من ممثلي الخمس مصادر للقوة التي استعرضتها سابقا، سواء بمعرفة كتلته التي يأتي منها أو بغير معرفتها. ولهذا فالتنظيم شديد السرية والانضباط، وعظيم الأداء، وهذا الذي يبرر لي قوة هذا النظام واستقراره، فهذه السلسلة الكبيرة من الخلايا خماسية التكوين تطول كل مفردات الواقع والحياة السياسية والعامة في مصر، على صعيديها النوعي والجغرافي.

ومما لا شك فيه أن تصوري الخيالي هذا، الذي صاغته أبعاد تكويني السياسي والثقافي، يرتبط بأنني لا أملك يقين النظام حول قوته. ذلك أن السياسات القائمة تتصف بعدة صفات قد أعلنتها مكتوبة – من وجهة نظري – يوم الأحد 14 من صفر سنة 1420 هجرية الموافق 30 من مايو سنة 1999 ميلادية على صفحات جريدة " العربي " التي يصدرها الحزب العربي الديمقراطي الناصري، كما نشرتها في كتيب سابق بعنوان " مصر في حبات العيون " في شهر يوليو سنة 2005، قلت في أول كلمة وأول صفحة منه ما يلي:

«في حوار دائم مع النفس وفي يوم 5/ 5/ 1995 توصلت بحسم إلى أن السياسات القائمة في مصر وصلت إلى ثلاث نتائج خطيرة تستوجب تغييرها،

أولا: أنها سياسات منقلبة على الدستور والقانون، وأنها سياسات غير شرعية بأي معيار، سواء كان قانوني أو واقعي، وأنها سياسات معادية للمجتمع العام في مصر.

ثانيا: أنها سياسات تخدم الأهداف الاستعمارية، وتهدر الأهداف والمصالح الوطنية، وأي تصور أدنى لمبادئ الأمن القومي المصري.

ثالثا: أنها سياسات تسد كل الطرق أمام التداول السلمي للسلطة، وتستبعد كل العناصر الوطنية من أي مدرسة سياسية تكونت في مسيرة تحرير مصر واستقلالها، وتعتمد على هيئة المنتفعين بالنظام الذي تنطلق منه، والأخطر أنها أخذت تعتمد على العناصر الموالية للفكر والسياسات والمصالح الاستعمارية الأمريكية والصهيونية والغربية عموما، وتعلي من وضعيتها داخل أجهزة السلطة والمجتمع».


هذا الاعتراف بالمفارقة والمعاداة لهذه السياسات هو الذي أوجد هذا التصور الخيالي لدي، بخاصة أنني سياسي متمرس وخبير في الفكر والممارسة السياسية وأعلم علم اليقين، أن الدولة المصرية الحالية، وصلت لمرحلة الدولة الرخوة، وهي دولة شديدة الاهتراء المؤسسي، غير قابضة بحق وموضوعية على عناصرها، أي عناصر تكوين الدولة أي الشعب والأرض والسيادة عليهما، قد تكون دولة شرسة على النمط البوليسي، وهذا نفسه شعار الدولة الرخوة: أسد عليَّ وفي الحروب نعامة !!! إن كل هذه المتناقضات أمامي وفي مرصدي، هي التي جعلتني أسطر هذا المسار الخيالي ليقين الدولة بالهيمنة على مكامن القوة فيها.

التصور أو المسار الثاني ليقين الدولة بقوتها وهيمنتها على قواها هو التصور الواقعي والمرصود بالوقائع والأخبار ويقول بهيمنة وتسلط مركز النظام على كل أبنيته وأطرافه. في حوار طريف مع صديق حول هذه الظاهرة ذكرني بأنني خدمت كجندي في القوات المسلحة لمدة ست سنوات من سبتمبر سنة 1968 حتى بداية سنة 1974، وعليه فأنا أعرف بعض الآليات السائدة في القوات المسلحة، وذكرني بأنني كنت مترجما مما أتاح لي الاحتكاك بالمستويات القيادية منها، وسألني باعتباره كان ضابطا كبيرا، هل تعرف شخصية الضابط العظيم «سلوكياته وتصرفاته وأسلوب عمله وطرائقه»، فقلت له ماذا تقصد ؟ قال " الضابط العظيم " منا ينطلق في عمله من أن كل التابعين له في العمل مفروض أن يكونوا خاضعين له خضوعا مطلقا لا نقض فيه ولا إبرام، فإذا حدث وشذ فرد أو خرج عن هذا النظام، يقوم الضابط العظيم، بكسر أنفه، ومرمطته أمام محيطه، وكسر إرادة التمرد والاستقلال له في العمل كسرا مؤكدا، وبعد أن يطمئن لأنه اهتز وفقد كل مقومات تمرده أو حتى استقلاله وكبرياءه، يسوقه إلى المكتب، أي "يديره مكتب" للمحاسبة، ويجازيه ويعاقبه، فيكون عبرة لغيره. ضحكنا وفسرنا كثيرا مما نسمعه عن مدى انسحاق قيادات النظام أمام بعضها البعض من الأقل للأعلى، لقد خلق هذا الانسحاق فوبيا الرئاسة لدى الكثيرين بطريقة تبدو مثيرة للعجب لمن هو ضحية هذا الخوف المرضي، ممن يفترض فيه – وهذا واقعه- مسئول كبير، بل عالي المقام، وصاحب معالي.

إننا نعيش وسط هذا المجتمع، ولسنا منعزلين عن معرفة ومتابعة أخبار قياداته في كل المواقع، وحائزي القوة فيه، ولاشك أن تسلط الرؤساء على المرءوسين عاملا مجلبا للهيمنة وقوة اليقين بها، ولا نريد أن ندخل مقهى الفضائح في هذا المجال، ولكن كل من يقرأ هذه الأسطر سيتمثل وقائع يعرفها عز المعرفة. وهذا سبب أول.

أما السبب الثاني والأهم أن محيط القيادة بمفرداته لا يرتبط على نهج أيديولوچي أو فكري أو حتى على قيم عامة ومطلقة، كقيم حب الوطن، وحب الخدمة العامة .. الخ، ولكن ما يسود في العلاقات الداخلية لهذا المحيط الحاكم وحدة المصالح، فنحن بصدد جمعية منتفعين لا أكثر ولا أقل. همَّ قريب لي من الشباب بسؤالي عن خبرتي في منظمة الشباب الاشتراكي، وكيفية بناء دائرة من الكوادر السياسية؟ سألت بدوري هذا الشاب، على أي أيديولوچية أو فكر تريد بناء الكوادر؟ هل تؤمنون بالتحرر الوطني ؟ وهل تؤمنون بحق الكادحين جزاء كدحهم ؟ وهل .. وهل .. ؟ ماذا لدى النظام الآن من فكر أو مواقف يجند عليها الكوادر ؟ في الحقيقة ليس لديه سوى المصالح، ومحيط المصالح ضيق، فهو يضيف لجمعية المنتفعين، ولكنه لا يبني كوادر سياسية أو كفاحية أو مناضلة.

إن أي متابع لأمور النظام والحكومة في مصر الحالية يعلم علم اليقين مدى حرصهم على استبعاد أي سياسي من أي اتجاه طالما بقى مستقلا، أو محتفظا بأصوله الفكرية والسياسية المتولدة عن انتمائه لأي تيار سياسي وطني تربى فيه، قبل الانخراط في خدمة النظام وسياساته. فإذا كان هذا حال السياسيين، فما بالك بحال التكنوقراط والتجار، ومن لم يتمرسوا على الانخراط في صفوف نضالية أو قوى تؤمن بأفكار وقيم عامة، أو أيديولوچيات سياسية.

لقد حاول النظام جاهدا ومنذ أيام الوزير منصور حسن أن يبني منظمة للكادر السياسي، ولكن كل هذه المحاولات فشلت، هل يتصور عاقل أن سياسات التبعية للقوى الاستعمارية العنصرية والصهيونية، تبنى كادرا سياسيا ؟ وهل يتصور عاقل أن سياسات إهدار أي مفهوم علمي، ولو على أعتاب الحد الأدنى للأمن القومي المصري تبني كادرا سياسيا ؟ وهل يتصور عاقل أن السياسات التي تعادي كل سبل التنمية الإنتاجية، التي تضيف لأصول الثروة في المجتمع يمكن أن تبني كادرا سياسيا ؟ وهل يتصور عاقل أن السياسات التي تزيد الفجوة بل الهوة بين الأغنياء والفقراء، والتي تجعل الغني يزداد غنى وكأنه يركب الصواريخ إلى مصادر الثراء غير المحدودة، والتي تجعل الفقراء يزدادون فقرا على كل المستويات الأفقية والرأسية، هل هذه السياسات تخلق كادرا سياسيا ؟

هذه الأسئلة تنقلنا إلى قضية أخرى أهم، هل الحزب الوطني الديمقراطي حزب سياسي ؟ وهل يشكل تيارا سياسيا حقيقيا في المجتمع ؟ أم إنه مجرد جمعية منتفعين ؟ إن الإجابة على هذه الأسئلة تتحصل من متابعة النشأة والتواصل والفكر الذي يحمله هذا الحزب : ومن حيث النشأة كلنا يذكر أن الرئيس السادات قرر أن يكون رئيسا لحزب، فهجر كل أعضاء حزب مصر العربي الاشتراكي حزبهم في يوم وليلة وتحولوا جميعا إلا نفرا قليلا إلى هذا الحزب الجديد، فنحن بصدد جماعة كل همها أن ترتبط بالسلطة، وحتى الآن ومنذ ما يقرب من ثلاثين عاما لم يصدر هذا الحزب ميثاقا أو برنامجا سياسيا بالمعنى الاصطلاحي للكلمة، وكل ما أصدره برامج انتخابية أو برنامج انتخابي وحيد بمناسبة الانتخابات الرئاسية، هو مجرد تجميع لأوراق حكومية. أما ما يسمى ببرنامج سياسي حقيقي ومتميز، فهذا ما لا يوجد أبدا، إن هناك رؤساء وزارات خرجوا إلى المعاش، وقيادات حزبية كفت عن العمل السلطوي فهل لواحد من هؤلاء أي مس ولو خفيف أو ظلال سياسية أو حتى ثقافية، إننا وبموضوعية أمام مجموعة من المنتفعين بالنظام، أو تجمع للانتفاع بالسلطة وبخيراتها التي لا حد لها على من يخدمها ويخدم في إطارها، ومع ذلك كثيرا ما يتشدقون بأنهم حملة شهادات عليا، ومعرفة وكفاءة عالية، ولكن شتان ما بين السياسة الجزئية والسياسة العامة.

لقد كنت ومازلت اختلفت اختلافا جذريا مع الرئيس أنور السادات وسياسته، وانكرها وأعاديها، ولكن السادات كان، وكان معه أناس سياسيون، كانت هناك سياسة، أي تصور عام للمصالح العامة للمجتمع، وهذا غير الموجود الآن فلا وجود إلا لتصورات عن المصالح الخاصة وشديدة الخصوصية لمن هم في مواقع السلطة ومساندتها، الوطن ليس في وجدانهم، ولا في سلوكهم، ولا حتى في بروباجندا مفتعلة يصرخون أو يتغنون بها. إنهم يخاصمون الوطن.

تتسرب بين الفينة والأخرى معلومات بأماني للسلطة، أن تخلق إلى جوار الحزب الوطني الديمقراطي، حزبا كبيرا يقدر على المنافسة وتداول السلطة على النمط الأمريكي أو الأنجلوسكوني، أو حتى اللاتيني والغربي عموما. هنا نعيد طرح ما سبق: ان الحزب الوطني الديمقراطي نفسه ليس بحزب، ولا توجد طبقة حاكمة لها موقع مرصود في العملية الإنتاجية للبلاد، فكيف يكون لها حزب أو أكثر. إن الرأسمالية في البلاد الغربية طبقة مناضلة ضد الإقطاع وفي غمار نضالها هذا ضد الإقطاع بنت الديمقراطية بالدم، وتطورت هذه الطبقة وظهرت فيها تكوينات متعددة ومختلفة وذات مصالح مختلفة في نطاق التوحد المصلحي العام، بخاصة أن الطبقة العاملة الغربية دخلت حلبة الصراع منذ البداية، وأمّنت للديمقراطية الغربية جانبها الاجتماعي ولو في الحد الأدنى لنضالها، هذا النضال الذي قد يصل إلى الإيمان بالشيوعية في حالات، أو يقصر حتى الإيمان الاشتراكي الخيالي أو الأخلاقي أو حتى الإمبريالي (المنتشر حاليا) في أحيان كثيرة، مما أوجد إطارا نضاليا عاما للديمقراطية الغربية شاركت فيه كل الطبقات. إنها ديمقراطية متينة لها سند اجتماعي.
 
فأين هذا مما يدور في بلادنا الآن، ما علاقة أي رجل، ولو فرد واحد في بنية السلطة العامة من أعلاها إلى أدناها بمواقف نضالية في إحقاق الديمقراطية الوطنية المصرية، وهل لهذه السلطة سند اجتماعي يمثل هذا المطلوب، إنها سلطة تجمع أو مجمع المصالح، فكيف لها أن تبني حزبا سياسيا. لقد شهدت مصر في غمار مقاومة المحتل ميلاد أربعة تيارات ومدارس سياسية: الليبرالية والشيوعية والإسلامية والقومية العربية «الناصرية» فأين الحكم من هذه المدارس الأربعة وأين أفكاره من أفكارها. وأين معاداته للاستعمار وهو يدق المنطقة العربية على عنقها، وفي أكثر من قطر. إن لهذه التيارات الأربع الفضل في صنع ما يسمى في بلادنا بالهامش الديمقراطي الموجود.

حقا لقد انقسمت المدارس الوطنية الأربعة انقساما طوليا، وتوزعت على خندقين: خندق الوطن ومحبيه والمدافعين عنه، وخندق أعداء الوطن ومحبطيه ومخربيه، ولاشك أن الخندق الأول تقل فيه أماكن النخب درجة درجة، ويمتلئ بالجماهير الآخذة في الوعي الثوري درجة درجة. وحتى من تنكب طريقة من المدارس الوطنية يتميز عن أعضاء جمعية المنتفعين بالسلطة، هؤلاء الأعضاء الذين تتميز مسيرتهم الحياتية منذ أول خطوة بأنها في اتجاه الثروة والسلطة، ولم تعرف القيم الوطنية، والمصالح الوطنية العامة أبدا.

إن اليقين المستند على القوة المادية هو يقين التسلط والدكتاتورية، وللسلطة الحق كل الحق في أن تغترف من هذا اليقين قدر ما تطول، ولكنه كان وسيظل يقينا تصنعه عناصر القوة فحسب، يقينا لا يستمد من التأييد الشعبي، الذي هو عين اليقين، ولا يستمد من الدفاع عن مصالح الوطن، حتى ولو تخفت النتائج لبعض الوقت. إن ثلاثين سنة أو أكثر كافية لمعرفة نتائج السياسات المتبعة.


الإصلاح المتبع ... جوهره واحتمالاته

تتغنى السلطة بأنها تتبنى نهج الإصلاح، والإصلاح عملية تعديل تراكمية تنتج في النهاية آثارا إيجابية ظاهرة. وحينما قالت السلطة بالإصلاح الاقتصادي حققت في الواقع انقلاباً في الاتجاه أخذ يتعمق حتى صار ثورة مضادة واضحة وحقيقية لمسيرة التنمية الاقتصادية الاجتماعية التي جرت في مصر على يد ثورة 23 يوليو حتى سنة 1970. فمنذ قانون الإصلاح الزراعي الأول في 9 سبتمبر سنة 1952، تم تغيير علاقات الزراعة لضرب البنية شبه الإقطاعية لبنية اقتصادية وطنية متحررة، صاحبها تحرير اجتماعي واسع للفلاحين من العلاقات شبه القنانية (القرارية) إلى علاقات الفلاحين الأحرار، وحررت الأرض وعلاقات الملكية لمنفعة الفئات الوسطى وصغار الفلاحين مما ساعد على التنمية الزراعية، واستقرار وتقدم علاقات العمل في الريف المصري، وتطوير المجتمعات الريفية طبيا وتعليميا وحضاريا، مما ساعد على تطوير المجتمع العام في مصر كلها. فماذا جاء به الإصلاح الذي جسدته السياسات الحالية ؟

ارتدت بالعلاقات الزراعية إلى عهود الظلم والاستبداد الواضح على الفلاحين، وهبطت بالمستوى الاقتصادي والاجتماعي للفلاحين، وفاقمت من نسبة الجهل والفقر والمرض. في دراسة حصرية لثلاث قرى في إحدى المحافظات ثبت أن نسبة الأمية بين النساء هي 88% وبين الرجال فوق 55%. وفي دراسة لحساب حالات الفشل الكلوي في ثلاث قرى في محافظة أخرى، وجد أن متوسط القرية الواحدة حوالي 62 من حالات الفشل الكلوي بمعدل 10 حالات في الألف، أو حالة بين مائة مواطن، وبسؤال أبناء هذه القرى، قال الكبار بأنهم لم يكن يسمعون بالفشل الكلوي مطلقا منذ خمسين عاما، وحصر طبيب منهم النسبة بأنها لم تكن تتعدى 0.1%، أي حالة في الألف. أما عن الفقر فهو في الريف يقترب من ثلثي المقيمين فيه الآن. فأي إصلاح هذا أليس ذلك الإفساد بعينه !! وأنا أقول بذلك من خلال المعايشة، وليست الأرقام التي أعرف كيف تضرب !!

ولن نتكلم عن ازدياد الفجوة الغذائية وقلة المحاصيل، وانهيار زراعة القطن طويل التيلة، فالخراب واسع ويتسع دوما. ولن نتكلم عن عودة جرائم كانت قد اختفت أو تقلصت جدا في الريف: كسرقة المواشي أو تسميمها، خلع المزروعات، أو حرق المحاصيل، وحتى جرائم الثأر، ناهيك عن تزايد هجرة المتعلمين وغير المتعلمين بطريقة دائمة أو متقطعة، وتحول القرية من القرية الإنتاجية للقرية الاستهلاكية.

وعن الصناعة فهي في أسوأ حال، وجاء الإفساد المسمى زورا بالإصلاح يضرب محاولة النهوض الصناعي ضربات موجعة وقاصمة حتى للصناعات التقليدية وذات العمر الطويل في مصر، منذ عهد محمد علي وطلعت حرب حتى عهد عبد الناصر.

لقد رجعنا لصيغة اقتصاديات المستعمرات، أي تلك الصيغة التي تستنزف المواد الخام للخارج، وتحول أسواق الداخل لتصريف المنتجات الخارجية، ويفتقد هذا الاقتصاد لطابع الاستقلال والنمو الذاتي. ويصدر العمالة الماهرة ويستورد الخراب.

إن بعض تلامذة الاقتصاد الجزئي خريجي المعاهد والجامعات الأمريكية، ممن يحتلون المناصب الرفيعة في إدارة الاقتصاد المصري حاليا، يزهون بأن دراستهم ومعارفهم ومستوى أدائهم على المستوى العالمي، ونسى هؤلاء أنه مهما كانت المزاولة الفنية فهي لن تصلح أي شيء في ظل خيار خاطئ وسياسة اقتصادية تدعم اقتصاديات المستعمرات.

في كتاب اقتصادي قديم "لسمير رضوان ومابرو" عن التصنيع في مصر وتاريخه ومستوى الأداء، أكدا على فكرة جوهرية: أن ارتفاع مستوى الأداء والجودة رهن بالخيار الاستراتيچي الصحيح، وليس بالمزاولة الفنية. يقول المثل البلدي: "إيش تعمل الماشطة في الوش العكر". وهذا جوهر الأمر، إن التكنيك المتقدم وحده لا ينجز حسن الأداء، ولكن لابد أن يكون التكنيك المتقدم في ظل خيار استراتيچي صالح وصحيح ... هكذا بنى مهاتير محمد ماليزيا في 30 عاما، هي عمر السياسات السائدة في مصر حتى الآن، والتي أدت إلى الخراب والنهب الحالي. لقد كانت ماليزيا آنذاك بعدنا بكثير، الآن الاقتصاد الماليزي يعد واحد من أكبر عشرين اقتصادا في العالم. والاقتصاد المصري يقف بعد مرتبة المائة والعشرين، في حين أن ودائع المصريين الخارجية تكاد تقارب ربع تريليون دولار. أن ما يسمى بالإصلاح الاقتصادي هو في جوهره إفساد اقتصادي، وتفريط في مصالح الوطن الاقتصادية والاجتماعية. فماذا عن الإصلاح السياسي ؟

عندما دعى الرئيس حسني مبارك من مسقط رأسه في المنوفية إلى تعديل المادة 76 من الدستور، لأن تكون الانتخابات الرئاسية بين أكثر من مرشح، وذلك في فبراير سنة 2005. تصورت أن النظام تخلى عن يقين الإحساس بالقوة، وسوف يبدأ فعلا مرحلة الإصلاح السياسي، وقمت بكتابة ونشر كتيب "مصر في حبات العيون" لأعمق هذه الدعوة، واقرنها بما يعمقها ويؤصلها، أي بوضعها بين يدي الجماهير، لدرجة أنني قلت يجب أن تكون ضمانات جدية الترشيح بيد الجماهير، سواء موافقة نصاب معين من المواطنين في عدة محافظات على المرشح، أو بأن تنقى جداول الانتخابات حتى تطابق بيانات السجل المدني لكل المواطنين فوق 18 سنة للانتخاب. وتصورت أن هناك ثلاث مسارات للإصلاح ستجمل النظام القائم هي : ـ

(أ) أن يقوم مرشح جديد للسلطة على طريقة قطع لثالث مرة، أي بعد الرئيسين أنور السادات، وحسني مبارك التي استمرت سياساتهما الحالية بطريقة متصلة وواحدة في مصر حتى حينها، وكان ظني أن هذا المسار سيوهم بتدفق مياه جديدة قد تلطف الأجواء بعض الشيء، فالأجواء السياسية كانت قد اكفهرت، وتلبدت بالغيوم إبان نهاية حكم الرئيس السادات، ومع مجيء الرئيس حسني مبارك سادت موجة من الرجاء والأماني لطفت هذه الأجواء، غير أن السياسات الساداتية أوغلت في اتجاهاتها بصورة أخطر على يد الرئيس حسني مبارك، وكان لابد من تبديد الغيوم قبل أن يقفل الجو، ويكفهر، ويتلبد باكثف طبقة من الغيوم السياسية في عمر مصر الطويل. ولكن خاب ظني، ولم يتحقق هذا المسار الذي لم نكن نحلم فيه بغير تلطيف الأجواء.

(ب) أما المسار الثاني الذي توقعته عن غير اقتناع، ولكن تحت إلحاح الجميع بالضغوط الأمريكية الديمقراطية، أن تحدث " ثورة " على النمط البرتقالي «وهي بالطبع في رأيي ليست بثورة». ولكن ومع علمي بوجود شخصيات معدة لهذا الدور، كنت أعلم أن بيئتنا المصرية والعربية، ليست مهيأة للثورات الملونة تلك، لذلك لم انتظر هذا المسار، ولم أنظر إليه بجدية بتاتا، وإن كنت ذكرته على سبيل حصر كل الاحتمالات.

(ج) رجحت المسار الثالث، وقلت أن تجرى معركة الرئاسة بين ذات الشخصيات من معسكر المولاة والمعارضة، وهذا ما حدث، مع خطاب ليبرالي تجميلي، وهذا حتى لم يحدث، عن الحريات السياسية والحقوق السياسية الفضفاضة .. الخ.
 
وميزت بين هذه الرؤية الإصلاحية الخفيفة واللامعة، وبين الإصلاح الجاد والحقيقي، والذي يفضي لتغير حقيقي ويكون: بتغير السياسات – وأن السياسات الجديدة يلزمها ساسة جدد، وفي هذه الحالة لا يهم من يتولى الرياسة، حتى ولو امتدت فترة الرئيس بدون انتخابات على أن تكون فترة انتقالية تطلق فيها الحريات العامة، وبخاصة ذات الطابع الجماهيري منها تمهيدا لإجراء انتخابات جمعية تأسيسية تضع أسس النظام والدستور الجديد. وفي هذه الفترة الدستورية يتم تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء والحبوب على وجه محدد، ويتم وقف سياسة الخصخصة واسترداد المباع من القطاع العام، ويتم القضاء على ظاهرة أطفال الشوارع، ومحو الأمية محوا عاما ونهائيا، ويتم إدخال كل المواطنين تحت عباءة التأمين الصحي، والمعاشات، وتطهير الساحل الشمالي من الألغام ومطالبة الدول المتسببة بالتعويض لزراعته بخاصة أن به مياه عروة أو حلقة في دورة زراعية من المطر في فصل الشتاء ... الخ.

ولكن خابت كل الظنون وكل الأماني وتم تعديل المادة 76 بصياغة لائحية أي أدنى من الصياغة القانونية، ومن باب أولى من الصياغة الدستورية، وجاء التعديل ليقفل تداول السلطة مطلقا، ويقصره على دوائر النظام، حتى أضيق دائرة فيه، وهي الدائرة العائلية فحسب.

وجاءت انتخابات الرياسة بحضور نسبة معلنة أقل من 25% من المسجلين في جداول الانتخابات، الذين هم بدورهم أقل من نصف المواطنين الذي لهم حق الانتخابات العامة فعليا، وبصرف النظر عن صدق أو كذب هذه النسبة من الحضور فهي لا تزيد عن 7% من كل المواطنين المصريين. وللعجب العجاب أنني تتبعت انتخابات دائرة السيدة زينب في سنة 2000، حيث أنها دائرة رئيس مجلس الشعب، وعلمت أن السيد الدكتور رئيس مجلس الشعب، قبلها وبعدها وحتى الآن، فاز بنسبة 7% من المقيدين في جداول القسم فقط. مع العلم أن هذه انتخابات تنافسية فعلية، يدفع إليها عدد كبير من المرشحين على مقعدي العمال والفئات، فإذا كانت المشاركة الفعلية لم تتجاوز سوى 18% من المقيدين في الجداول، فكيف للانتخابات الرئاسية، التي قابلها الشعب بفتور حقيقي ترقى لهذه النسبة.

وإذا كانت نسبة حضور الانتخابات العامة قليلة إلى هذا المستوى المعلن وأقل بكثير في الواقع الفعلي، ألم يدرك الساسة من الموالاة والمعارضة أن السياسات الراهنة لا تنال أي التفاف جماهيري. ومن ثم لا مجال مطلقا لليقين الواسع والعميق، هناك شعار قديم لحزب الوفد يقول: " أن الحق فوق القوة " والحقيقة أن الشعب فوق القوة، وفوق أي قيمة أو شعار سياسي. والواقع المعاش أيضا يقول أن السياسة في مصر الآن بعيدة ومعزولة عن الشعب تماما ..
وحينما تمت معركة الانتخابات العامة، أقدمت السلطات على تعديل الدستور بطريقة غير دستورية. كيف لجهة سياسية أن تنتهك مواد دستورية بنصها وبروحها ثم تدعو لتعديل هذه المواد ليلائم التعديل السياسات المتبعة منذ البداية وقبل التعديل بزمن طويل. هل هذا مسار دستوري ؟ وهل يعني أن هذه السياسات صارت دستورية ؟ إن المراوغة والالتفاف الشكلي يعد من الناحية الموضوعية بطلانا للتعديل وعدم دستوريته حتى لو صلحت الإجراءات والطقوس الشكلية.

هذا هو وهم الإصلاح المطروح، فهو من حيث الشكل ومن حيث الإجراء ليس بإصلاح. أما من حيث الجوهر وحتى نصل للحقيقة يجب أن نفكك هذا الموضوع إلى عدة أسئلة ليجيب عنها من يريد أن يعرف حقيقة هذا الإصلاح السياسي القائم، وأهمها:-

ـ هل الإصلاح السياسي والدستوري قربنا من قضية تداول السلطة على مستوى الرئاسة، وعلى مستوى مجلس الشعب ؟

ـ هل الإصلاح السياسي والدستوري أقر الحريات العامة مثل حرية الرأي وحرية الصحافة، وحق التظاهر، وحق الاعتصام، وحق الإضراب العام، وحق التنظيم الحزبي الحر والمستقل، وحق التنظيم النقابي الحر والمستقل، وحق إقامة الجمعيات الاجتماعية والثقافية والخدمية الحرة والمستقلة، أو هل خطا بنا خطوة للأمام، أو قربنا من إقرار الحد المقبول منها ؟

ـ هل الإصلاح السياسي والدستوري أقر أو حتى قربنا من عملية استقلال القضاء، ومثول المواطن أمام قاضيه الطبيعي، والتزام السلطات بتنفيذ الأحكام كل الأحكام، والابتعاد عن النهج الاختياري في تنفيذها ؟

ـ هل الإصلاح السياسي والدستوري التزم بتنفيذ العهد الدولي للحقوق السياسية والقانونية، كما وافق عليه، ومن ثم صار وثيقة ملزمة، وهل تحقق هذا الالتزام دستوريا وقانونيا ؟

ـ هل الإصلاح السياسي والدستوري التزم بتنفيذ العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كما أقرها، وحول التزامه بها لالتزام دستوري وقانوني ؟

ـ هل الإصلاح السياسي والدستوري أقر سياسيا ودستوريا بضرورة عرض ميزانية الدفاع والأمن على مجلس الشعب والأجهزة الرقابية، كميزانية تفصيلية شفافة وواضحة ؟

ـ هل الإصلاح السياسي والدستوري حرم وجرم تقاضي الموظف العام من أدنى درجة حتى رئيس الدولة أخذ عمولات عن استيراد السلع الاستراتيچية الضرورية للدولة ؟ أو حتى عن إيرادات مؤسسته واقتصار دخله على راتبه المقرر له فحسب ؟

ـ هل الإصلاح السياسي والدستوري حرم وجرم اتخاذ القرارات خارج المؤسسات الشرعية والقانونية التي يجب أن تتخذ فيها مثل هذه القرارات فحسب ؟


والأسئلة كثيرة ولا تنتهي، ولكن الإجابة الموضوعية عنها تتأكد بعزلة النظام وسياسته ومراكز القوة فيه عن الشعب والمجتمع الواسع في مصر، بل عزلة كل النخب السياسية والثقافية عن الشعب والمجتمع. إننا واقعيا بصدد سياسة وساسة معزولين عن الشعب ..

إن هناك قضية تكفي متابعتها لأن تقهر أي سياسي وطني، وتقض مضجعه، وتجعل صدره يضيق عليه. لما تحولت مصر الوطن إلى جهة طاردة، بعد أن كانت مصر الجاذبة، وعمق المشكلة يكمن في أنها طاردة لأولادها، فلذة كبدها. هل كما يقول من هم في المواقع السياسية، وهم غير ساسة، بأنه زيادة البلاد أو عدد سكانها أو نسلها ؟ ألا ينظرون إلى الصين التي تشكل أكثر من خمس سكان المعمورة، ومع ذلك تسعى لضم أقاليمها الشاردة إليها، ولا تخشى مزيدا من السكان.

هل يقول لنا من هم في المواقع السياسية، وهم بغير ساسة، لماذا تستبعدون الساسة الحقيقيين والوطنيين والأحرار من المشاركة في العملية السياسية في مجتمعهم، إن الوطنيين معكم غرباء في وطنهم، شأنهم شأن شعبهم الذي يحس بهذه الغربة كما لم يحس طول عهود احتلاله في عمره الألفي الطويل، لهذا صارت مصر طاردة.

أي إصلاح تقولون به ومازال العدو الوطني صديقا لديكم، وأمنكم القومي مفرط في أصوله كما لم يحدث في التاريخ مطلقا، هل تقرون بأنكم تحت الاحتلال لأنكم غير قادرين على توزيع قواتكم على كامل إقليم مصر، وبالذات عند بوابات المخاطر الدائمة والكلاسيكية، وحتى يتأكد صدق هذا الاستنتاج أرجوا قراءة ولو صفحة واحدة في التاريخ وكانت صفحات الفصل الأول من هذا الكتيب تقرأ لكم وتعلمكم أن هذا يرجع لعمر الدولة الفرعونية القديمة، أي الدولة الوطنية المصرية قبل63 قرن من الزمان، ومن ثم لا داعي لترديد أنكم مستقلون، ولا داعي لترديد أنكم لا تفرطون في أمنكم القومي.

إن الدولة في أقل أدوارها هي الدولة الحارسة لإقليمها، والمحافظة على أمن مواطنيها، فأين الإصلاح السياسي والدستوري من هذا الدور شديد البساطة والاختزال، ولن نقول أين أنتم من ضرورة الالتزام بالخدمات العامة الأساسية للمواطنين ؟ لقد صار التعليم المجاني في الواقع تعليما غير مجاني، وصار تعليما لأولاد القادرين، لقد عمت عملية توريث المهن على أساس الدم، حتى صرنا وكأننا في أسوأ فترات الإقطاع الذي شهدته مصر. لقد زاد عدد المواطنين الذين لا يشربون مياه نقية عن أي فترة في تاريخ مصر، حتى تحت الاحتلال. وأين الخدمات الصحية من أيام عاشتها مصر في الواقع، أيام الوحدات الصحية المجمعة في القرى، والمستشفيات العامة في المراكز والأقسام والمحافظات. أين دور الدولة الاجتماعي في التأمين ضد البطالة، لقد امتدت أيادي الخصخصة الآثمة لترفع الغطاء عن التأمينات والمعاشات المقررة دستوريا – في الأيام التي ترونها دكتاتورية- لتبدلها بالمعاش المبكر، لكي يجد العامل أو الموظف نفسه عاجزا عندما يكبر ويتحول عجزه إلى عوز حقيقي، وتضرب فلسفة المعاش ضد العجز والشيخوخة في مقتل، ويتم تصفية هذه الفلسفة أو العمل على تصفيتها، لماذا يتم استهداف شيوخكم إلى هذا الحد. هل هذه قيم مصرية، أو حتى إنسانية ... لا تهتمون بأطفالكم ولا بشيوخكم، إذن أنتم وسياستكم ضد الضعفاء، هل هذا إصلاح أم هو عين الإفساد ؟

وبعد فالمواجع كثيرة والسياسات خطيرة وواجبة التغيير، وهذا ليس في مكنة النظام أو قواه التي يرتكز عليها كمراكز للقوة. وحينما يفشل في إصلاحها أي مجرد تحسينها شيئا فشيئا، فبالقطع لن يقدر على تحسينها كليا، أو تغييرها جذريا. وهنا نصل لخلاصة هذا الفصل في التلخيص الآتي :-

أولا : أن إصلاح هذه السياسات القائمة لن ولا يمكن لها أن تتم على أيدي النظام الراهن، سواء من دوائر السلطة الحاكمة فيه، ولكل السلطات، الثلاثة المعروفة التنفيذية والتشريعية والقضائية والسلطات الأخرى مثل سلطة الصحافة والإعلام وغيرها. وكل مراكز القوة التي يستند عليها هذا النظام.

وليعلم أي سياسي أن أي مؤسسة في أي نظام لا يمكن أن يكون سقفها أعلى من سقف النظام ذاته، أو من السقف الذي يحدده النظام لها، والذي سيكون دوما تحت السقف العام للنظام وسيسير حسب سياسته العامة والكلية، وطالما التزمت مؤسسات النظام بنظامها وانطوت تحت جناحيه، والمناسبات أكثر من أن تحصى هل في هذا شك ؟

ثانيا: أن الطابع المؤسسي للحياة الحديثة يتحدد كأقوى وكأكبر في مواقفه الكلية من أي أفكار فردية، أو سلوكيات خاصة لأي فرد فيه، وما بقى الفرد ملتزما بالإطار المؤسس المعني، فلن تكون له أي حرية في فعل شيء خارج مؤسسته مهما علا قدره أو تأثيره الشخصي. وعليه فالسياسات المتبعة هي سياسات لكل مؤسسات النظام، وكل مؤسسات النظام ضامنة لها، ومنصاعة لها، حتى لو جرى العرف في النظام أن تكون بعض التصرفات خارج الأطر المؤسسية الشرعية، وحتى يفهم المثل فلو أن تصرفا فرديا اتخذ من أي فرد من دوائر السلطة العليا، لن تستطيع مؤسسة ترتيبها أقل أن تصحح هذا الموقف في بنيانه في ظل الدولة الرخوة القائمة، وفي ظل حالة الانسحاق الوظيفي السائدة.

ثالثا: إذا انطبقت هذه الاستنتاجات السابقة على قوى الموالاة، وهذا من طبيعة الأشياء، فللأسف الشديد سوف يكون هذا الانطباق مسحوبا على قوى المعارضة، بالكيفية الراهنة، والتي هي عليها الآن. فكلها أضحت قوى معارضة مستأنسة من قبل النظام رسمية كانت أو غير رسمية، يمينية كانت أو يسارية، علنية كانت أو سرية. وخبرة العقدين الأخيرين تقول بهذا، وبأوضح بيان. وعليه فكل قوى النخب السياسية من الموالاة والمعارضة عاجزة عن إدارة أو إجراء أي إصلاح سياسي للسياسات السائدة، ومن ثم فهي غير قادرة البتة على تغييرها تغييرا جذريا أو ثوريا، ما بقيت الأمور على حالها، وظلت كل المواقف والمواقع والقوى تراوح في مكانها.


وليس من قبيل الصدف والحال كذلك، أن تنفصل السياسة، وتنعزل تماما عن الشعب. إن هذا الانفصال، هو في جوهره مفارقة ومعاداة وتضاد من الشعب للسياسة السائدة في دوائر المولاة ودوائر المعارضة المستأنسة، وهو الاتجاه السائد والغالب على كل قوى المعارضة، كما قلنا ورددنا، ونؤكد: من اليمين، واليسار، ومن المعارضة الرسمية وغير الرسمية، ومن المعارضة العلنية والسرية. كل هذه المعارضات تسعى، وللأسف، وراء فتات خبز السلطة المسموم، والقوى الداعمة لهذه السلطة. إن نظرة من الداخل تقول: بأن بونات الحج والعمرة الرسمية، والقادمة مباشرة من السفارة السعودية من الأمراء والسفراء وغيرهم، تشكل مصدرا يعطي من لا أعطية رسمية له. لقد سقت مثلا واحدا لعل الجميع يعرف صدق تعميمنا.

لقد تحللت الأبعاد الجوهرية لمهنة السياسة، من كونها مهنة الخدمة العامة والنضال لإحقاق الحقوق العامة، والعمل على تحقيق المصالح العامة للمجتمع وللشعب وللأمة. حتى صارت مهنة البحث والسعي وراء الثروة، والسلطة، وتحولت السلطة إلى أكبر أداة مولدة للثروة الشخصية والخاصة لأفرادها. لقد جاءت لي قريبة من أساتذة الطب في الجامعة، وسألتني هل حقا يعد تكوين أي حزب من اكبر المشاريع كسبا في مصر الآن ؟ فوجئت بالسؤال، وقلت لها انظري لحالي لتري الإجابة، فقالت لي أنت لست مقياسا، وعددت لي أسماء بذاتها ممن يؤكدون الإجابة على سؤالها بالإيجاب، فقال واحد ممن يجلس معنا، ليست الأحزاب فحسب، ولكن الصحف أيضا.

وعاش معي هذا الاستنتاج، وفي أول أيام سنة 2008 وفي برنامج تليفزيوني تحدث عدد من الخبراء عن التنبؤ بأحوال العام الجديد، كل في تخصصه، فقال الخبير السياسي، أن الاضرابات والاعتصامات ستزيد، ولكن لا يعني ذلك تغييرا سياسيا، فكلها اضرابات واعتصامات اقتصادية، ولا علاقة لها بالسياسة، لذلك قررت أن يكون هذا الكتيب لبحث هذه العلاقة. وقال خبير الإعلام أن الإعلام يبشر بالخير لتحوله إلى صناعة، وإلى القواعد الحرفية، وهنا أيضا، صارت الرؤى جزئية فالقواعد الحرفية والالتزام الحرفي والمهني ومراعاة قواعد المكسب والخسارة كلها تعطي إعلاما نشطا، ولكن في أي إطار استراتيچي، إن راديو لندن عالي الأداء الحرفي، يعبر كراديو ـ دائما ـ عن الرؤية الإستعمارية راديو استعماري، ويدس السم في العسل دوما .. وهذه حقيقة نعرفها، ونتبينها رغم متابعتنا له منذ خمسين عاما، فالحرفية وحدها لا تكفي، ولكن الحرفية تتحدد أساسا بخيارتها الاستراتيچية وشبكة الفوكس نيوز تتميز عن شبكة CNN وكلها شبكات استعمارية. فإذا غاب الوطن وغابت المصالح الوطنية، وتحولت السياسة لمهنة المكاسب فلا تسألن عن سبب العزلة السياسية للمولاة والمعارضة عن الشعب الآن، وللشعب سياسته التي ستنكشف قريبا وتكون الثورة، حسب القوانين الفعلية، وهذا محور بحثنا في الفصل القادم ... فلنتابع.


أحمد شرف

Alexa
لوحـة التعليقات الحرة
على هذه اللوحة يمكنك كتابة تعليقاتك بحرية كاملة دو تدخل، فقط لا يجب أن تزيد على 512 حرفا. يمكنك تزيين تعليقك بأكواد إتش تي إم إل إذا كنت تعرف هذه الأكواد. بمكنك مثلا وضع خط تحت بعض العبارات أو إبرازها أما الإنتقال إلى سطر جديد فهذا يتم بالضغط على مفتاح سطر جديد ولا داعي لكتابة الكود الخاص بذلك. الحروف التي تكون الأكواد محسوبة ضمن الحد الأقصى للحروف - 512. الإسم والبريد الإلكنروني إختياريان وإذا أردت إخطارك بالتعليقات التي تضاف إلى هذه اللوحة عليك تعليم حقل [أخبرني بالتعليقات المضافة على هذه اللوحة] وفي هذه الحالة يجب كتابة بريك الإلكتروني.
الإسم:
البريد الإلكتروني:
أخبرني بالتعليقات المضافة على هذه اللوحة:

  أضـف التعليق

مواضيع ذات علاقة

موضــوعات آخرى للكــاتب
  • ودارت عجلة الثورة - الفصل الرابع
  • مدخل نظري وفكري في قضايا الفكر السياسي والثوري
  • مصر صانعة التاريخ الثوري الأقدم للبشرية
  • استلاب النخبة .. وانطلاقة الجماهير - الفصل الخامس

  • نشـرها: [عزت هلال] بتــاريخ: [2009/06/19]

    إجمالي القــراءات: [231] حـتى تــاريخ [2017/05/25]
    التقييم: [100%] المشاركين: [1]

    شـارك في تقييـم: الإصلاح القائم وخريطة القوى السياسية الحالية
    rate downضعيف 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 ممتـازrate up
    صوت

    النتيجة : 100%
                                                               
    المشاركين: 1
    الآراء والأفكار والإبداعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها وهو المسئول الوحيد عنها وليس بالضرورة أن تتوافق مع موقف إدارة الموقع. من حق أعضاء الموقع التعليق عليها ونقدها ولكي ترفع من الموقع يجب أن يقل تقييم عدد من القراء لا يقل عن 250 قارئ عن 25%.

    ©2009 - 2017 [اللجنـة الشعـبية للإصـلاح] - إنطلقت في2009/02/25 - cms - الإصدار: 2.0.0 - [برمجيـات هلال]