اللجنـة الشعـبية للإصـلاح
من أجل تحرير الإرادة الوطنية
";
تاريخ اليوم: 2017/05/25 يوم السنة: [144] أسبوع السنة: [21] شهر: [5] ربع السنة: [1]
تسجيل دخول عضو [ كود العضو: - كلمة السر: ]
  دخول
  نسيت كلمة السر؟
  تسجيل عضو جديد
  الحرية والعدالة يستنكر دعوة مرشحي الرئاسة إلى مناظرة بأمريكا   رئيس جامعة حلوان يمنع صرف حوافز الجودة لأعضاء هيئة التدريس   سنقف ضد من يريد حرق مصر   جمعة السيادة للشعب ورفض البيان   لماذا ترغب تل أبيب وواشنطن في تأخير الانتخابات الرئاسية في مصر؟   الشعب المصرى سيستمر فى النضال لنيل كامل حقوقه   يرفض الثوار إتفاق بعض الأحزاب مع المجلس العسكري   بطلان بيع شبين الكوم للغزل والمراجل البخارية وطنطا للكتان   ائتلاف الثقافة المستقلة يطلق أول مبادرة ثقافية قومية يقوم بها المجتمع   مات رجل أحبه - مات عيداروس القصير   
 أجندة المناسبات 
 <<    مايو 2017   >>  
الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
1 2 3 4 5 6
7 8 9 10 11 12 13
14 15 16 17 18 19 20
21 22 23 24 25 26 27
28 29 30 31

  الصفحة الرئيسة
  من تحن؟
  إتصل بنا
  أخبر صديق
  إبحث في الموقع
  الكــتّاب
  الأرشـيف
  أسئلة وأجوبة

  ملفــات وقضـابا
  الصوتيات والمرئيات
  أدب وفن
  بيانـات ووثــائق
  الأخبـــار
  المنـــــاسبات
  المجمـــــوعات
  دليل المجتمع المدني


الإشتراك في النشرة اليومية
الإشـتراك في النشـرة الأسبوعية

بحـث في اللجنـة الشعـبية للإصـلاح
إبحــث

المقــالات

  عرض قائمة شاملة[1026]
مصر صانعة التاريخ الثوري الأقدم للبشرية
أحمد شرف
  راسل الكاتب

وتفضي هذه الظروف إلى أول ثورة شعبية عارمة تجتاح مصر، وبالرغم من عدم اكتمال اكتشاف التاريخ المصري القديم، سوف نقف من المتاح منه عند هذا الحدث العظيم والبالغ الدلالة، في محاولة لتأصيل الفكر الثوري المصري، وهو الفكر الأصل للعالم أجمع.
  التعليق ولوحة الحوار (0)
  طباعة
  أرسل بالبريد الإلكنرونى

عنوان هذه الصفحة على الإنترنت هو ما يلي. يمكنك نسخة ولصقه على رسائلك الإلكترونية أو صفحات الويب
http://pcr.misrians.com/articles?75
مصر على أعتاب الثورة
الفصل الأول


مصر صانعة التاريخ الثوري الأقدم للبشرية


مصر هي الدولة الوطنية الأولى في التاريخ البشري

كما سبق وقدمت أن عمر الدولة الوطنية في مصر، يمتد في قلب التاريخ لأكثر من 63 قرنا من الزمان، وذلك منذ الاتحاد الأول الذي جرى في تاريخ راجح حسب معظم المؤرخين في القرن الثالث والأربعين قبل الميلاد. وإصراري على وصف هذه الدولة بالدولة الوطنية حسب قواعد علوم السياسة الحديثة يرجع إلى اكتمال عناصر قيام الدولة الوطنية كوحدة اللغة، ووحدة الإقليم الممتد، ووحدة الشعب على أساس المواطنة، ووحدة السلطة مركزيا ولا مركزيا، والأهم وجود عملية إنتاجية اقتصادية واجتماعية تصدر بضائعها للأسواق، وليس لمجرد الإشباع الذاتي للمنتجين لها، ووجود أساس للثروة العامة، بالمعنى الدقيق والاصطلاحي ووجود الورش المجمعة، أي المصانع البدائية «الميني فاكتورا». في كتابه «انتصار الحضارة» يقول چيمس هنري بريستد[1] وهو يفسر لوحات مرسومة من مقابر النبلاء حول أهرامات الجيزة ما يلي:

«هذا هو الوجيه نفسه مرسوم بحجم كبير يقف ناظرا إلى حقوله، ويراقب ما يجري فيها من عمل، ونحن إذ نمتع ناظرينا برؤية المنظر يجب ألا يغيب عن ذهننا، أن هذه أقدم مناظر في تاريخ العالم تبين لنا العمل في الزراعة وحرث الحقول. وإلى جانب هذه المناظر نرى قطعان الماشية مرسومة في صفوف طويلة، فهنا الأبقار يقيدونها ليحلبوا منها اللبن، وهناك الثيران تجر المحاريث، وتساعد الإنسان بالتخفيف عن عاتقه، وعلى هذه الجدران التي نقشت في عصر الأهرام لا نرى أثرا لرسم الخيول، لأنها كانت غير معروفة إذ ذاك، ولكنا نرى الكثير من رسوم الحمير، وعلى ظهورها أحمال من الحبوب، ولولاها لما تمكن الإنسان من جمع المحاصيل. وعلى الحائط الثاني نرى الوجيه، «مرة أخرى» مرسوما بحجم كبير يلقي نظرة على المظلات والقاعات التي يعمل فيها الصناع الذين في خدمته، فهناك يجلس نحاس يصنع منشارا طويلا، وينفذ طلبات عمل ماسورة نحاسية يبلغ طولها 1300 قدم «أي نحو ربع ميل» كشفت عنها الحفائر في معبد أحد الأهرامات، وكانت موضوعة تحت أرضيته لتصريف المياه. وعلى الجدار نفسه نرى صانع الأواني وهو يقدم للوجيه أواني فخمة من حجر الديوريت لعلها تنال إعجابه، بالرغم من أن هذا الحجر في درجة صلابة معدن الصلب، إلا أن الصانع يرقها حتى يجعلها نصف شفافة، يخترقها الضوء فترى من خلالها عروق الحجر الرمادية اللون. وهناك صناع الأحجار الثمينة يقطعون ويصقلون قطعا صغيرة من الفيروز الأزرق الجميل، لكي يرصعوا بها في دقة مدهشة سطح إناء فخم أتم الصائغ صنعه، إلى جانب ذلك نرى مظلة الصاغة وقد اكتظت بالصياغ ومساعديهم يطرقون ويصبون ويلحمون ويجمعون أجزاء من الحلي، بعضها إلى بعض، لقد نبغ هؤلاء الصياغ في عملهم، وكانوا يصنعون حليا لا يمكن أن تخرج يد الصائغ أو الجوهري الحديث أفضل منها. وعلى مقربة منه ترى صانع الفخار الذي لم يعد يصنع أوانيه بأصابع يديه كما كان في العصر الحجري، بل ها هو يجلس أمام عجلة أفقية الوضع يديرها ويشكل أوانيه عليها بمهارة تامة، ثم يذهب إلى حوش صفت فيه أفران مغلقة من الطين الناشف ارتفاعها مثل قامة الرجل، وترص هذه الأواني في الأفران ويخرجها بعد أن يتم حرقها، وعلى الجدار نرى صناع الزجاج وهم يصنعون الزجاج ... ونرى النساء ينسجن الملابس الكتانية، وقد وصلت إلينا قطع من هذا النسيج مازالت باقية حتى اليوم، تدل على مدى ما تقدمت إليه هذه الصناعة. وهناك أيضا مناظر لرجال حفاة الأقدام يجمعون حزمات كبيرة من أعواد البردي التي تنمو في المستنقعات على مقربة من النيل.

فإذا انتقلنا إلى الحائط المجاور نرى النجارين وبناة السفن وهم يعملون. وقد أجاد الفنان رسمهم حتى يخيل إلينا أننا نسمع صوت الشاكوش والقادوم. فهؤلاء النجارون يقومون بصنع الأثاث الفخم لبيت الوجيه، وبلغ هؤلاء الصناع حدا كبيرا من التقدم، وكانوا يحلون الكراسي والأرائك التي يصنعونها للملوك بصفائح الذهب ويطعمونها بالأبنوس والعاج، وينجدونها بوسائد من الجلد الأملس. وعلى مقربة من مصانع الأثاث نرى صفا من المراكب، ونرى العمال منتشرين فوقها كالنمل يجمعون أجزاء الزوارق، وأجزاء أقدم السفن البحرية التي عرفها التاريخ. وزادت الملاحة النهرية التي بدأت في عصر الاتحاد الأول زيادة كبيرة، لأن التقدم السريع في الصناعة، أخرج كثيرا من الأدوات وساعد على تشجيع التبادل التجاري بين المدن المختلفة، وكثيرا ما نرى المراكب مرسومة على جدران المقابر، وكانت صفحة النيل زاخرة بها، وكانت حمولتها إما ضرائب مرسلة للخزانة الملكية، أو سلعا في طريقها إلى أسواق المدن للتبادل بسلع أخرى».

 ويضيف چيمس هنري بريستد في كتابه انتصار الحضارة ويقول:

«وبين مناظر المقبرة نفسها أحد الأسواق، ونرى فيه صانع الأحذية، يعرض على الخباز زوجا من الصنادل مقابل أرغفة الخبز، وزوجة النجار تعطي صائد السمك صندوقا صغيرا من الخشب ثمنا لسمكه، وزوجة الفخاري وهي تعرض إناءين مما أخذته حديثا من الفرن على العطار مقابل إناء بداخله بعض العطور. كان هؤلاء لا يعرفون العملة النقدية وكان تبادل السلع هو أساس التعامل بينهم. وهذا هو ما كان يحدث بين كل طبقات العامة، ولكن الأمر يختلف في سراي الملك ومكاتبها فقد كانوا يتعاملون بحلقات ثقيلة من الذهب ذات وزن معلوم أي محدد ومتفق عليه كانت تقوم مقام النقود. كذلك كانت هناك حلقات من النحاس أيضا .... ولم يكن أولئك الناس الذين رأيناهم في السوق إلا من عامة الشعب في عصر بناة الأهرام. وكان بعضهم أحرارا لهم الحرية التامة في ممارسة صناعتهم أو تجارتهم. والبعض الآخر كانوا أقنان (عبيد أرض) يعملون في حقول أصحاب الملكيات الكبيرة. وعموما فهاتين الطبقتين لم تكن تملك أرضا، وكانوا يأتمرون بأمر من يملكون الأراضي وهم: الملك ورجال الحاشية وموظفو البلاط والوجهاء ... منهم الوزراء أو رؤساء الخزينة أو القضاة أو المهندسون المعماريون أو أمناء القصر أو رجال البلاط. وكان أعضاء البيت المالك هم أهم أفراد هذه الطبقة من الوجهاء».

وهكذا وباقتباس هذا الوصف المفسر للأساس المادي المشكل للعناصر التي تقيم دولة وطنية، أو الدولة القومية على النمط الحديث، يتأكد قيام الدولة الوطنية في مصر منذ أكثر من 63 قرنا من الزمان، مما يعني أن هذا الوطن «مصر» هو خالق الثقافة السياسية والعلوم السياسية التي ارتبطت بشكل ومضمون الدولة الوطنية في العالم أجمع، ويكتسب هذا الاستنتاج مضمونا ثريا إذا علمنا أن الدولة الوطنية لم تظهر في العالم من بعد مصر، إلا بفارق نحو ستة آلاف عام، فالدولة الوطنية الحديثة عمرها في أوربا لا يتجاوز إلا ثلاثة قرون مضت أو أكثر قليلا، ويتم إنصاف هذه الحقيقة وتأكيدها حينما يقول بذلك واحدا من أهم علماء المصريات "سير وليام فلندر بيتري"[2] في كتابه "الحياة الاجتماعية في مصر القديمة" يقول:

«كانت مصر القديمة تخضع دائما لنظام الحكم الملكي، وكانت سلطة الملك تضمحل بين حين وآخر، فتستقل المقاطعات بإدارة شئونها الداخلية، ولكن الحكم في كل منها كان دائما في يد رئيس واحد. وأن عدم قيام النظام الجمهوري في أي عصر من عصور التاريخ المصري القديم، رغم قيامه في أقطار أخرى بحوض البحر المتوسط، مرده على ما يظهر إلى أن النظام الملكي قد حدد القانون سلطته وحقوقه تحديدا دقيقا، ولهذا فإن الملك مهما ساءت أخلاقه الشخصية فإنه لا يستطيع أن يأتي عملا يكسبه حقد رعيته عليه، وكراهيتها له، كما كان يفعل الظالمون الغاشمون من حكام الإغريق وأباطرة الرومان الذين لم يكونوا يشعرون بمسئولية ولم يقيدهم شرع أو قانون. لقد كان الملك في مصر يعتبر جزءًا لا يتجزأ من جهاز حكومي على درجة كبيرة من التنسيق والتنظيم، يعرف كل فرد فيه عمل الآخرين، كما يعرف اختصاصه الرسمي. وكانت أعمال الملك الرسمية تعد في نظر القوم جزءًا لا يتجزأ من ذلك الجهاز، بل إن حياة الملك الخاصة لم تكن ملكا له وحده، إذ كان عليه أن يتصرف في كل لحظة طبقا لنظام مرسوم دون أن يجد مجالا للتحلل والعبث كما يفعل أمثال "ديونيسوس" أو "كاليجولا" (إمبراطوريان رومانيان). إننا نقرأ عن محاكمات رسمية تجرى في البلاط لمحاكمة بعض أفراد الأسرة المالكة، وذلك في عهد كل من الأسرتين "الآسرة السادسة – والآسرة العشرين"، وكانت تلك المحاكمات تسير بدقة طبقا للإجراءات القانونية بل وبدون حضور الملك. فقد كان الفرعون في مصر ذا سلطة محدودة حتى في شئونه الخاصة، ولم تبلغ سلطته على آل بيته ما بلغته سلطة "كلوديوس" أو حتى "هنري الثامن"».

ويستطرد سير وليام بيتري في نفس الكتاب توضيح أسس السلطة في مصر في الدولة القديمة ويقول:

«وكان الوضع السياسي للملك يتمثل في كونه خليفة حكام الدويلات العديدة التي ازدهرت في عصر ما قبل الأسرات. [بدأ هذا العصر ترجيحا في سنة 3400 قبل الميلاد، بينما بيتري يمتد به لأكثر من ألف سنة قبل ذلك][3] . وكان لكل منها نظمها الخاصة وحقوقها التي كانت شديدة التمسك بها. وبذلك فإن حقوقه والتزاماته آلت إليه من مختلف النظم التي كانت سائدة في تلك الدويلات. فقد كان الملك يعتبر الوارث لعرش مملكة "هيراكونبوليس" [مملكة الوجه القبلي وعاصمتها في الكوم الأحمر عند إدفو وكانت تسمى بالفرعونية " نخن "][3] . وكان بهذه الصفة يتخذ الصقر رمزا له، فإذا مات الملك عبر المصريون عن ذلك بقولهم لقد طار الصقر إلى السماء. كما كان الملك وريثا لحكومات كل من الكاب " نخب" التي كانت في الضفة الغربية للنيل في مواجهة " نخن "، و"بوتو" العاصمة الشمالية في الدلتا. وهذه السيادة المزدوجة كان يرمز لها في شعار الملك بالصل والعقاب. كما ضم إقليم "سايس" الذي تمثله "النحلة"، وقد قرن ذلك بإقليم الجنوب وتمثله "البوصة"، وليس واضحا إذا ما كانت البوصة قد اتخذت في الأصل شعارا لعاصمة معينة، ومن المؤكد على أية حال أنها كانت ترمز دائما لإقليم الجنوب. ويبدو أن إخضاع قبيلة الإله "ست" التي كانت على جانب كبير من القوة والبأس في عهد الأسرة الثانية قد تم نهائيا أيام الأسرة الرابعة، بدليل تمثيل الملك بهيئة الصقر منتصرا على الإله "ست بونتي" وكان يرمز لذلك الحادث برسم العلامة "نوب" وفوقها يجثم الصقر. وآخر كسب للملك ما ورثه من حقوق في الأسرة الخامسة من كهان مملكة هيليوبوليس "عين شمس" العظام، ومن بعدها أصبح الملك يلقب "حقا" أو حكام هيليوبوليس، ويمثل في الشعار الملكي بصولجان كان يحفظ في المعبد، وكان من الألقاب الرفيعة التي يحملها الفرعون لقب "الكاهن الأعظم للإله حورس" ويشير إليه الخرطوش الذي يحوي الاسم الملكي ويظهر هذا في شكل قلادة حول رقبة تمثال الكاهن الأكبر "رع سمنخ" المحفوظ في متحف اللوفر».

وهكذا تكتمل حدود الدولة الوطنية، وتكتمل مقومات النظام الملكي "المقيد" المعروف الآن في العلوم السياسية "بالملكية الدستورية". وحتى ذلك العهد كانت الطبقة الحاكمة هي المالكة لشئون السياسة في ظل رقابة القانون، ولكن أين دور الشعب ؟ وأين دور الفكر الثوري في السياسة المصرية ؟ والفكر الثوري والحركة الثورية دائما فكر وحركة الجماهير، هذا ما قال به التاريخ السياسي لمصر. وهذا ما سنشير إليه بعد قليل، لكن قبل أن ندخل هذه المرحلة لابد أن نشير إلى تطور البنيان القانوني، وتطور العلاقات والصراعات الاجتماعية بين الطبقات. وفي هذا الصدد يقول الدكتور شفيق شحاته[4] عندما أخذ يدرس القانون في عهد الأسرتين الخامسة والسادسة، أي في الفترة من سنة 2750 – سنة 2160 قبل الميلاد تقريبا:

«اتضح لنا – فيما سبق – أن القانون المصري القديم كانت تسوده في المرحلة الأولى من مراحل تطوره نزعة فردية ظاهرة، فالأشخاص جميعهم متساوون أمام القانون، وأفراد الأسرة متساوون جميعهم في الحقوق، ثم إن لكل فرد أن يتملك ما يشاء من العقارات والمنقولات وحقه على هذه الأموال حق مطلق لا يشاركه فيه شريك، ولكل فرد أن يتصرف في أمواله بما يشاء من التصرفات، وحريته في الإيصاء مطلقة. ولكن الأمور لم تستمر على هذه الحال، فقد تطورت الظروف السياسية والاقتصادية في عهد الدولة القديمة نفسها، والمعروف أن الدولة القديمة يمتد زمانها إلى نهاية الأسرة السادسة، ولكن تطور الأنظمة يبدأ في الظهور منذ تولي الأسرة الخامسة الحكم، والنظام الذي يسود مصر في العهود التي تلت إلى نهاية الأسرة العاشرة هو النظام الإقطاعي. والنظام الإقطاعي يختلف في أساسه عن النظام الفردي، فالأفراد فيه ينتسبون إلى طبقات، وتختلف حقوقهم باختلاف الطبقة التي ينتمون إليها، ثم هم في داخل الأسرة يخضعون لسلطة رب الأسرة، وللابن الأكبر في الأسرة حقوق لا يتمتع بها أفراد الأسرة الآخرون. والنظام الإقطاعي إلى ذلك لا يجعل من الملكية حقا مطلقا، وقد قامت في ذلك العهد إلى جانب الملكية الفردية، ملكية من نوع آخر، وهي ملكية الأسرة. وصاحب ذلك تطور خطير في نظام المواريث، ولم تعد حرية التعاقد مطلقة، فقد كانت الأنظمة تقيد الأفراد بقيود ثقيلة لا يستطيع معها الفرد أن يباشر حقوقه على الوجه الذي يريد. هذا ويلاحظ أن الاتجاه نحو النظام الإقطاعي نلمسه منذ بداية عهد الأسرة الخامسة، ولكنه يقوى ويشتد ويبلغ حده الأقصى بعد انهيار الدولة القديمة، أي في عهد الأسرة الثامنة والتاسعة والعاشرة. وسنتناول الآن هذه النظم القانونية بالدراسة».

وتفضي هذه الظروف إلى أول ثورة شعبية عارمة تجتاح مصر، وبالرغم من عدم اكتمال اكتشاف التاريخ المصري القديم، سوف نقف من المتاح منه عند هذا الحدث العظيم والبالغ الدلالة، في محاولة لتأصيل الفكر الثوري المصري، وهو الفكر الأصل للعالم أجمع.


أم الثورات الشعبية في مصر والعالم

كما سبق وأكدت: الثورة عمل شعبي، وتكتمل حينما يشارك الشعب كل الشعب أو كتلته الأساسية في الفعل السياسي والسلوك السياسي. ذلك أن السياسة، وهي تلك العملية التي تتعلق بإدارة المصالح العامة للمجتمع، تكون دائما بالإنابة حيث يقدم المجتمع من ينوب عنه لإدارة مصالحه العليا في مواجهة أعدائه وأصدقائه في الداخل وفي الخارج. وعندما يقصر من ينوب عن الشعب في إدارة المصالح العامة، أي الكلية والمجردة للأمة، يتقدم الشعب ليسترد وديعته، ويقوم هو بذاته وبكتلته الأساسية لممارسة السياسة، وعندها يطمئن لمسار الأحداث في اتجاه مصالحه العليا، ينيب طبقة سياسية جديدة، ويرجع لمسار الحياة الطبيعة.

ويقصر من ينوب عن الأمة في إدارة حقوقها ومصالحها العامة، حينما يتصور أن مصالح الأمة صارت مصالح فئة ضيقة تتولى الحكم، سواء كانت هذه الفئة طبقة اجتماعية، أو حلف طبقي اجتماعي ضيق، وتكون الكارثة حينما تكون مجرد عصابة أو أسرة أو مجموعة منتفعين. كذلك يكون التقصير حينما تتحلل السلطة العامة والقانون العام ويتخلى عن أبعاده العامة المجردة، ويتحول لنظام خاص، وقانون مشوه، يعبر عن حالات قصدية خاصة وفردية، أو لمجموعات بعينها. إن هذا التقصير يحفز الوعي العام لدى كل الشعب ليقوم بقومته، وتحدث الثورة. ولنتابع تلك القواعد على نموذج قد جرى منذ ما يقرب من 42 قرنا أو يزيد من الزمان شديد القدم.

يقول الدكتور شفيق شحاته في ذات الكتاب، تحت عنوان القانون المصري في دورته الثانية سنة 2160 إلى 633 قبل الميلاد، ما يلي:

«تنتهي الدورة الأولى من دورات تاريخ القانون المصري القديم بانهيار النظام الإقطاعي، فقد أفضى اضمحلال السلطة المركزية واستبداد حكام المقاطعات إلى انحلال النظم القانونية وانتشار الفوضى في البلاد ومن الثابت أنه قد قامت ثورة شعبية في الفترة التي تلت سقوط الدولة القديمة وهذه الثورة أدت إليها مساوئ النظام الإقطاعي. فقد ثار أفراد الشعب بغية التخلص من القيود الثقيلة التي كان يفرضها عليهم حكام المقاطعات، ولكنها كانت ثورة جامحة أتت على الأخضر واليابس فلم تبقى على شيء. وهذه الثورة يتردد صداها في بعض الآثار الأدبية. وأهمهما تلك النصائح التي كتبها أحد الحكماء فذكر فيها ما حاق بالبلاد من بؤس وشقاء وهو يقول:- "غلت مراجل الثورة في كل البلاد بحيث سطا اللصوص على الأغنياء وسلبوهم أموالهم ... وهامت النساء في الطرقات، وترك القوم الزراعة رغم فيضان النيل لفقدان الأمن والطمأنينة ... وسفك الأخ دم أخيه، وقطعت الطرق، وأخذ اللصوص يترصدون للزراع فيقتلونهم في عقر دارهم ويسلبونهم أموالهم، وسابت المواشي ... وبذا ذبل ما كان ناضرا بالأمس، وأقفرت البلاد، وبادت الحاصلات" ».

ويستطرد الدكتور شفيق شحاته فيقول:

«وكان من نتائج هذه الثورة أن انقلبت الأوضاع الاجتماعية رأسا على عقب. فالأغنياء أصبحوا من المعوزين، والفقراء أصبحوا من ذوي الثراء. وفي ذلك يقول الحكيم المسن: "الذين كانوا يرتدون الكتان الجميل أصبحوا في خرق بالية، ومن كان لا يملك شيئا أصبح صاحب ثروة فكان الأمير يمتدحه تملقا ". والأمر كذلك بالنسبة إلى النساء إذ أن "اللاتي كن على أسرّة أزواجهن أصبحن ينمن على مضاجع مقضة" في حين أن "الجواري كان يحلى جيدهن الذهب والفضة والياقوت" وقد اعتدى الغوغاء على الأمراء وعلى الذات الملكية فقد روى الحكيم المسن أن: "البلاد قد حرمت الملكية بسبب بعض القوم الذين لا شعور لهم، فقد أظهر الناس العداء للملك مما حرم الأرضين من السلام ... وطُرِدَ حكام البلد، وأصبحوا ينامون في المخازن". وأصبحت الأشياء نهبا "كل إنسان يأخذ منها ما يريد" وقد ورد في النص صراحة أن "دار العدالة قد خُرِّبت ... وسلبت وثائق الملكية وأن مجموعات القوانين قد طرحت بالميدان العمومي لتطأها الأقدام". ولذلك يمكن القول أن الثورة قد أودت بجميع النظم القانونية التي كانت سائدة من قبل، وعادت البلاد إلى نقطة البداية، فهي الحد الفاصل بين الدورتين الأوليين للقانون المصري الفرعوني».

وهكذا نرصد رؤية مؤرخ قانوني للثورة الأم في التاريخ المصري، والتاريخ البشري عموما. وأهم ما في هذه الرؤية أنها تتسق مع القواعد العلمية الصارمة، فنحن بصدد حدث سياسي في نظام سياسي واضح النضج السياسي، لا يرتبط بأوهام شائعة حول اختلاط الدين بالسياسة في التاريخ الفرعوني لمصر أو حول الاستبداد الفرعوني، الذي هو محض أكذوبة لعلماء المصريات الاستعماريين. وكما تابعنا فإن "سير وليام فلندر بتري" قد دحض هذه الأكاذيب، وقد فرق بوضوح بين الوظيفة الدينية والوظيفة السياسية للملك، بل أنه رصد أن الوظيفة الدينية وكذلك الوظيفة السياسية للملك قد توزعت منذ الأسرة الثالثة، وأصبحت جهازا كاملا متعدد الوظائف. وحتى نقف على ذلك حتى نتابع أنباء الثورة الشعبية الأم بلغة الأثريين نورد قول بيتري:

«لم تكن الوظيفة الدينية للملك قاصرة على رئاسة كهنة الإلهين حورس ورع فحسب بل كان عليه تقديم القرابين اليومية من أجل رعيته، كما كان يهب النبلاء وغيرهم من كبار الحكام المنح المختلفة من الأراضي وهم على قيد الحياة، ويمنحهم الهبات من الأرض بعد مماتهم لضمان استمرار تقديم القرابين لأرواحهم، كما ورد في مقبرة الأمير "متن" ولهذا فإن كافة الهبات الجنائزية كانت تعد في الواقع قرابين ملكية، وتشير إلى صيغ الأدعية التي كانت تدون على اللوحات الجنائزية في كافة العصور في التاريخ الفرعوني، فكان الفرعون بحكم مركزه الكهنوني عائلا لرعيته في الحياة، كما كان سندا لهم في الممات. وقد لا تكون الهبات الملكية دائما منحا من الأراضي بل ربما اشتملت على مواد غذائية تمثل قيمة إيجارات عينية لبعض مزارع الملك، أو قيمة إيجارات عينية للملك حق الحصول عليها. ومع ازدياد المعاملات وتعقدها تبعا لنمو سلطان المملكة صار من المستحيل أن يتصرف الملك شخصيا في كافة شئون الدولة. ولذلك نرى الملك "سنفرو" قبل نهاية الأسرة الثالثة يقلد نجله "نفر ماعت" منصب حامل الأختام، ومنصب قاضي القضاة، ويقلد نجله "رع حتب" منصب الكاهن الأكبر لرع في هليوبوليس. وقد فعل ولده الملك خوفو ما يشبه ذلك مع ابنه "مرى إيب". وإذا انتقلنا إلى الوظائف السياسية للملك نجد أن أول واجب عليه بعد اعتلائه العرش منذ عهد الأسرة الأولى هو التفتيش على الحدود وتأمين سلطته ويطلق على هذه المهمة "الطواف حول الجدار" إحياء لذكرى اتحاد الوجهين القبلي والبحري. وكان الملك هو القائد الأعلى للجيش، وإليه شخصيا ينسب الفضل في الانتصارات التي يحرزها جيشه ... وكان الملك يقوم برحلات كثيرة تفقد خلالها الأشغال العامة والمناجم للوقوف على مدى أمانة الموظفين وللقضاء على المساوئ والمظالم».

فإذا رجعنا لأحداث الثورة يرى الأثريان الكبيران د. أحمد بدوي والدكتور محمد جمال الدين مختار في كتابهما[5] تحت عنوان "شيخوخة الدولة القديمة":

«ثم تجري الأيام بالناس قرونا وأجيالا فتشيخ بهم الحياة، ويشيخ من حولها الزمان، ويدور بهم دورته حين ينفلت الزمام من يد الجالس على العرش، وكان في رأي العين والقلب لديهم الإمام الذي ترضى إمامته، والحاكم الذي لا ترد كلمته، والوالد الذي تسعى محبته، والشفيع في الآخرة الذي ترجى شفاعته. كما كان هو مؤمنا كل الإيمان بأنه ظل الله على الأرض، يرعى خلقه، وينفذ فيهم قضاءه وقدره. ثم أخذ الزمام ينفلت من يد فرعون في الوقت الذي استيقظت فيه شياطين الفتنة تسعى بالوقيعة بين أمراء الأقاليم وتوسوس في صدورهم بالشر والضر، فإذا بهم يمكر بعضهم ببعض، ويؤلب بعضهم على بعض، وينظرون إلى ربهم وقد ضعفت يداه فتراخى فيها الزمام، فيتطلعون إلى عرشه وتاجه، فإذا العرش تبهرهم فرائده الغوالي فيطمع فيه منهم كل ذي قوة أو بضع قوة، وإذا وحدة الحكم والحياة قد تراخت روابطها، وتفككت عراها وانصرمت حبالها، ثم لانت آخر الأمر عقدتها حتى أذنت بانحلال. هنالك تبدلت الحال غير الحال وساء المآل، وأصبح لابد لمقدمات الأمور من نتيجتها الطبيعية، فرقة وانحلال، وخداع وظلال، وثورات تنتهي بالبلاد لحروب أهلية يندلع لهب نيرانها في البلاد، فتسودها فتنة هوجاء مبعثها الأطماع والأهواء، ومظهرها نضال سياسي تغشى أمواجه العاتية كافة أقاليم الوادي في الجنوب والشمال فتهزها هزا عنيفاً. وفي الحق أن الذي وصل إلينا من أخبار تلك الفتن وأحداثها قليل ولكنه يغنينا عن كثير، ذلك لأننا نرى مغالاة حكام الأقاليم من ذلك العهد – حين يتحدثون عن حرصهم على العدل بين الرعية، ونشر الأمن، وإقرار السلام – إلى جانب ما وصل إلينا من الآثار الأدبية التي تمثل توجع حكماء الأمة وشعرائها مما أصاب الناس في ذلك العهد من فوضى الأمور، ومن الفقر والبؤس ورقة الحال، ثم من اضطراب الحياة ما أطمع فيها من كان يخشى بأس حكامها، وأغرى بها من كان يهاب سلطانها، حتى هانوا على دنياهم وهانت عليهم أمورها، وآية ذلك أن يغير عليها من كان يضرب على حدودهم من بدو الصحراء، فباتوا يعيثون فسادا في الأرض، ينهبون الأرزاق، ويملئون حياتها عبثا واضطرابا، ثم لا يلبثون أن يسيطر عليها فيسومون أهلها سوء العذاب».

ويأتيان بنص الحكيم ليقولا في النهاية

«وليس يبدو غريبا أن تصبح للناس نظرة جديدة، وأن تضحى لهم فلسفة جديدة، لم يكن لهم بها عهد من قبل، وانها لفلسفة لاشك مطلقا في أنها كانت وليدة الشك القاتل الذي يدفع الناس إلى اليأس والتبرم الذي يُبغِضْ الحياة إلى الناس، ثم يكاد آخر الأمر يجبرهم على الخروج منها».

ويعد سير آلان جاردنر أهم من تتبع أحداث مصر القديمة متابعة دقيقة، وإن كان منهجه الاستعماري التوراتي واضحا للعيان، وقد كتب الكثير عن هذه الفترة وقد اخترنا مما كتب[6] ما يلي:-

«إذا كان من المستحيل أن نقرر في أي لحظة معينة حدوث الاضطراب الخطير، ولو أن حدوثه أمر لاشك فيه، وهناك ما يدعو إلى الظن بأن الفوضى ظلت قائمة بصفة مستمرة أو متقطعة حتى الأسرة الحادية عشرة ... إنها ثورة حقيقية انطبعت في أعجب وأهم بردية من الأدب المصري الذي استطاع أن يبقى رغم مخاطر الأيام، ولا ترجع هذه البردية الشديدة البلى والمحفوظة في مجموعة "ليدن" إلى ما قبل الأسرة الثامنة.. ولكن حالة البلاد التي تناولتها بالوصف لا يمكن أن تكون من وصف خيال قصاص أو روائي، ولا هي تصلح لأن توضع في أي مكان من التاريخ المصري، سوى الفترة اللاحقة لنهاية الدولة القديمة. أما المقدمة فضائعة لسو الحظ. وقد فقد معها كذلك تسجيل الظروف التي دفعت المتحدث لإلقاء موعظته. وهناك في أول الأمر مجموعة كبيرة من الفقرات المختصرة تصور حالة الدمار والغزو، التي سقطت البلاد فريسة لها نتيجة عدوان مغامرين منحطي الأصول، وآسيويين يشقون طريقيهم إلى الدلتا، وتكفي بضعة أمثلة لتصوير روح ومادة الرواية: "حامل القوس مستعد، فاعل الشر في كل مكان، ليس هناك رجل الأمس. يخرج الرجل ليحرث وهو يحمل درعه، الأخ يضرب أخاه، والأم ابنها، الرجال يكمنون بين الأعشاب المرتفعة حتى يتقدم المسافر ليلا ليسلبوه ما يحمل، اللص يمتلك ثروات، صناديق الأبنوس فضت، اللبخ الثمين شق إلى نصفين ! " وأما ما تجيش به الصدور عامة فيعكسه وصف حالتي الغني والفقير: "إن من كان لا يملك متاعا أصبح اليوم ذا ثراء، الفقير يملأ جوانحه السرور: إن كل مدينة تقول لنكبت الأقوياء بيننا، إن ما كان لا يمتلك نيرا أصبحت له قطعان، ذو الملابس الثمينة يسيرون اليوم في الأسمال، الذهب واللازورد، الفضة والفيروز مربوطة إلى أعناق الإماء، الإماء لهن حرية إطـلاق ألسنتهن، إن تكلمت مولاتهن فإن ذلك يضيق به الخدم، أطفال الأمراء يدفعون إلى الجدران". هذه الفقرات التي اخترناها عفوا تستطيع في الواقع أن تعكس صورة ما آلت إليه الأرستقراطية المنهارة، ولكن هناك غيرها تصف الاضطراب السياسي في تلك الأيام، والعبث بالقانون، والقضاء على الوظائف العامة، والوثائق التي لا يستطاع تأويلها عن الوجه الذي يرونه، بل يبدو أن "ذات الملك" نالها من العنف ما نالها».

وفي دراسة مطولة تحتوي فصلا كاملا في كتاب لي لم ينشر حتى الآن ويتحدث عن الأصول المصرية لثقافة العالم السياسية والتاريخ السياسي والعسكري لمصر القديمة، حيث تحججت قيادة المجلس الأعلى للثقافة في سنة 1999 بأنها لا تملك ميزانية إلا للكتب المترجمة. وراوغت هيئة قصور الثقافة رئيسها الأسبق علي أبو شادي الذي كان قد وعدني بنشره حتى سلم إليّ أصلا بعد إجراء وتصحيح البروفة الثالثة له بعد إنهاء خدمته وخروجه من رئاسة الهيئة. في هذا الفصل المطول توصلت - بعد حشد مادة تاريخية كثيفة- إلى أن هذه الثورة هي حدث سياسي اجتماعي شعبي جاء نتيجة طغيان الطبقة السياسية الحاكمة حينما قفلت الامتيازات عليها، وحرمت فئات الشعب العاملة منها. وكان من أهم تلك الامتيازات تحنيط الجثة وتقرير المنح التي تعينها على اكتساب الرحمة في الآخرة، وحتى نقف على أهمية الأمر، لابد لنا أن نعرف أن الديانة المصرية الأساسية فيما قبل هذه الثورة ظلت مقفولة على الكهان والطبقة الارستقراطية، وفعلا تعززت الديانة الأوزيرية، وكان الاختلاف الجوهري لها عن السابق هو أنها أخذت بفكرة الصراع من أجل العدالة، والانتصار للعدالة في الأرض والسماء، والخروج بالدين من دائرة الانغلاق الفلسفي، والتفكير البحت في قضايا مبهمة للعامة. لقد جاءت الديانة الشعبية لتقول بصراع الخير والشر بين اوزير وست، ورغم انتصار الشر في البداية حيث قام ست بقتل أوزير، وتقطيع جسده، ونثره في مختلف أقاليم البلاد، قامت العذراء إيزي أخت وخطيبة أوزير بلملمة قطع جسده، حتى اكتمل وعادت له الحياة، فضاجعها وأنجب إبنهما حور الذي حكم الأرض بالرحمة والعدل والإحسان، بعد أن قتل رمز الشر ست، الذي فقأ إحدى عيني حور قبل أن يقتله، لذلك صار الصقر بعين واحدة، وإمعانا في المصرية تزوج حور من حتحور ربة الخصب والنماء حارسة أرض مصر الخصبة، ورمزها البقرة الحلوب المعطاءة. لقد صارت الأوزيرية الديانة الشعبية التي تخص الكل.

لقد ضمنت هذه التطورات للشعب، وبالذات طبقاته المنتجة، كافة حقوقه في الأرض والسماء، وفي قيم العدالة على الأرض وفي السماء، وليس صدفة أن ارتبطت قضية الموت في مصر بتوزيع الخير والطعام على الفقراء طلبا لرحمة المتوفي، وظل هذا الطقس حيا حتى الآن في مصر، بطريقة لا يوجد لها شبيه آخر في أي بقعة من بقاع الأرض. فمازالت فطيرة الرحمة هي أقل ما يوزعه الفقراء من أهل المتوفي ومن أجله.

وبهذا أخذت الثورة بمفاهيم وفلسفة عامة جديدة، وانتقلت من الاقتصادي والمادي المباشر واللصيق، إلى السياسي العام، بل والفلسفي المجرد، والتجريد هنا بمعنى الإطلاق وليس الانغلاق، ورسمت هذه الثورة الأم ولأول مرة في تاريخ البشرية، هذه العلاقة المتطورة، وشديدة الارتباط بين الوعي الاقتصادي المباشر والخاص، وحلقته الأعلى في الوعي الاقتصادي العام، والوعي الاقتصادي الاجتماعي العام، والحلقة العليا في الوعي السياسي العام، الذي يعبر عن المصالح الكلية للشعب، بل وللبشر حسب درجة تطور المجتمع ذاته، واتساع بنيته وتطورها. فالإنسان يثور أولا لمصالحه الخاصة، ثم يكتشف أن هناك مصالح تجمعه بمجموعة من الناس سواء طبقية أو فئوية أو مهنية، فتثور هذه الجماعة وتضرب، ويكتشف في النهاية أن الأمور أعقد من المصالح الخاصة المباشرة، وأعقد من المصالح العامة المشتركة، إنها ترتبط بالمصالح العامة المجمعة أو المطلقة أو المجردة، التي يكون منها الاقتصادي والثقافي والقانوني والسياسي وتكون الثورة العامة، حقا شرارتها ظلم اقتصادي مباشر، ولكن وقودها الدائم الظلم العام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. هكذا كانت الثورة الأم في تاريخ مصر من المصلحة الاقتصادية الخاصة والمباشرة، إلى المصلحة الكلية العامة بل تعديها إلى المصلحة الفلسفية والسياسية الأكثر تجريدا وعمومية حتى الدين الذي يعالج المطلق. فهل يصل هذا الدرس إلى سياسيّْ ومثقفي اليوم؟

هذا هو السؤال، وهذا هو الاستنتاج: الوعي متطور سواء كان تلقائيا أو كان علميا مستخلصا ومصدرا للعامة، وهذا هو دور الطليعة الغائبة في حياتنا الحالية.

قبل أن أترك متابعة الثورة الأم في تاريخ مصر وفي تاريخ العالم، أضع أمامكم نصا تعليقيا للعالمين د. أحمد بدوي، د. محمد جمال الدين مختار من نفس الكتاب – رغم أنهما يخضعان لنظرية البطل المخلص، ويسلبان الشعب بعضا من حقه، يقولان:

«إن طبيعة هذا الوطن قد نشأت شعبه على الإيمان العميق بعودة الروح، فالشمس لا تغيب عن أرضه حين يجن الليل إلا لتعود إليه فتوقظه وتحييه وتسعده إذا ما كان الصباح، والنيل لا يعز ماؤه إلا ليعود في موعده وأبّانه فيضانا بالخير والبركات، وأرض الوطن لا تبدو لدى أهلها مواتا حتى يدركها النيل الكريم بفيضه فيرد عنها الموت، ويرد عليها الحياة ويجددها، والقمر لا يغيب في سماء مصر عن أرضها إلا ليعود بنوره الساطع الذي يملأ حياة أهلها سعادة وأملا وإشراقا. وفي ذلك سر إيمانهم بالبعث، وأملهم في الخلود، والله الذي امتحن هذا الشعب – كما رأينا أواخر أيام الدولة (الفرعونية) القديمة – قد تلطف حين عطف عليه، ونظر له ليقوي إيمانه حين بعث إليه برسول بطل من أبناء الصعيد، ولد في مدينة الكاب من شمالي أسوان، ولد لأب من صميم هذا الشعب المصري، ومن أم جئ بها من إقليم النوبة، وليكتب له في تاريخ الحياة صفحة جديدة من ذهب، فيبعثه إلى الحياة بعد أمه، ذلك هو أمنمعات الذي عرف باسم "أمنمحعات الأول" رأس الأسرة الثانية عشرة».

ويستطرد الاستاذان بلغة جزلة، مفعمة بروح الوطن الدافقه بسر الحياة، ويقولا:

«كانت حياة هذا الشعب قد مالت إلى الزوال، فجاء هذا البطل وبيده عصا سحرية لم يكد يمس بها الموت في هذا الوطن، حتى انبعثت فيه الحياة، ولم يكد يمس بها شعبه النائم حتى أيقظه من رقدة العدم، ونحن نعتذر إلى القارئ حين نذكر السحر في هذا المقام، ذكرناه لأن اليأس من عودة الروح وظهور الخير شاقة، تذكرنا بمهمة أولي العزم من الرسل. كان فيها كفاح مرير في الداخل والخارج، وفيها صبر على الكيد والأذى، وفيها هدم لمعاقل الباطل، وبناء لصروح الحق، وفيها إصلاح لما أفسده الدهر، وفيها ثبات لما بقى من ضربات الأيام وفواجع الليالي، وفيها ضرب على أيدي العصاة والخارجين وأهل الفتنة من أمراء الأقاليم».

وفات الاستاذان أن الشعب هو الذي انتفض وثار، حقا طالت انتفاضته وطالت ثورته، لأنه لم يكن يملك طليعة تقود الثورة، ولا فكر متراكم ولا علم تاريخ قد خط بعد، وكان المطلوب كثيرا، تغييرا جذريا في النظم والقوانين بل وفي العقائد والدين لإدخال حقوق الشعب إليها، والتخلص من ثنائية النظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، ودمجه في نظام واحد يضمن التوازن في الحقوق والواجبات لكل الطبقات. وهذا الفرق بين من يرى التاريخ تاريخ الحكام والنظم، أو التاريخ كتاريخ للشعوب والمجتمعات وأنظمتها بما في ذلك أنظمة الحكم والسياسة. إن الثورة الشعبية هي التي غيرت وعندما أطمئن الشعب لمن ينيبه ترك السياسة، وعاد لحياته، وأناب هنا أمنمعات الأول. وحتى ننهي موضوعة الثورة الأم في تاريخ مصر، وتاريخ البشرية، نسوق هذا النص للدكتور شفيق شحاته حيث يقول عن نتائجها:

«كان من أثر الثورة الاجتماعية التي أودت بالنظام الإقطاعي القضاء على القيود التي كان يرزح تحتها الأفراد، فتخلص التابع من ربقة التبعية واسترد حريته. وقد بدا ذلك واضحا منذ عهد الدولة الوسطى، فمما لاحظه الأثريون أن المقابر التي خلفها ذلك العهد ليست مقصورة على الأشراف والكهنة، فقد أصبح لعامة الناس حق في الخلود كالأشراف سواء بسواء، ولذلك أصبحوا يشيدون المقابر ليحيوا فيها حياتهم الآخرة، وحصولهم على المساواة الدينية كان إيذانا بحصولهم على المساواة المدنية. وقد عثر على أوراق بردية تذكر أفراد الشعب باعتبارهم من المواطنين «عنخ – ن – نوت» وهي أوراق وجدت بين مخلفات بعض الأسر المتوسطة الحال التي كانت تقيم بناحية كاهون في الدولة الوسطى. ويبدو أنه قد تكونت في ذلك الوقت طبقة متوسطة تتمتع بنصيب وافر من الحرية. وفي بعض النصوص التي خلفها لنا ذلك العهد نجد أحد أفراد الشعب يذكر أنه أقام مقبرة لنفسه، وأنه يملك منزلا وحقولا يزرعها بمواشي مملوكة له».


"ثورة جديدة على نمط ثورة التحرر الوطني"

ويستقيم الحال لدى فتوة الدولة الوسطى، وتتوالى الأحداث والنزعة الثورية لدى الشعب المصري تظل على حالها، يؤججها سوء الحكم واهتزاز موازين العدالة، حتى نصل لانهيار الدولة الوسطى، والتي يصاحبها زيادة الفتن والمؤامرات فيدخل الغزاة الهكسوس، وسط حالة الاضطراب، ويختلط الظلم والفتن الداخلية بسياسة الغزاة القادمين طامعين في أرض مصر، فتحدث المقاومة وتشتعل الثورة من جديد، ونتابع الأمر مع د. أحمد بدوي ود. محمد جمال الدين مختار، يقولان بداية في وصف إغارة الهكسوس:

«ظلت مصر تعاني من سوء ذلك النظام المفروض البغيض وتعالج أسبابه وآثاره، ويصلي شعبها خلال ذلك نار الخصومة الحزبية، فيشقى بها دهرا يتعاقب على حكم البلاد فيه ثمانية عشر حاكما. وشاءت الأقدار أن يمتحن الشعب من جراء ذلك الخلاف بضربات قاسية جزاء ما قدم زعماؤه بين يدي الأيام من شر. وذلك منطق الدهر وقضاؤه في مصير الأمم والشعوب حين يقع الخلاف بين زعمائها، وحين يوقظ الشر في نفوسهم شياطين الفتنة، فتضطرب في نفوسهم شهوة الحكم والسيطرة !! فتعمى قلوبهم عن الحق والواقع، وتصرفهم عن كل خير، وتدفع بهم في سبيل الضلال. وتسوقهم آخر الأمر إلى الهاوية ؛ تاركين من ورائهم شعبا بريئا جريحا لتنهشه ذئاب الاستعمار في شراهة وجشع، وتنصب عليه سياط المستعمرين في عنف عنيف. نعم ذلك منطق الدهر وقضاؤه ما في ذلك شك، وليس من المنطق أن يبقى حكم مصر عزيزا إذا ما انحلت عقدته، واختل نظامه، وضعفت حكومته، واضطربت أموره على نحو ما قدمنا دون أن تقع فريسة في يد أول طارق مسلح من الجائعين النهازين الباحثين عن الرزق. فما الذي يمنع الهكسوس أو غير الهكسوس من الهجوم على ملك متفرق الكلمة مبعثر القوة، مستباح لكل طامع وطامح. ما أسرع ما دقت يد الزمن بمطارق المحنة على أبواب مصر، فدهمها الهكسوس بخيلهم ورجالهم فيما بين القرنين الثامن عشر والسابع عشر قبل مولد المسيح ؛ فاحتلو شمالها، ثم أخذوا يوغلون في واديها مصعدين حتى بلغوا الصعيد. وما أسرع ما أغار عليها الزنج من قلب إفريقيا فاحتلوا صعيدها الأعلى».

ويواصلا بأسلوبهما الدافق الحار، يظهرا بداية اليقظة ويقولا:

«انفجر بركان الثورة، ثورة الحرية الحمراء، بين مغيب الشمس من حياة الأسرة السابعة عشرة، ومطلع من حياة الأسرة الثامنة عشرة، ثم انكشف الغبار، وارتفع الستار، فإذا أمير الصعيد في طليعة الثوار، وإذا أمه العظيمة في المعركة تغذي الثورة وأبطالها من مالها وجهدها، وتنفخ فيهم من روحها الوثابة وعزمها الصادق، وتبذل لهم وفي سبيل نصرهم من ذات نفسها، وإذا الثوار قد أخذوا يشقون طريقهم إلى الأمام وبخاصة بعد أن نفخ لهم في بوقها، ورفه لهم علمها قائد بطل وزعيم وطني صادق من صلب زعيم غير مسبوق. كان القائد "كاموسي" صاحب الصعيد، وكان أبوه " سقنن رع" إمام شهداء الحرية الذي بذل نفسه وجاد بحياته الغالية في سبيلها، فرسم التاريخ بمداد من دمه الزكي الطاهر على صفحة علمها الخفاق اسمه الخالد بحروف من نار ونور، وكانت أمه العظيمة "إياح حتب" زهرة نساء هذا الوطن وريحانة الوادي منذ كتب الله صفحته في تاريخ الدنيا. استشهد زوجها في فجر الثورة على نحو ما قدمنا. واستشهد ولدها الأكبر بعد أن خاض معركة الشرف منذ أن أشرق صبحها إلى أن ارتفع ضحاها ؛ فدفعت من بعده بأخيه "أحمس" الذي اندفع بشعبه الثائر حتى بلغ عاصمة العدو فضرب حولها الحصار، وضيق على من فيها الخناق، ولم يزل بالعدو حتى أجلاه عن أرض الوطن، وظل يطارده حتى أبلغه قلب فلسطين. ثم عاد إلى وطنه منتصرا ليلقى بعض الخوارج والعصاة من أهل الجنوب، وكان حكم الهكسوس قد أنساهم أنفسهم وأخرجهم عن وعيهم فلم يزل بهم حتى ردهم إلى صوابهم، ثم عاد أخيرا عالي الرأس، مرفوع الجبين، فرفع لواء العهد الجديد على هام طيبة عاصمة الثورة، وكان الزمن قد أعدها لتكون عاصمة الوطن كله، ثم لتكون من بعد ذلك عاصمة الدنيا وأم القرى وزهرة المدائن».

وهكذا تختص مصر باستكمال التاريخ الثوري للبشرية، فالثورة الأم كانت ذات طبيعة وطنية ومحلية صرفه، وبعد انقضاء حوالي أربعة قرون تقوم الثورة الثانية في مواجهة عدو غزا البلاد واحتلها، ومزقها قطعا قطعا، وسام أهلها سوء العذاب، فالمحتل الغازي كان على درجة من التطور الاقتصادي الاجتماعي أقل بكثير من مستوى التطور الاقتصادي الاجتماعي، بل والسياسي والقانوني التي وجد فيها مصر، حقا وجد من يرتبط به ويخدم أهدافه ومصالحه من المصريين، ولكن كل هذه الظروف استفزت الشعب في مصر بكل طبقاته حتى حكامه الوطنيين، لذلك توسعت قاعدة الثورة، ويقدر سير آلان جاردنر أن هناك ستة حكام أقوياء من الهكسوس فقط [قد يقصد ستة أجيال]، وأن حكم الهكسوس استمر لمدة 108 عام فقط، في هذه السنوات وبعدها اندلعت ثورة عارمة للتحرر الوطني، ووصلت إلى ما أرادت وتم طرد المحتل. وغلب على عمليات هذه الثورة، نهج التنظيم الثوري، فوجود طليعة ساعد في تكوين جيش الخلاص، حيث وضع أولويات للمهام، وجعل بعضها مقدما على بعض. إن الوقائع المتاحة تؤكد مدى عمق التنظيم الثوري في هذه الحالة عن الثورة الأم، التي أخذت شكل الهياج الاجتماعي. والقصص كثيرة عن الجهد التنظيمي الذي قامت به الأميرة "إباح حتب" حيث أخذت تنتقل عبر الاقاليم لتجهيز جيش الثورة، وتجهيز الدعم اللوجستي للقوات المسلحة، وهذا ما سنجد ما يدل عليه في النصوص القادمة.

من ذات الكتاب لسير آلان جاردنر، يقول:

«وهناك قصة لم يبق لدينا إلا الجزء الأول منها تربط بين هذا الملك الطيبي، ومعاصروه من الهكسوس. ورغم أن الفكرة في مجموعها خيالية، إلا أن تركيبها يقدم صورة قد تقارب الحقيقة، وتقول الفقرة الأولى منها: «وعندئذ حلت بمصر محنة رهيبة، ولم يكن هناك حاكم يحكمها كملك، في ذلك الوقت، وكان "سقنن رع" حاكما على المدينة الجنوبية ... بينما كان الرئيس "أبو فيس" في "أفاريس" وكانت كل الأرض تدفع له الجزية كاملة، وكذا كل الأشياء الطيبة من "تيموريس" [اسم لمصر يبدو أنه من تسمية الهكسوس]. واتخذ الملك "أبو فيس" "سوتخ" إلها له [يقال أن سوتخ هي تسمية الهكسوس لست]، ولم يحترم إلها في الأرض كلها سوى "سوتخ" وقام ببناء معبد جميل أبدي بجوار بيت الملك "أبو فيس"، وكان يقوم كل صباح ليقدم الأضاحي لسوتخ، وكان موظفو الملك يحملون أكاليل الزهور كما كان يحدث تماما في معبد "حاراختي" ويتوالى سرد القصة لتروي أن "حاكم الهكسوس أراد أن يلقي الاتهام ضد سقنن رع فلفق له إتهاما سخيفا مؤداه، أن عجل البحر في طيبه كان يصدر خوارا في الليل يمنعه من النوم" وأما ما يلي ذلك مفقود».

ويستمر جاردنر في متابعاته حيث يقول:

«في فقرة من بردية لم تترجم بعد ما اكتشفت في الكرنك سنة 1954: ونقل عن الترجمة الهراطيقية لها «في العالم الثالث للملك القوي في طيبه "كاموسي" الذي عينه "رع" ملكا حقيقيا ومنحه القوة في رضا تام، تحدث جلالته في قصره إلى مجمع الكبراء الذين في حاشيته قائلا: "أريد أن أعرف معنى قوتي، وأنا أجلس مرتبطا بآسيوي ونوبي، وكل منهما يمتلك شريحة في مصر هذه، وأنا لا أستطيع أن أتجاوز منف، هاك أنه يضع يده على خمون وليس هناك توقف عن النهب بسبب العبودية للستيو، إنني سأصارعه وأبقر بطنه، إن رغبتي هي أن أخلص مصر وأضرب الآسيويين". وعنئذ قال كبار مجلسه: "هاك أن الجميع موالون للآسيويين حتى القوصية ونحن مطمئنون في نصيبنا من مصر، ألفنتين قوية" [بأسوان – الكاتب] والقسم الأوسط معنا حتى القوصية، والناس يحرثون لنا أجمل أراضينا، وماشيتنا ترعى في مناقع البردي، إن الحبوب يرسل بها إلى خنازيرنا وماشيتنا لا تستلب". ومعنى هذا أن الحاشية كانت ترى أنه ربما كان من الأنسب لظروف معينة ألا يبادروا بالعدوان، ولكن "كاموسي" أعرب عن عدم رضاه على هذه النصيحة التي تتسم بالحرص، وأعلن تصميمه على استعادة مصر كلها. وعندئذ نرى النص يستكمل بضمير المتكلم: "أبحرت شمالا في عزم وفي قوة لأغلب الآسيويين بأمر آمون أعدل الناصحين، وكان جيشي القوى أمامي كلفحة اللهب. وكان جند المدجا النوبيون يقفون عاليا فوق قمراتنا ليراقبوا الستيو، ويدمروا مواقعهم. كان الشرق والغرب يتملكان خيرة ما كان لهم، وكان يتم تموين الجيش بكل شيء في كل مكان". ويبدو أن كاموسي وجه عقب ذلك فرقا من المدجايو لمعاقبة من يدعي "تتي بن ببي" الذي كان من الواضح، أنه مصري وقد اعتزل في "نفروزي" الذي جعل منها وكرا للآسيويين، وقد أجل سحق هذا العدو للغد على أية حال: "قضيت الليل في سفينتي وقلبي سعيد، ولما أضاءت الأرض انقضضت عليه كالصقر – كان ذلك وقت تطهير الفم [ساعة وجبة نصف النهار "الظهيرة "] فهزمته ودمرت أسواره وذبحت قومه، وجعلت زوجته تذهب إلى ضفة النهر – كان جنودي كالأسود مقابل فريستهم، فاقتسموا فيما بينهم ممتلكاتهم من العبيد والماشية واللبن والدهن والعسل". وبعد بضع جمل غامضة يتهشم النص الهيراطيقي ... ثم تستأنف الرواية في استهلال اللوحة المكتشفة حديثا، فنرى كاموسي بالقرب من قلعة أفاريس يقرع عدوه بالمفاخرة والتهديد، وقد سجل تتبع الأحداث في إسهاب وفي لغة بليغة جدا، ولا نستطيع أن نذكر هنا سوى فقرات قليلة بارزة ... كان أبو فيس قد طرد من غير شك من مصر الوسطى لأننا لا نجد بين الكلمات التي قالها كاموسي: "إن قلبك معطل أيها الآسيوي الوضيع، الذي اعتاد أن يقول "أنا سيد" وليس هناك من هو ند لي من خمون وبي حتحور حتى أفاريس" لقد "اجتحت مدنهم وأحرقت مواطنهم حتى أصبحت خرائب حمراء إلى الأبد، وذلك بسبب التخريب الذي كانوا ألحقوه بمصر، ولأنهم جعلوا من أنفسهم خدما للآسيويين وتخلو عن مصر سيدتهم"».

وها نحن نكتشف البعد التنظيمي للثورة المساند للجيش من هذا النص. لنؤكد أن مصر هي أم الثورة وتطوراتها إن متابعة التاريخ المصري الطويل زاخرة بكل صور مقاومة المحتل، وبعد إنهاء الدولة المستقلة، كانت المقاومة شعبية، حيث كانت انتفاضات الفلاحين متتابعة، ولم يخلو منها أي عصر. ورغم كثرة المواد لديّ، والتي جمعتها وحملتها في كتابي الذي لم ينشر بعد، وانتشارها عبر كل التاريخ المصري، حتى مصر الحديثة، إلا أنني سأكتفي بهذا القدر التاريخي في هذا الكتيب، ليتأكد أن مصر هي صانعة التاريخ الثوري الأقدم للبشرية.

وللتذكرة كما كانت مصر أم الثورة الشعبية على صعيدها السياسي والاجتماعي والاقتصادي والديني، كما أنها كانت أم ثورات التحرر الوطني، وحركات مقاومة المحتل الذي لم يهنئ على أرض مصر غالبا. وعليه فنحن هنا، في مصر منظري الفكر الثوري، فنحن مكتشفوه، حقا لقد تطور هذا الفكر في العصر الحديث على ضوء تزايد معدلات الاستغلال للأنظمة الرأسمالية الحديثة، كما أنه تطور مع تنامي ظاهرة الاستعمار والإمبريالية، إلا أن تطورات الفكر الثوري وصلت إلينا، وتلاقحت مع ما لدينا، ومع أفكار عندنا. فلماذا تبدو هذه الفترة، وقد أجدبت أرضنا من هذا الفكر الذي سطرنا بداياته وتفاعلنا مع تطوراته ؟ هذا ما سنجيب عنه لاحقا.


أحمد شرف
 
هوامش:
 
[1] ـ چيمس هنري بريستد: انتصار الحضارة – ترجمة د. أحمد فخري – مكتبة الأنجلو المصرية – القاهرة – سنة 1955.

[2] ـ سير وليام فلندر بيتري: الحياة الاجتماعية في مصر القديمة – ترجمة حسن محمد جوهر وعبد المنعم عبد الحليم – الهيئة العامة للكتاب – القاهرة - 1975.

[3] توضيح من المؤلف.

[4] ـ د. شفيق شحاته: تاريخ القانون المصري – الجزء الأول القانون الفرعوني – المطبعة العالمية – القاهرة سنة 1956.

[5] ـ د. أحمد بدوي، د. محمد جمال الدين مختار: تاريخ التربية والتعليم في مصر – الهيئة العامة للكتاب – القاهرة سنة 1974.

[6] ـ سير آلان جاردنر: مصر الفراعنة- ترجمة د. نجيب ميخائيل إبراهيم – الهيئة العامة للكتاب – القاهرة سنة1987.
 
Alexa
لوحـة التعليقات الحرة
على هذه اللوحة يمكنك كتابة تعليقاتك بحرية كاملة دو تدخل، فقط لا يجب أن تزيد على 512 حرفا. يمكنك تزيين تعليقك بأكواد إتش تي إم إل إذا كنت تعرف هذه الأكواد. بمكنك مثلا وضع خط تحت بعض العبارات أو إبرازها أما الإنتقال إلى سطر جديد فهذا يتم بالضغط على مفتاح سطر جديد ولا داعي لكتابة الكود الخاص بذلك. الحروف التي تكون الأكواد محسوبة ضمن الحد الأقصى للحروف - 512. الإسم والبريد الإلكنروني إختياريان وإذا أردت إخطارك بالتعليقات التي تضاف إلى هذه اللوحة عليك تعليم حقل [أخبرني بالتعليقات المضافة على هذه اللوحة] وفي هذه الحالة يجب كتابة بريك الإلكتروني.
الإسم:
البريد الإلكتروني:
أخبرني بالتعليقات المضافة على هذه اللوحة:

  أضـف التعليق

مواضيع ذات علاقة

موضــوعات آخرى للكــاتب
  • ودارت عجلة الثورة - الفصل الرابع
  • مدخل نظري وفكري في قضايا الفكر السياسي والثوري
  • الإصلاح القائم وخريطة القوى السياسية الحالية
  • استلاب النخبة .. وانطلاقة الجماهير - الفصل الخامس

  • نشـرها: [عزت هلال] بتــاريخ: [2009/06/18]

    إجمالي القــراءات: [182] حـتى تــاريخ [2017/05/25]
    التقييم: [0%] المشاركين: [0]

    شـارك في تقييـم: مصر صانعة التاريخ الثوري الأقدم للبشرية
    rate downضعيف 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 ممتـازrate up
    صوت

    النتيجة : 0%
                                                               
    المشاركين: 0
    الآراء والأفكار والإبداعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها وهو المسئول الوحيد عنها وليس بالضرورة أن تتوافق مع موقف إدارة الموقع. من حق أعضاء الموقع التعليق عليها ونقدها ولكي ترفع من الموقع يجب أن يقل تقييم عدد من القراء لا يقل عن 250 قارئ عن 25%.

    ©2009 - 2017 [اللجنـة الشعـبية للإصـلاح] - إنطلقت في2009/02/25 - cms - الإصدار: 2.0.0 - [برمجيـات هلال]