اللجنـة الشعـبية للإصـلاح
من أجل تحرير الإرادة الوطنية
";
تاريخ اليوم: 2017/06/25 يوم السنة: [175] أسبوع السنة: [25] شهر: [6] ربع السنة: [2]
تسجيل دخول عضو [ كود العضو: - كلمة السر: ]
  دخول
  نسيت كلمة السر؟
  تسجيل عضو جديد
  الحرية والعدالة يستنكر دعوة مرشحي الرئاسة إلى مناظرة بأمريكا   رئيس جامعة حلوان يمنع صرف حوافز الجودة لأعضاء هيئة التدريس   سنقف ضد من يريد حرق مصر   جمعة السيادة للشعب ورفض البيان   لماذا ترغب تل أبيب وواشنطن في تأخير الانتخابات الرئاسية في مصر؟   الشعب المصرى سيستمر فى النضال لنيل كامل حقوقه   يرفض الثوار إتفاق بعض الأحزاب مع المجلس العسكري   بطلان بيع شبين الكوم للغزل والمراجل البخارية وطنطا للكتان   ائتلاف الثقافة المستقلة يطلق أول مبادرة ثقافية قومية يقوم بها المجتمع   مات رجل أحبه - مات عيداروس القصير   
 أجندة المناسبات 
 <<    يونية 2017   >>  
الأحد الإثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت
1 2 3
4 5 6 7 8 9 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30

  الصفحة الرئيسة
  من تحن؟
  إتصل بنا
  أخبر صديق
  إبحث في الموقع
  الكــتّاب
  الأرشـيف
  أسئلة وأجوبة

  ملفــات وقضـابا
  الصوتيات والمرئيات
  أدب وفن
  بيانـات ووثــائق
  الأخبـــار
  المنـــــاسبات
  المجمـــــوعات
  دليل المجتمع المدني


الإشتراك في النشرة اليومية
الإشـتراك في النشـرة الأسبوعية

بحـث في اللجنـة الشعـبية للإصـلاح
إبحــث

المقــالات

  عرض قائمة شاملة[1026]
طريقنا إلي الديمقراطية في مصر
عيداروس القصير
  راسل الكاتب

كما تتمثل القوي المعادية للديمقراطية بخلاف النظام الحاكم والتيار السياسي الديني في الليبراليين الجدد الذين ينظرون للدول الاستعمارية كقيادة للحضارة الإنسانية المعاصرة ويسقطون عنها طبيعتها وسماتها الاستعمارية ويسعون لإقامة ديمقراطية النخب البرجوازية
  التعليق ولوحة الحوار (0)
  طباعة
  أرسل بالبريد الإلكنرونى

عنوان هذه الصفحة على الإنترنت هو ما يلي. يمكنك نسخة ولصقه على رسائلك الإلكترونية أو صفحات الويب
http://pcr.misrians.com/articles?285
طريقنا إلي الديمقراطية في مصر


استخلاص الخبرة التاريخية

تقودنا قراءة تاريخ نشأة وتطور قضية الديمقراطية في مصر إلي النتائج التالية :

1 – مصر لم تحكم ديمقراطيا منذ نشـأة الحياة الدستورية البرلمانية إلا بصورة محدودة جدا ولفترات قصيرة للغاية . ينطبق ذلك أيضا علي الفترة السابقة لعام  1952 التي توصف في اللغة السياسية غير الدقيقة وغير الموضوعية بفترة الديمقراطية البرلمانية ، فقد مثل النظام وحكومته الاحتلال والقصر وأكثر ملاك الأراضي الاقطاعيين المتبرجزين ميلا لعلاقات الخضوع والتبعية للاستعمار ، وما كان موجودا منذ دستور سنة 1923 إلي قيام حركة الجيش في 23 يولية  1952  ليس نظاما ديمقراطيا . لم يتول حزب الأغلبية الشعبية الكاسحة (الوفد) الوزارة سوي سبع سنوات ونصف السنة منها أربع سنوات وإحدي عشر شهرا برغبة الاحتلال علي فترتين ، مرة لعقد معاهدة سنة 1936  والمرة الثانية في واقعة 4 فبراير الشهيرة سنة 1942 لضمان استقرار الوضع في مصر بوجود حكومة يؤيدها الشعب درءا لخطرماثل في وجود رومل وقواته في ليبيا ومنطقة العلمين علي حدود مصرالشمالية الغربية. ما كان موجودا حقا في تلك الفترة هو حركة وطنية ديمقراطية جماهيرية واسعة اتنزعت بفضل ثورة 1919 مدي واسعا من الحريات من قبل وضع دستور 1923  ومن بعده وحتي في ظل تعطيل الدستور والانقلابات الدائمة علي الحياة الدستورية التي قررها .

أما بعد سنة 1952  حيث مثل الحكم إلي حد كبير مصالح الشعب في المرحلة الناصرية فقد حكمت مصر بأشكال ووسائل ديكتاتورية وبوليسية صفت حركة الشعب السياسية والنقابية المستقلة وهو مما ساهم بدور أساسي في انتكاس إنجازات النضال الوطني والتطور الاقتصادي والاجتماعي لتلك المرحلة والتي لا يمكن الحفاظ عليها فضلا عن تطويرها إلا عبر الحريات والديمقراطية  السياسية .

2– إذا أخذنا في الاعتبار تاريخنا الحديث كله بعد ضرب تجربة محمد علي في مراحله الأربع الأساسية : الثورة العرابية والاحتلال البريطاني – ثورة 1919 وما بعدها – " ثورة " 23 يولية 1952 والناصرية – عصر التبعية الجديدة للاستعمارالأمريكي والاعتراف والتطبيع مع الكيان الصهيوني ، لوجدنا أن أهداف كفاح شعبنا الأساسية وهي : الاستقلال والديمقراطية والتقدم الاقتصادي والتقدم والتحرر الاجتماعي لم يتحقق أيا منها إلا بصورة جزئية وسطحية ،بل شهدت بعض عناصر الأهداف المحققة جزئيا وسطحيا تراجعا عن انجازات المراحل السابقة ، كتراجع حركة التصنيع وحدود العدالة في توزيع الدخل حاليا بالمقارنة مع الفترة الناصرية ، وتراجع حدود الحريات وعلمانية الفكر والسياسة حاليا بالنسية لثورة 1919 والوضع الناشئ عنها ، وتراجع الحريات في الفترة الناصرية والفترة الحالية مقارنة بما قبل 1952 ، وتراجع الاستقلال الوطني ومقومات التطور المعتمد علي الذات في مرحلة التبعية الحالية مقارنة بالفترة الناصرية .

إن التعثر والجمود والفشل في الانجاز لا يتعلق بقضية الديمقراطية وحدها ، وإنما بكل الأهداف الأساسية ، هذا ما يؤكد وحدة قضايا النضال السياسية والاقتصادية والاجتماعية و ميادينه الداخلية والخارجية وأن الديمقراطية لا يمكن كسبها من فراغ أو في اطار أخر غير النهوص الوطني الديمقراطي الجماهيري العام . تاريخيا ارتبط التطور الديمقراطي بالكفاح الوطني ضد الاستعمار ولم يكسب شعبنا مدي واسعا من الحريات في الفترة 1923- 1952 ولم يصدر دستور 1923 إلا نتيجة للثورة الوطنية الكبري سنة 1919 . والعلاقة بين الوطنية والديمقراطية ، بين النضال الديمقراطي والنضال الوطني بل وبين هذين النضالين والنضال من أجل حقوق ومطالب الطبقات الشعبية لا زالت وستظل قائمة ما بقيت علاقات التبعية لقوي الاستعمار قائمة في بلادنا وما دام الاستعمار والاضطهاد الاستعماري موجودا وطامعا في استمرار سيطرته علي مقدراتنا .  

3 - يتفق التاريخ المصري مع التاريخ العالمي حول حقيقة مفادها أن الديمقراطية نتاج تطور اقتصادي سياسي ثقافي في حدود دنيا ضرورية قبل أن تصبح وسيلة أساسية لمواصلة التطور ورفع معدلاته بمقاييس جديدة وكبيرة .

يقول التاريخ العالمي أن الديمقراطية تنشأ بقيود كبيرة علي مشاركة عامة الشعب - أو العوام كما كانوا يسمون الفقراء – مع تفكك الاقطاع وصعود الرأسمالية وسيادتها علي الاقتصاد ومن ثم ثورتها السياسية واستيلائها علي سلطة الدولة . وتتطور الديمقراطية في إطار النظام الرأسمالي بنمو الرأسمالية وامتلاكها قدرات ووسائل فعالة تمكنها -  إذا ما تطورت الديمقراطية وبرغم هذا التطور – من الهيمنة علي وعي وحركة الطبقة العاملة وغيرها من الأجراء والكادحين المفقرين وحصر مطالبهم في إطار بقاء النظام الرأسمالي . فلا تقبل الرأسمالية الحكم بوسائل ديمقراطية إلا إذا امتلكت مقدما جهازا بيروقراطيا وشرطيا وعسكريا مدربا ومنضبطا وقادرا علي قمع الخروج علي قواعد النظام الرأسمالي وأسس بقائه وجهازا للهيمنة الأيديولوجية والثقافية من خلال مؤسسات المجتمع المدني التربوية والثقافية والسياسية والمهنية والاجتماعية وكافة وسائل الضبط الاجتماعي وإزاحة صراع الطبقات جانبا وتزييف وعي الجماهير الكادحة المستغلة . وبعبارة أخري لا تقبل الطبقة الحاكمة في اطار الرأسمالية ، أي الطبقة الرأسمالية ، الحكم بوسائل ديمقراطية  إلا إذا هيمنت  علي قواعد اللعبة الديمقراطية أي احتكار الاحزاب البرجوازية للسلطة السياسية حفاظا علي مصالح الطبقة الرأسمالية .

لذلك فإن اتساع حدود الديمقراطية يحدده في المقام الأول نمو وقوة المطالب الديمقراطية للطبقات الشعبية الكادحة ، وتأخر تواريخ موافقة أقدم الدول الرأسمالية الصناعية المتقدمة ديمقراطية علي حق الاقتراع العام واسقاط النصاب المالي في الترشيح والتصويت إلي النصف الثاني للقرن التاسع عشر والنصف الأول للقرن العشرين لشاهد بليغ علي صحة ما نقول . فأول دولة تأخذ بحق الاقتراع العام  هي سويسرا سنة 1830 وطبقته فرنسا في دستور 1848 ( وإن كان لويس بونابرت بعد انتخابه وفقا لهذا الدستور قد حل المجلس التشريعي وألغي الدستور وأعلن قيام الامبراطورية الثانية سنة 1852) وأخذت به المانيا سنة 1871 وأسبانيا سنة 1890 والسويد والنمسا سنة 1907 وايطاليا سنة 1912 وبريطانيا سنة 1918. إن نمو قوة المطالب الديمقراطية والوعي السياسي للعمال والكادحين كان الشرط الرئيسي لتطور الديمقراطية السياسية في بلاد الديمقراطية الليبرالية القديمة .

أما في مصر فقد قال التاريخ ما يلي:

1-  ظهرت البدايات الأولي للنظام الديمقراطي بعد تبلور طبقة كبار الملاك الزراعيين الفرديين وبدء تبرجزهم  أي تحولهم التدريجي من اقطاعيين إلي شبة اقطاعيين ورأسماليين نتيجة لعملية التتجير المتزايد للاقتصاد الزراعي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، ولعبت الحرب الأهلية الأمريكية (1861- 1865 ) وما سببته من زيادة في الطلب علي القطن المصري دورا هاما في نمو قوة كبار الملاك المالية وظهورهم كقوة مؤثرة في الحياة السياسية المصرية ، وهو ما دعي الخديو اسماعيل إلي تكوين مجلس شوري النواب الذي حصر عضويته في هذه الطبقة باستثناء ستة  أعضاء لأعيان وتجار المدن من أصل 75 عضوا بالمجلس وذلك للاستعانة بهم في دعم موقفه إزاء الدائنين ودولهم الأوربية وإعطاء مظهرا لمؤسسة دستورية تطمئن الدائنين الأجانب وإن كانت سلطتها استشارية بصفة أساسية . ومع نمو الميول الاستقلالية للخديو اسماعيل والمصريين عموما عن الخلافة العثمانية البغيضة والمريضة،واشتداد ساعد الحركة الوطنية ضد التدخل الأجنبي الأوروبي ، وزيادة التغير في التكوين الطبقي للمجتمع والتمايز في المصالح والأوضاع الاقتصادية في الأرياف والمدن ، وتطور التيار التحديثي العقلاني في الثقافة المصرية بعد نشأته في أعقاب عودة رفاعة رافع وغيره من مبعوثي محمد علي من أوروبا وزيادة تعرفه علي الفكر الديمقراطي والدستوري والأنظمة الديمقراطية في الغرب نمت القوي الديمقراطية واستطاعت الحصول من الخديو اسماعيل علي لائحة أساسية ( دستور) سنة 1879 صدرت بعد التوقيع عليها من عدد من الشخصيات البارزة والمثقفين والأعيان والملاك ومشايخ الازهر. وهي كانت تشكل البداية الحقيقية للحياة البرلمانية المصرية بإعطائها مجلس شوري النواب سلطة التشريع باستثناءات محددة للخديو وتقرر مبدأ مسئولية النظارة ( الوزارة ) أمام المجلس إلا أن خلع الخديو بفرمان عثماني بتحريض من بريطانيا أوقف هذا التطور الهام بعد شهرين فقط من حدوثه ، ثم أدي صعود الثورة العرابية ، وتحديها للخديو توفيق في ميدان عابدين ومطالبها باسم الأمة المصرية ونزول الخديو علي هذه المطالب ، إلي تشكيل وزارة الثورة برئاسة البارودي في بداية 1882 وصدور لائحة أساسية جديدة ( دستور ) في فبراير 1882 أكثر ديمقراطية من لائحة 1979 ، كما صدر في مارس التالي قانون انتخاب جديد ففض الخديو مجلس النواب في اليوم الثالث لصدوره ، وسرعان ما تلاحقت الاحداث ووقعت مصر فريسة للاستعمار البريطاني .

2- ضرب الاحتلال البريطاني التطور الديمقراطي وأصدر القانون النظامي سنة 1883 الذي ألغي اللائحة العرابية وأقام نظام المجلسين :مجلس شوري القوانين والجمعية التشريعية ،  اللذين لا يحوزان أي سلطة تشريع ويعين ما يقرب من نصف أعضائهما ، بل يعين 14 عضوا من مجلس شوري القوانين مدي الحياة ويدخل هذا المجلس بكامل تشكيله في الجمعية التشريعية وعدد أعضائها 83 عضوا ، ويعين عددا آخر بحكم وظيفته في جهاز الادارة الحكومية ، وظل الامر كذلك من الناحية الأساسية حتي في الجمعية التشريعية التي حلت محل نظام المجلسين في سنة 1913  ثم حلت نهائيا بعد الحرب وإعلان الحماية علي مصر سنة 1914 .

3ـ بعد صدمة الاحتلال البريطاني بدأت الحركة الديمقراطية والفكر الديمقراطي يستعيدان مسيرتهما بصورة ملموسة منذ السنوات الأولي للقرن العشرين مع نهضة الحركة الوطنية ، وتطور الثقافة وتيارها التحديثي وانتعاش التيار العلماني في الأوساط المثقفة ، وقيام الحرب وما جرته علي المصريين من خطف لأبنائهم وإرسالهم لميادين القتال خارج البلاد خدمة للجيوش البريطانية ، والغلاء ، والقيود الجديدة علي الحريات ، وزيادة الطابع التجاري لطبقة كبار الملاك الزراعيين استفادة بظروف الحرب ،  وصولا لثورة 1919 المجيدة.

4ـ في ثورة 1919 شكل كبار الملاك ومثقفوهم القيادة الأولي للثورة بزعامة سعد زغلول وشكلوا نسبة كبيرة من قيادات الوفد اللاحقة فضلا عن قيادتهم لحزب الأحرار الدستوريين الذي تشكل انشقاقا عن الوفد وغيره من الأحزاب . وكان ذلك انعكاسا لنمو البرجوازية المصرية وتحول كبار الملاك الزراعيين إلي برجوازيين أو شبه برجوازيين يحتفظون كلهم تقريبا رغم ذلك بالاقتصاد الزراعي الإقطاعي وشبه الإقطاعي في الجزء الأكبر من أملاكهم الشاسعة . وقد انعكس هذا النمو المالي وفي الطابع التجاري الرأسمالي المتزايد لملاك الأراضي أيضا في تشكيلهم بقيادة طلعت حرب لبنك مصر وشركاته الصناعية والمالية والتجارية بعد الثورة ثورة 1919 ، وتعتبر مطالب الثورة التي جسدها شعارها الرئيسي الاستقلال والدستور نتاج تطور كل من الحركة الوطنية والحركة الديموقراطية والتفكك النسبي في علاقات الانتاج الاقطاعية . وإذا كانت هذه الاتجاهات قد تطورت بصورة مستقلة نسبيا وبمعدلات متفاوتة عن بعضها البعض فإن النقلة التي جسدتها ثورة 1919 ، بل انطلاقة الثورة نفسها، قد قامت علي الربط الوثيق بينها جميعا في إطارالقضية الرئيسية الجامعة وهي التحرر من الاستعمار البريطاني. إن إنجازات ثورة 1919 السياسية  ، وهي أساسا في مجال الحريات ، نتاج تطور سياسي واقنصادي وثقافي منذ بداية القرن مهد وحضر لانفجار الثورة في لحظة مناسبة . وهذه الحريات هي التي تركت في الحياة السياسية والاقتصادية أثارا هامة دائمة لمدة 30 ستة رغم اجهاض أهداف الثورة في تحقيق الاستقلال التام والديموقراطية السياسية .

5ـ  " ثورة " 23 يوليو ، الانقلاب الذي تحول الي "ثورة من فوق" ، والتي مثلت نكوصا حادا في مجالي الحريات والديمقراطية السياسية لا تخرج علي القانون أو القاعدة العامة القائلة بأن الديمقراطية نتاج تطور ونمو اقتصادي سياسي ثقافي قبل أن تصبح أداة للتطور . فهي الخروج أو الاستثناء الذي يثبت القاعدة ، وذلك لسببين . أولهما أن أحد شروط التطورالديمقراطي وعناصره الاساسية كان غائبا في هذا الانقلاب المتحول إلي ثورة من أعلي وهو الحزب أو الطليعة السياسية الجماهيرية القادرة علي مواصلة والتعبير عن التخمر الثوري للأربعينيات والخمسينيات الأولي من القرن العشرين الذي تجاوز طبيعة وطاقة حزب الوفد ، وهو ما سمح لتنظيم الضباط الاحرار بالقيام بحركتهم الخاطفة. وثانيهما هو عمر التجربة "الثورية" الناصرية القصير نسبيا وكان غياب شرط الحريات والديمقراطية السياسية السبب الأساسي في انتهائها وفي هزيمة 1967 التي عجلت بالنهاية.

6- ما بعد الناصرية مرحلة تراجع شامل في الأهداف الأساسية الوطنية والقومية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية مع استمرار ديكتاتورية الحكم والقيود المفروضة على الحريات الديمقراطية،  وركود طويل ممتد حتي الان للحركة الجماهيرية السياسية بل والمطلبية الاقتصادية في أغلب سنوات الفترة التي بلغت حتي الان نحو 40 عاما لأسباب فصلناها في مكان أخر هو كتاب أزمة مصر الحقيقية، ونوجزها في تداعيات هزيمة سنة 1967 وخاصة الاستراتيجية العاجزة عن مواجهتها والتي انتهت إلي التسليم بهدف العدو كما جسدته اتفاقيتي كامب ديفيد ومعاهدة 1979 الاستسلامية ، وفي القيود الصارمة علي حق الشعب في التنظيم  والتعبير والنضال الجماعي الجماهيري وسياسة الافقار وهجرة العمالة للعمل في الخارج ، واستشراء النزعة السلفية الماضوية التي تسمي خطأ بـ "الصحوة الاسلامية " والتي ساهمت ولا تزال بدور كبير في تزييف الوعي بحقيقة مشاكلنا والسبيل الصححيح لمواجهتها.  

العقبات الحالية أمام التحول الديمقراطي

ترصد أية نظرة فاحصة ومتأنية وجود فعال للعقبات التالية أمام تطور الحركة الديمقراطية وقيام نظام سياسي  ديمقراطي ومقرطة المجتمع:  

1 – أوضاع التبعية والتخلف الاقتصادية والسياسية والثقافية . فالقوي الامبريالية والقوي الداخلية التابعة لها وغيرها من القوي الحافظة للتخلف هي ذاتها القوي الأساسية المعادية للحرية والديمقراطية، هذا إذا ما عرفنا الديمقراطية بأنها السلطة السياسية الممثلة لمصالح الشعب والمنصبة بالوسائل الديمقراطية وليس مجرد التعددية الشكلية والانتخابات التي تجري في نفس الظروف والأوضاع التي تعيد انتاج الوضع القائم دونما تغيير يذكر.

2 – نظام الحكم القائم في بلادنا علي المركزية الطاغية ممثلة في رئيس الجمهورية ، ومصادرة الحريات الديمقراطية ، والإرث الجوهري الباقي للتنظيم السياسي الواحد الذي يمارسه حزب الادارة الحاكم تحت واجهة التعددية السياسية المسموح بها ، وهي في جوهرها "ديكور" زائف للديكتاتورية السياسية ولقمع حركة الشعب وقواه الديمقراطية والتقدمية .

3 – التيار السياسي الديني المنتشر والمستشري والذي لا تنشره وتدعمه جماعة الاخوان المسلمين وغيرها من جماعات تديين السياسة والعلاقات الاجتماعية والثقافية فحسب ، بل وأيضا تشريعات وممارسات الحكم القائمة علي النفاق والمزايدة علي الجماعات السياسية الدينية من جهة وعلي أشكال متعددة من التمييز ضد الطوائف غير الاسلامية تحرك الفتن الطائفية أو تخلق و تبقي علي الأقل جذوتها متقدة لإشعالها  عند الاقتضاء تفتيتا لوحدة الشعب حول مصالحه الوطنية الجامعة ولوحدة الطبقات الكادحة المستغلة حول مصالحها وحقوقها العادلة من جهة أخري . إن الشروط الأساسية والأولية للحرية والديمقراطية تتراجع وتنحسر مع استشراء هذا التيار الذي يناهض أول ما يناهض حرية العقيدة والفكر والمساواة في الدستور والقانون ويجعل أفكار وأحكام السلف " الصالح" المرجعية الرئيسية إن لم تكن الوحيدة للفكر والسياسة ومصالح الشعب وحقوقه متنكرا لحقائق العصر وعلومه الاجتماعية والفلسفية.

4 – مخطط وثقافة التفكيك السياسي والثقافي العالميين والمستندين علي إحياء وإنعاش كل ما هو شعبي وتراثي والاهتمام بالكشف عما ينتمي إلي الأصول البعيدة  والسكان الأصليين ، وربما ، كما يقول المفكر السوري الطيب تزيني، ما ينتمي إلي البيئة الطوطمية وترك العلوم الاجتماعية الساحة خالية أمام الأنثربولوجيا، أي احياء التعددية المعيقة للتقدم : الطائفية ، الإثنية ، السلالية ، المذهبية الدينية ، الأقلوية ..الخ واسقاط كل الهويات التي تشكلت تاريخيا : السيادة الوطنية ، الدولة ، الأمة ، الطبقة والتي استندت إلي مفاهيم حداثية مثل : العقلانية ، الديمقراطية ، العلمانية وغيرها ، وهذا التفكيك يتم - وكما يقول تزيني أيضا - لصالح السوق الكونية . وبالنسبة لمصر ، ومن باب أولي البلاد العربية الأخري ،  فإن مثل هذا التفكيك هو تفكيك المفكك أصلا لأن مصر كما البلاد العربية الأخري لم تنجز مشروع حداثتها لا في الاقتصاد أو السياسة أو الفكر أو التقافة أو العلم  انجازا جذريا أو ملموسا حيث اجهضت الحداثة في كل من هذه الميادين ما بين مطرقة الاستعمار وسندان الرجعية المحلية. أما الأدوات المستخدمة لتفكيك المفاهيم والهويات الدافعة للحداثة والتقدم والتحرر السياسي والفكري والاجتماعي فهي:

ا – تدويل أوضاعنا ومشاكلنا للتدخل في شئوننا والوصاية علينا لاملاء أجندات إمبريالية تحت مزاعم حقوق الانسان والأقليات ونشر الحرية والديمقراطية.

ب– ترويج تيارين فكريين في أوساط المثقفين والسياسيين . الأول تيار "الثقافوية" وهي تقوم علي احياء الهويات القديمة واسقاط الهويات الحديثة كالوطنية والقومية والعقلانية والتعددية السياسية المثمرة والدافعة للتقدم . والثاني تيار "ما بعد الحداثة" وخاصة نمطه الأكثر بعدا عن العقلانية وخروجا علي النظرة الموضوعية الجدلية ليهتم بما هو هامشي وعابر ويرفض الأنساق الكلية ويفكك كل الأطر والبني المجتمعية ليتنج خطابا لا يمكن تحليله وضبطه بطريقة موضوعية .

ج – المنظمات الأهلية الممولة أجنبيا ، والتي تتبني أجندات صغيرة قد تكون في حد ذاتها أحيانا صحيحة لكنها تستهدف حجب وعي واهتمام الجماهير بالقضايا الكبري والروابط الجامعة لأبناء الشعب الواحد أو الأمة الواحدة أو الطبقة الاجتماعية الكادحة والمستغلة ، وخلق ولاءات للجهات الممولة التي تقف وراءها حكومات ومخابرات وشركات الدول الاستعمارية والمعادية لشعوبنا .  

5 – الضعف الشديد لتسييس الجماهير وعزوفها شبه التام عن الاقتراب من ساحة الكفاح السياسي . ويرجع ذلك إلي عوامل عديدة لعل أهمها سيكولوجية اجتماعية موروثة ومتجددة لمسالمة ومسايرة السلطة وأصحاب النفوذ والسطوة بسبب ضراوة القمع القديم والمتجدد ومحدودية الوعي والثقافة السياسية والعامة الحديثة والركود الطويل المستمر لأغلب فترة الـ  40 سنة الماضية  للحركة الجماهيرية وأشكال النضال الجماعي حتي في المجال الاقتصادي النقابي لأسباب ألمحنا اليها فيما سبق.  ويشكل نهوض الحركة المطلبية الجماعية حتي وإن كانت حول مطالب اقتصادية نقابية مباشرة بيئة مناسبة يتطور في ظلها الوعي والاستعداد للعمل السياسي إذا وجدت أو نشأت في ذات الوقت الطلائع السياسية الديمقراطية والتقدمية القادرة علي الالتحام بحركة الجماهير الناشطة . والآن يوجد نزوع جماهيري ملموس نسبيا للاحتجاج والإضراب الاقتصادي لكنه لا يزال محدودا نسبيا في مساحته ضيقا في أفقه المطلبي الاقنصادي والنقابي بعيدا عن أية مطالب سياسية مباشرة . إلا أنه علي أية حال وضع أفضل من الوضع الذي ساد خلال ال 15-20 سنة السابقة علي اضراب المحلة في ديسمبر 2006 ، وإن كان لا يجد الطليعة السياسية العمالية الجاهزة للربط والتنسيق بين المبادرات العفوية غالبا والمنظمة أحيانا وللإسراع بتوحيد الحركة العمالية المطلبية علي مستوي المهنة ثم علي مستوي الطبقة مما يوفر شروط استعادة الطبقة العاملة المصرية دورها السياسي القيادي ، كما لم يجد قوي ديمقراطية ذات ثقل جماهيري وجاهزة للاستفادة بالحيوية النسبية العائدة للحركة العمالية والمطلبية لخوض معارك كبيرة أو فعالة ودؤوبة لانتزاع حرية التنظيم السياسي والنقابي والاجتماعات العامة والمسيرات وحرية إصدار الصحف والإضراب عن العمل ، فتتوفر بذلك أحد الشروط الأساسية للتسييس الواسع للجماهير. والأخطر من ذلك أن أغلب هذه القوي رغم انحسار نفوذها متعجلة ومتوجهة مباشر لتغيير النظام السياسي القائم وإقامة نظام حكم ديمقراطي قبل أن تذلل العقبات وتزيح العوائق التي يشكل وجودها سدا مرتفعا أمام الهدف المنشود وفي مقدمتها الأوضاع والقوانين المنافية للحرية والديمقراطية ونفوذ التيارات الثقافية والسياسية المعادية للحرية والديمقراطية ، هذا النفوذ الذي انتشر في المجتمع بأسره وليس فقط في الدائرة التي تشكل القاعدة السياسية والاجتماعية للنظام السياسي القائم فقط ،وبذلك تساهم هذه القوي من حيث لا تدري ، أو تدري ، في عرقلة التسييس والنهوض السياسي للجماهير.  

من أجل مستقبل ديمقراطي  

في ضوء كل من الخبرة التاريخية والعقبات المشار اليها أمام الحركة الديمقراطية والتحول الديمقراطي يتطلب النضال من أجل مستقبل ديمقراطي لبلادنا خطة تقوم علي الاعتبارات التالية :

1 – الإقرار بأن إقامة ديمقراطية سياسية أو حتي قطع شوطا كبيرا في إتجاه إقامتها لا يزال يتطلب وقتا ليس بالقليل ونضالا شاقا وبأن معركة الديمقراطية في بلادنا معركة طويلة . وإن حدث ما ليس في الحسبان كأحداث تحث السير تجاه الديمقراطية فستظل إمكانية قرب تحقيقها وعلي الأرجح تحتاج إلي بضعة سنوات علي الأقل ، وذلك لغياب المنظمات السياسية الديمقراطية الجماهيرية حاليا فضلا عن افتقاد المنظمات والجماعات السياسية الديمقراطية القائمة حتي الآن - ودون استثناء تقريبا وكما أوضحت تجربة الأعوام الستة الماضية -  لكل أوبعض شروط فعالية القوة السياسية ، وهي الخط السياسي والتنظيم وخبرات الممارسة العملية ، التي تمكنها من الاستفادة الملموسة من نهوض سريع - إن حدث - في الحركة الجماهيرية وميولها الثورية.  

2 – معركة الديمقراطية ليست معركة ضد النظام الحاكم وحده وقوانينه وممارساته المنتهكة للحريات وأسس الديمقراطية فحسب ، بل وأيضا ضد قوي أخري هامة معادية للديمقراطية تتمثل في التيار السياسي الديني الذي يصادر حتي في صورته "المعتدلة" أو " الوسطية " أبسط مبادئ الحرية والديمقراطية ويلعب اليوم بشعار الديمقراطية في محاولة للوصول للحكم وفرض ديكتاتورية أشرس وأكثر بطشا وظلاما .  

إن إدخال الدين في السياسة ناهيك عن اتخاذه مرجعية أولي لها هو مسألة معادية للديمقراطية والتقدم والعدالة الاجتماعية بمعناها المعاصر، بل هو شعوذة . ولست أنا مبتكر أو صاحب  وصف تيار إدخال الدين في السياسة بالشعوذة ولا هو أحد الملاحدة وإنما القائل هو الحاج المسلم رئيس حزب الوفد الأسبق وخليفة سعد زغلول الراحل مصطفي النحاس .  

كما تتمثل القوي المعادية للديمقراطية بخلاف النظام الحاكم والتيار السياسي الديني في الليبراليين الجدد الذين ينظرون للدول الاستعمارية كقيادة للحضارة الإنسانية المعاصرة ويسقطون عنها طبيعتها وسماتها الاستعمارية ويسعون لإقامة ديمقراطية النخب البرجوازية المتنافسة علي الولاء للإمبريالية العالمية وجعل مصر ضيعة دائمة للأثرياء من الرأسماليين المصريين والأجانب .

3 – الارتباط العضوي بين الحرية والديمقراطية السياسية وبين جميع قضايا النضال الأساسية الأخري الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، الطبقية والوطنية والقومية . فلن يحرز نضالنا الديمقراطي انجازا ملموسا دون أن تتحقق في ذات الوقت انجازات ملموسة في هذه القضايا أيضا ، لن نمسك بمسطرة ونقيس التساوي بين الانجازات المطلوبة في كل الميادين المذكورة فما يهم هو الاتجاه العام . إن وحدة قضايا النضال مبدأ أساسي في الكفاح من أجل الحرية والديمقراطية وفي كل قضية أساسية أخري . فالكفاح من أجل قضية أساسية معينة هو في ذات الوقت دعم ورافعة للكفاح من أجل قضية أساسية أخري أو أكثر. مثلا التحرر من الاستعمار والتبعية هو شرط مبدئي لقيام حكم ديمقراطي أي يمثل الشعب ومصالحة العليا والأساسية والمباشره أيضا ، وتحقيق الحرية والديمقراطية هو شرط أساسي لتوحيد الشعب وتعبئته لإسقاط التبعية السياسية والعسكرية ومقاومة الاستعمار وتدخله في شئون دولة مستقلة أونازعة للاستقلال وانتهاج طريق التطور الاقتصادي والاجتماعي المعتمد علي الذات. وفضلا عن ذلك يحمي مبدأ وحدة قضايا النضال الديمقراطية والنضال الديمقراطي من الاختراق والابتذال من جانب القوي المعادية للديمقراطية والاستقلال الوطني والتحرر والتقدم .

4 – عدم الأخذ حاليا بالمقولة الشائعة الآن بأن " الحلقة الأساسية في العمل السياسي في مصر هي الديمقراطية "  أو بشعار " الديمقراطية أولا " لعدم اتفاقهما مع الخصائص الأساسية الراهنة للوضع السياسي وذلك لأنه ،
أولا : ينتهك مبدأ وحدة قضايا النضال ، وثانيا لأن شروط النجاح أو الحسم ضد الديكتاتورية السياسية غير قائمة حاليا ،
فهذا الشعار أو تلك المقولة لا يكونان صحيحين إلا بشروط معينة ليست متاحة حاليا في بلادنا ، فهما يتطلبان أن تكون القوي الديمقراطية حائزة للقدرة علي تعبئة جماهير الشعب للنضال الواسع والفاصل من أجل الديمقراطية .
ثانيا : أن تكون مشكلتنا الوحيدة أو الأساسية كشعب وقوي ديمقراطية مع النظام الحاكم القائم قاصرة علي ديكتاتوريته السياسية ومصادرته للحريات الديمقراطية والأمر كما هو واضح ليس كذلك عندنا .
فالتناقض مع الطبقة الحاكمة ونظامها السياسي يشمل جميع المسائل الأساسية .المقولة المذكورة مستمدة من تجارب وظروف مختلفة جذريا عن ظروفنا وتجربتنا الحالية . ويمكننا القول بأن أحد شرطي صحة هذه المقولة كان متاحا  في عهد عبدالناصر حيث كان يوجد حد أدني ملائم نسبيا من الاتفاق معه في القضايا الوطنية والقومية والاقتصادية والاجتماعية وكانت مصادرة الحريات والحكم الفردي المركزي الصارم هو مشكلتنا الرئيسية والعائق الرئيسي لمواصلة وتطوير مكتسبات المرحلة ولتعبئة الشعب بعد هزيمة 1967 لتحرير الأرض دون قيد أو شرط وهزيمة الكيان الصهيوني ، لكن شرطها الثاني لم يتوفرأنذاك . لذلك قد يصح القول أن هذه المقولة كانت صحيحة نظريا واستراتيجيا في عهد عبدالناصر لكن لم تتوفر القوي الفعلية لتنفيذها عمليا .

أما المثال الكلاسيكي الذي ظهر فيه مفهوم الحلقة الأساسية في العمل السياسي ، واستوفي شروط تطبيقه الناجح ولكن في مجال أخر غير الديمقراطية ، فقد كان في روسيا بعد الثورة البلشفية ، عندما استخدم لإخراج الثورة من خنق الزجاجة التي دخلت إليه بسبب النتائج التي ترتبت علي حروب التدخل العسكري  لـ 14  دولة أجنبية والحرب الأهلية التي شنتها في حمي هذا التدخل الرأسمالية الروسية وبقايا الاقطاع ضد الثورة كالمزيد من تدمير الصناعة الروسية بعد التدمير الذي ألحقته بها الحرب العالمية في ظل القيصرية والبرجوازية وكظهور المجاعة في المدن . فقد اعتبر البلاشفة سنة 1921 ، بعد انتهاء الحرب الأهلية بانتصار الثورة علي التدخل الأجنبي والرجعية الروسية ، أن الحلقة الأساسية هي السياسة الاقتصادية الجديدة "النيب" التي أتاحت حرية التجارة تحت رقابة الدولة ، حيث كانت السلطة الاشتراكية والحزب البلشفي منتصرين ومسيطرين ولا يعوق الثورة إلا خطر المجاعة في المدن  والتخريب الفادح للاقتصاد  مما تطلب عاجلا حفز الفلاحين علي الاسراع بالتوريد الاختياري للحبوب والمواد الغذائية لسكان المدن وكذلك انعاش الاقتصاد سريعا بكل أساليب الإنتاج الممكنة - وليس بأسلوب الانتاج الاشتراكي وحده - بعد سنوات الحرب العالمية والثورة والحرب الأهلية لتوفير حد أدني يسمح  بمواصلة التحويل الاشتراكي للاقتصاد والمجتمع .

إن مقولة الحلقة الأساسية في العمل السياسي ليست صالحة الآن لإنجاز عاجل أو في أمد قريب منظور لأي من مهماتنا السياسية الأساسية ، لا التحرر من التبعية ، ولا إقامة الديمقراطية ، ولا التوجه تجاه بناء أسس التطور الاقتصاد المعتمد علي الذات ، ولا إسقاط معاهدة 1979 مع الكيان الصهيوني ، ولا غيرها من المهام السياسية الأساسية. وإذا كانت هناك ثمة ضرورة للقول بحلقة أساسية من بين حلقات نضالنا يتعين إنجازها أولا أو الامساك بها بقوة توطئة لإمساك باقي الحلقات لقلنا دون أدني تردد أن هذه الحلقة هي في مجال التنظيم ، بناء أداة أو أدوات الكفاح ، أي بناء المنظمة أو المنظمات السياسية الكفاحية . ونود التذكير والتشديد علي أن هذا البناء نفسه لن يكون إلا عبر الكفاح في ميادين النضال الأساسية كلها ، ووفقا لمبدأ وحدة قضايا النضال ، وليس في ميدان واحد أو جزئية واحدة من جزئيات قضية أساسية معينة ، كمن أرادوا أن يقيموا حركة سياسية تقضي عاجلا علي ديكتاتورية الحكم والاستبداد وتقيم ديمقراطية اعتمادا علي شعار وحيد مثل شعار " لا للتمديد والتوريث" ، أو كمن ادعوا أن النضال السياسي واقامة التنظيم السياسي لايقوم إلا علي الحركة المطلبية الفئوية ، أو كمن زعموا أن إسقاط الديكتاتورية وإقامة الديمقراطية يتطلب تحييد القوي الدولية أو ما يسمي المجتمع الدولي في الصراع مع النظام السياسي القائم وهو لا يعني سوي القول بتحييد الاستعمار والتقاطع معه ومع مشاريعه الكاذبة لنشر الحرية والديمقراطية . ومثل هذه التوجهات لا تنتج تنظيمات أو أحزاب وطنية أو ديمقراطية أوتقدمية حقيقية ولا تجدي مجهوداتها ، مهما أثارت من زوبعة أو ضجة عابرة ، في مجال انجاز أي مهمة أساسية وغالبا ما تضر نضالنا ضرر بليغا .

5 – تحقيق نهضة ملموسة واسعة وعميقة في الثقافة الديمقراطية العامة والسياسية . والثقافة الديمقراطية في بلادنا وغيرها من البلاد المشابهة لأوضاعنا هي جزء لا يتجزأ من الثقافة الوطنية الديمقراطية والتي هي بالضرورة عقلانية وعلمية . وتتشكل وتنهض الثقافة الوطنية الديمقراطية بنهضة عدة تيارات وبالمزج والتركيب بين عناصرها المشتركة والمتناسقة . وأبرز هذه التيارات هي :

ا -  تيار الثقافة الوطنية ، الثقافة المناهضة للامبريالية والصهيونية المتوجهة لاستكمال استقلالنا الوطني والحفاظ عليه وصيانة كرامة الشعب المصري والأمة العربية الكبري ، وهي ثقافة ناقدة ورافضة للجوانب الرجعية والعنصرية والتفكيكية والاستعمارية في الثقافة العالمية أي ناقدة ورافضة لثقافة الإمبريالية القومية والجماعية (الإمبريالية  المعولمة) . وهو تيار يحمل خصوصيتنا الوطنية المصرية والقومية العربية المنفتحتين علي ثقافات الأمم الأخري في وجوهها الديمقراطية والتقدمية والعلمية .

ب– تيار تجديد الفكر الديني والتراثي في اتجاه تذليل القيود علي حرية الفكر والعقيدة والبحث العلمي والتشريع والتقدم السياسي والاقتصادي الاجتماعي المستند في المقام الأول علي منجزات العلوم الاجتماعية والفلسفية والطبيعية الحديثة.

ج – التيار العلماني وضرورة إحيائه وانتشاره وازدهاره وسيادته في الثقافة السياسية للجماهير والعلوم الاجتماعية وصولا لإبعاد الدين عن السياسة ، وإبعاد السياسة عن الدين ، وفصل الدين عن الدولة  ، والتطبيق الحازم للشعار العلماني الشهير والعظيم الذي صاغته ثورة شعبنا المجيدة سنة 1919 " الدين لله والوطن للجميع "  . وبدون ذلك تغيب أهم أسس الحريات والديمقراطية السياسية .

د – تيار الاشتراكية العلمية والثقافة الاشتراكية لا لمجرد التعبير عن تطلع الكادحين والمثقفين الإنسانيين لانهاء استغلال الإنسان لأخيه الإنسان فقط ، وإنما ايضا للاستفادة بالنظرية الماركسية التي مثلت قطيعة معرفية  لم يتجاوزها تاريخ نظرية المعرفة وبفلسفتها الاجتماعية التاريخية التي ابتكرتها والتحليل الطبقي الذي أصلته وطورته  لكشف الحقائق الأساسية والجوهرية للنظام الدولي الاقتصادي الاجتماعي السائد وهو النظام الرأسمالي وتناقضاته وصراعاته الأساسية الدائمة . وتمثل هذه الاستفادة التي يمكن أن تشمل كافة القوي التقدمية في المجتمع ، كما حدث ولا يزال يحدث بالفعل ، الدور الرئيسي حاليا للتيارالفكري الاشتراكي العلمي الماركسي . ففي ضوء ما كشفه هذا التيار - ولا يبذه أو يدانيه في هذا الميدان  تيار أخر- من حقائق وتناقضات وصراعات النظام الرأسمالي العالمي وموقع مراكزه المهيمنة واستغلالها لكادحي العالم بأسره وسيطرتها ذات الطابع الامبريالي الدائم والذي لا يتغيرجوهره  مع تغير مراحل تطور الرأسمالية  ، تحدد شعوب العالم المضطهدة وطبقاته المستغلة المظلومة استراتيجياتها للتحررالوطني والتقدم الاقتصادي والسياسي والأمن والسلم الدوليين ، وتستشرف عدالة اجتماعية من نوع ومستوي جديد متجاوزة عدالة الاحسان والصدقات متطلعة للقضاء علي الفقر المطلق والنسبي أيضا ، وبناء عالم جديد قائم علي أسس موضوعية وقيم اجتماعية واخلاقية للمساواة والندية والتكافؤ والتآخي بين الأمم والشعوب والافراد .

6 – توفير الحريات،  حرية الفكر والتعبير والتنظيم والاجتماع والمظاهرات والاضراب عن العمل والانتخاب والترشيح في جميع الهيئات التمثيلية من أدناها إلي أعلاها ، والمساواة بين المواطنين بعيدا عن أي تمييز أو تفرقة بسبب الدين أو الجنس ، هو أساس الديمقراطية السياسية وشرطها المسبق والذي لا تدوم الديمقراطية وتتوطد بعد إقامتها إلا بدوامه وتوطده . وإن جدية ومصداقية ونزاهة أية انتخابات برلمانية أو رئاسية تتطلب أن تتوفر قبل اجرائها بوقت كاف جميع تلك الحريات وأن يرفع كل قيد علي حريات الشعب وحق طبقاته وفئاته وتياراته المختلفة في النشاط السياسي والثقافي والنقابي. ووفقا لهذا الفهم تصبح المهمات العاجلة والمباشرة في مجال الكفاح من أجل الديمقراطية هي معارك انتزاع الحريات . فالحريات كما قلنا تسبق الديمقراطية وتستمر وتتوطد الديمقراطية باستمرار وتوطد الحريات.

7 – الأهمية البالغة لحفز ومساندة الحركة الجماهيرية المطلبية ، وفي مقدمتها الحركة العمالية ، ودعوتها ومساعدتها علي توسيع حدود مطالبها وتوحيدها علي مستوي المهنة والصناعة ثم علي مستوي الطبقة العاملة ثم علي المستوي الوطني ،  مما يسمح بانفتاح آفاق انخراط الطبقة العاملة في النشاط السياسي واستعادتها لدورها السياسي المفقود والذي كان له في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي تأثير كبير في تطوير برنامج الحركة الوطنية ليتضمن الاستقلال الاقتصادي والتطور الاقتصادي المعتمد علي الذات إلي جوار الاستقلال السياسي ، والكفاح المسلح إلي جوار الكفاح السياسي  ، وتطوير برنامج الحركة الديمقراطية ليشمل الديمقراطية الاجتماعية ،أي مواجهة قضية انقسام المجتمع ٌإلي طبقات والفوارق الفادحة بينها ، إلي جوار الديمقراطية السياسية حتي لا تظل كما كانت تحت الاحتلال والملكية احتكارا وديكتاتورية  للمالك الزراعي الكبير شبه الاقطاعي أو الرأسمالي الكبير المرتبطين بالاستعمار .

عيداروس القصير


(هذه المقالة هي الجزء الأخير من محاضرة - وخلاصة هذه المحاضرة - عن تاريخ الديموقراطية ومستقبلها في مصر اعقيها تقاش موسع في منتدي ابن لقمان بمدينة المنصورة حضرته شخصيات من كل التيارات والقوي السياسية والثقافية  المصرية تقريبا في المدينة يوم الجمعة 27 ديسمبر 2008 )

Alexa
لوحـة التعليقات الحرة
على هذه اللوحة يمكنك كتابة تعليقاتك بحرية كاملة دو تدخل، فقط لا يجب أن تزيد على 512 حرفا. يمكنك تزيين تعليقك بأكواد إتش تي إم إل إذا كنت تعرف هذه الأكواد. بمكنك مثلا وضع خط تحت بعض العبارات أو إبرازها أما الإنتقال إلى سطر جديد فهذا يتم بالضغط على مفتاح سطر جديد ولا داعي لكتابة الكود الخاص بذلك. الحروف التي تكون الأكواد محسوبة ضمن الحد الأقصى للحروف - 512. الإسم والبريد الإلكنروني إختياريان وإذا أردت إخطارك بالتعليقات التي تضاف إلى هذه اللوحة عليك تعليم حقل [أخبرني بالتعليقات المضافة على هذه اللوحة] وفي هذه الحالة يجب كتابة بريك الإلكتروني.
الإسم:
البريد الإلكتروني:
أخبرني بالتعليقات المضافة على هذه اللوحة:

  أضـف التعليق

مواضيع ذات علاقة

موضــوعات آخرى للكــاتب
  • معركة اسقاط معاهدة 1979 حجر الزاوية في نهضة شعبنا
  • أصل التطبيع وفصله
  • عرب يناصرون الاحتلال الامريكي

  • نشـرها: [عزت هلال] بتــاريخ: [2010/02/15]

    إجمالي القــراءات: [49] حـتى تــاريخ [2017/06/25]
    التقييم: [0%] المشاركين: [0]

    شـارك في تقييـم: طريقنا إلي الديمقراطية في مصر
    rate downضعيف 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 ممتـازrate up
    صوت

    النتيجة : 0%
                                                               
    المشاركين: 0
    الآراء والأفكار والإبداعات المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها وهو المسئول الوحيد عنها وليس بالضرورة أن تتوافق مع موقف إدارة الموقع. من حق أعضاء الموقع التعليق عليها ونقدها ولكي ترفع من الموقع يجب أن يقل تقييم عدد من القراء لا يقل عن 250 قارئ عن 25%.

    ©2009 - 2017 [اللجنـة الشعـبية للإصـلاح] - إنطلقت في2009/02/25 - cms - الإصدار: 2.0.0 - [برمجيـات هلال]